عدالة خارج المحكمة.. لهذه الأسباب يصمد القضاء العرفي في مصر

تنجح الجلسات العرفية في احتواء الاحتقان الطائفي في مصر أحياناً، لكن الاعتماد عليها دون مساءلة قانونية يعزز الإفلات من العقاب.

Share
عدالة خارج المحكمة.. لهذه الأسباب يصمد القضاء العرفي في مصر
القضاء العرفي محطّ جدلٍ مستمرّ | تصميم خاص بالفراتس

استضاف عمدة قرية "نزلة الجلف" بمحافظة المنيا جنوب مصر في أكتوبر 2025 جلسةً عرفيةً لاحتواء أحداث عنفٍ اندلعت قبلها بيومين، عند هجوم عددٍ من مسلمي القرية على ممتلكاتٍ لمسيحيين. بدأت الأزمة على خلفية علاقةٍ عاطفيةٍ بين شابٍّ مسيحيٍّ يبلغ ثمانية عشر عاماً وفتاةٍ مسلمةٍ عمرها ستة عشر عاماً عُثر عليها داخل منزل الشاب بعد اختفائها ساعات.

انتشر الخبر سريعاً بين أهالي القرية، لتظهر روايتان متناقضتان. الأولى أن الفتاة ذهبت إلى منزل الشاب بإرادتها، والثانية أنها فقدت الوعي داخل محل بقالةٍ فنقلها الشاب إلى منزله بنيّةِ خطفها. وكما هو معتادٌ في هذه الوقائع، لم ينتظر أحدٌ التحقق من صحة أيٍّ من الروايتين، بل تصاعدت الأحداث سريعاً وتحولت أزمةً طائفيةً وأمنية. فقد أظهرت مقاطع مصوّرةٌ متداولةٌ على وسائل التواصل الاجتماعي شباباً وأطفالاً ونساءً يرشقون منازل ومحالّ بالحجارة، وآخرين يحرقون عششاً على أراضٍ زراعيةٍ يملكها مسيحيون.

تدخلت الشرطة وقبضت على الشاب المسيحي وبعض المشاركين في الاعتداءات، فيما أُعلن عن عقد جلسةٍ عرفيةٍ لتهدئة الأوضاع. وفي الموعد المحدد اجتمع عددٌ من أهالي القرية بمقرّ العمدية بحضور قياداتٍ أمنيةٍ في المحافظة ومحكّمين من كبار العائلات وطرفَي النزاع.

وبعد الاستماع إلى أقوال أسرة الفتاة المسلمة وجدِّ الشاب المسيحي، أعلن أحد المحكّمين في مقطعٍ مصوَّرٍ نُشر على مواقع التواصل الاجتماعي عن إدانة الشاب وتغريم أسرته مبلغ مليون جنيهٍ مصريٍّ (حوالي واحد وعشرين ألف دولار أمريكي) يُدفع لأسرة الفتاة، مع فرض شرطٍ جزائيٍّ قدره مليونا جنيهٍ في حال الإخلال بالاتفاق، إلى جانب "تصفية بعض الحقوق" عبر اعتذارٍ متبادلٍ بين الطرفين. وسمح القرار لأسرة الفتاة بالاستمرار في الإجراءات القانونية الرسمية ضدّ الشاب، مع التأكيد على احترام سلطة القضاء وعدم التدخل في شؤونه.

أهمّ قرارٍ صدر عن الجلسة العرفية لم يُعلَن في المقطع المصوَّر. فقد كشفه محكّمٌ آخَر في تصريحاتٍ صحفيةٍ لاحقةٍ، وهو إبعاد الشاب فوراً عن القرية ومنح أسرته مهلة خمسة أعوامٍ لبيع ممتلكاتها ومغادرة القرية نهائياً. وبينما رأت وزارة الداخلية أن الحكم يتوافق مع العادات والتقاليد السائدة في القرية ولا يتعارض مع الإجراءات القانونية المتخذة، عدّته مؤسساتٌ حقوقيةٌ — من بينها المبادرة المصرية للحقوق الشخصية — تكرّيساً للطائفية برعاية الدولة.

بين ضرورته في ضبط التوازن الاجتماعي وخطورته في تقويض سيادة القانون، يظلّ القضاء العرفي محلَّ جدلٍ مستمرٍّ في مصر. ففي حين يرى بعضُ المصريين في المجالس العرفية آليةً فعّالةً لاحتواء النزاعات، لاسيما المرتبطة بالثأر والحوادث الطائفية وقضايا الميراث، لاعتمادها على مبدأ الصلح والحفاظ على العيش المشترك، يعدّها آخَرون انتهاكاً لمبادئ الدولة الحديثة وتقويضاً لشرعية التجريم والعقاب ونظاماً يُسهم في تكريس الظلم وإفلات الأقوى من المحاسبة.


نشأت الحاجة إلى القضاء آليةً لضبط المجتمع وتنظيم العلاقات بين أفراده. وبما أن القبيلة سبقت الدولة تاريخياً، فقد سبق القضاءُ العرفيُّ القضاءَ الرسميَّ. ومع هذا السبق، تُعدّ مصر من أقدم الكيانات السياسية التي عَرفت نظاماً قضائياً رسمياً مبكراً. إذ يستدل عالم الآثار المصري سليم حسن في كتابه "موسوعة مصر القديمة"، الصادر سنة 1940، بنقوشٍ تعود إلى الأسرتين الرابعة والخامسة من العصر الفرعوني تؤكد وجود مصلحةٍ مستقلةٍ للعدالة إلى جانب المصالح الإدارية، وقد سُمّي  العاملون بها "قضاة".

شهد هذا التنظيم القضائي تحولاتٍ في العصور اللاحقة. فبحسب دراسة  "ذا ستاتس أُف بيرِغرين لو إن إيجِبت [...]" (وضع قانون الغرباء في مصر) المنشورة سنة 2013 كان القضاء المحلي أو العرفي في العصر البطلمي جزءاً من بنية الدولة المؤسسية. فقد خُصصت محاكم رسميةٌ للمصريين عُرفت بِاسم "لاوكريتاي" (العامة) تطبّق قوانينهم بالتوازي مع محاكم اليونانيين. إلا أن هذا التعدد القانوني أُلغي في العصر الروماني، مع حلّ تلك المحاكم وتحويل القانون المحلي إلى "بيرِغرين لو" (قانون الغرباء أو غير الرومانيين) الذي لم يُعترف به رسمياً، لكنه استمر أمراً واقعاً لضمان استقرار البلاد.

مع دخول العرب المسلمين إلى مصر في القرن السابع انتشر نظام القضاء الشرعي. فكانت المنازعات تُحال إلى قاضٍ يحكم فيها وفق أحكام الشريعة الإسلامية.​ يجمع هذا النظام بين عناصر القضاء العرفي والحديث. فهو لا يعتمد دائماً على نصوصٍ مكتوبةٍ صارمةٍ، بل يُعير العرف أهميةً كبيرةً، ويتجاوز دور القاضي فيه تنفيذ القانون إلى ضمان استمرارية العيش المشترك، مستنداً إلى قاعدة "الصلح سيد الأحكام". وعلى اعتبار القضاء الشرعي الجريمةَ والعقوبةَ فرديّتين في أكثر الأحوال، فثمة حالاتٌ يظهر فيها تصورٌ مختلفٌ لهما، مثل حالة القتل الخطأ التي تتحمل الديةَ فيها "العاقلة" أي عصبة الجاني من جهة الأب.

ومع تطوّر الدولة الحديثة، تنوعت أشكال المحاكم واختصاصاتها. فكرّس دستور 1923 مبادئ سيادة القانون وفكرة سواسية المواطنين أمام القانون، ونصّ على أن القضاءه من سلطات الدولة، مؤكداً أن "القضاة مستقلون ولا سلطان عليهم في قضائهم لغير القانون". 

بالتوازي مع هذا المسار الرسمي، ظلّ القضاء العرفي حاضراً داخل المجتمعات القبلية والتقليدية. ففي كتابه "العرب البدو في مصر" الصادر سنة 1904، وصف الكاتب عبد المجيد لطفي أوضاع البدو قبل تولّي محمد علي الحكم سنة 1805. وأشار إلى أنهم كانوا يحتكمون إلى نظامٍ قضائيٍّ قائمٍ على أعرافٍ بسيطةٍ تؤدي دور القوانين المدنية المتعددة. ويذكر لطفي، المنتمي إلى قبيلة خُوَيْلِد، أن المتظلّم كان يلجأ إلى رجالٍ يُنصَّبون للفصل في النزاعات. ويؤكد أن المحاكمة تُعقَد "بأبسط الطرق، على نظامٍ سهلٍ يؤدي إلى نتائج صحيحةٍ قائمةٍ على دلائل لا يداخلها شكّ".

ويقول لطفي إن محمد علي سعى إلى دمج البدو الرحّل في دولته الحديثة بتوطينهم ومنحهم أراضيَ واسعةً وامتيازاتٍ شملت الإعفاء من السّخرة والخدمة العسكرية النظامية. لكنه اشترط خضوعهم للقضاء الرسمي في الجرائم والمنازعات الحقوقية، إلى جانب تحصيل الأموال الأميرية، مع إعفائهم منها أحياناً.

ومع خضوع بدو مصر لسلطة الدولة المركزية ظلّت الثقافة البدوية — بما تحمله من أعرافٍ وقيمٍ وآلياتٍ تقليديةٍ لتنظيم العلاقات وحلّ النزاعات — حاضرةً ومؤثرة. واستمر الاعتماد على القضاء العرفي إطاراً أكثر قبولاً داخل هذه المجتمعات. وحسب كتاب "القضاء العرفي في شمال سيناء" الصادر سنة 1988، ترى المجتمعات القبلية والبدوية أن القوانين الوضعية صُمِّمت أساساً للمجتمعات المستقرة والمتقدّمة، وقد لا تلائم أوضاعهم في كثيرٍ من الأحيان، فضلاً عن رفضهم تدخل أطرافٍ خارجيةٍ في نزاعاتهم الداخلية. وينقل الكتاب عن أحد أبناء البادية قوله إن من يلجأ إلى الشرطة أو المحكمة "يريد تضييع الحقوق".


عدالةٌ مُبصِرةٌ بالسياقات وموازين القوى تعتمد قاعدة الصلح حتى وإن تنازل طرفا الخصومة، كلٌّ منهما، عن جزءٍ من حقّه. هكذا يُوصَف القضاء العرفي، أحد أقدم آليّات فضّ النزاعات في المجتمعات التقليدية، والذي تتعدد تعريفاته بتعدد زوايا النظر إليه.

فالمنظمة العالمية للملكية الفكرية (ويبو)، وهي إحدى وكالات الأمم المتحدة، تعرِّف القضاء العرفي بأنه مجموعةٌ من الأعراف والممارسات والمعتقدات المعترَف بها قواعدَ سلوكٍ إلزاميةً تتبعها الشعوب الأصلية والجماعات المحلية وتشكّل جزءاً أصيلاً من أنظمتها الاجتماعية والاقتصادية ومن أسلوب حياتها. ووفق هذا التعريف يختلف القضاء العرفي عن القوانين المكتوبة التي تصدر عن سلطةٍ سياسيةٍ مشكَّلةٍ وتُطبّقها الدولة في أغلب الأحيان.

في المقابل يرى قضاةٌ عرفيون — من بينهم عبد الله أبوزيد، المحكّم بمحافظة بني سويف — أن القضاء العرفي وسيلةٌ متعارفٌ عليها للتحكيم بين الخصوم، وتتمتع أحكامه بقوة إلزامٍ فعّالةٍ داخل القبائل والعائلات الكبرى في مصر. ويشير أبوزيد في حديثٍ للفراتس إلى أن هذه الأحكام كثيراً ما تعتمد على الجهات الأمنية والرسمية، أو تحصل منها على موافقةٍ لتمارس عملها، بل وتلجأ إليها الدولة أحياناً لفضّ المنازعات الكبرى بين العائلات خاصةً في قضايا الثأر والاعتداءات الطائفية، بهدف احتواء العنف وإنهاء النزاعات الممتدة.

تظلّ فاعلية القضاء العرفي بحسب أبوزيد مرهونةً بقبول المعتدَى عليه التعويضَ المالي واعتذار المعتدِي. فجلسات التحكيم لا تبدأ دون وجود "كفيلٍ غارمٍ"، وهو ضامنٌ لتنفيذ الاتفاق لكلّ طرفٍ، يكون مقبولاً اجتماعياً حسن السمعة ومعروفاً بالصدق لدى الخصوم وهيئة التحكيم على حدٍّ سواء. ويُشترط تقديم ضماناتٍ ماليةٍ ملموسةٍ، مثل إيصالات أمانةٍ بمبالغ كبيرةٍ، إلى جانب تعهداتٍ شرفيةٍ تُؤخذ من كبار عائلات الأطراف المتنازعة.

ويشرح أبوزيد، الذي شارك في جلسات تحكيمٍ عرفيٍّ داخل محافظته وخارجها طيلة أكثر من خمسةٍ وعشرين عاماً، أن القضاء العرفي يشبه القضاء الرسمي في كثيرٍ من الجوانب الإجرائية لكنه يختلف عنه في الهدف. ويقول: "بنقعد بهدف الصلح، حتى وإن تنازل كلّ طرف للثاني عن بعض حقّه، لكن القاضي في المحكمة لديه قوانين مكتوبة لا يستطيع مخالفتها".


للقضاء العرفي تاريخٌ موثّقٌ في بعض المناطق المصرية، أبرزها سيناء، إذ اعترفت به الدولة رسمياً سنة 1911 عبر إصدار قرارٍ خاصٍّ بنظام المحافظة الإداري والقضائي. تضمّن القرار تمثيل عددٍ من القضاة العرفيين القبليين، يتراوح بين اثنين وخمسةٍ، ضمن تشكيل هيئتَي المحكمة الجزئية والعليا. ومع أن دورهم كان استشارياً، واختيروا سنوياً مع منح الخصوم حقّ ردّهم، فإن مواد القانون نصّت صراحةً على الفصل في المنازعات البدوية وفق الأعراف والعادات القبلية.

واستمراراً لهذا النهج، وبعد تحرير سيناء من الاحتلال الإسرائيلي، أصدر محافظ شمال سيناء سنة 1980 قراراً بتشكيل لجانٍ عرفيةٍ لفضّ المنازعات بمختلف أنواعها، والتعامل مع النزاعات المصاحبة لإعادة الأوضاع إلى طبيعتها. ونصّ القرار، بحسب ما جاء في كتاب "القضاء العرفي في شمال سيناء"، باختصاص هذه اللجان بالنظر في المنازعات المُحالة إليها من المحافظة والحزب الوطني (الحزب الحاكم في مصر آنذاك)، مع التزام مديرية الأمن بإحضار أطراف النزاع والعمل على قبولهم الاحتكام للقضاء العرفي واتخاذ الإجراءات اللازمة لتأمين أصحاب الحقوق. وتقرر عقد مؤتمرٍ لوضع لائحةٍ تنظّم إجراءات التقاضي، بما يضمن إنهاء النزاعات في أقصر وقتٍ ممكنٍ، على أن تُخطَر النيابة العامة بأحكام هذه اللجان من مديرية الأمن لتتولى تنفيذها بعد التصديق عليها من المحكمة المختصة.

وعلى المنوال نفسه، كلّف محافظ شمال سيناء اللواء منير أحمد شاش في سنة 1987 لجنةً من أبناء المحافظة بجمع قواعد القضاء العرفي باعتباره أحد أبرز ألوان التراث الشعبي. جُمعت القواعد من مصادرها الطبيعية، ومن العادات الراسخة التي يتمسك بها المجتمع السيناوي بمختلف فئاته وطبقاته. وأسفر عمل اللجنة عن صدور كتاب "القضاء العرفي في شمال سيناء" سنة 1988 الذي عَرَّف القضاء العرفي بأنه "قانونٌ شعبيٌّ" يتكوّن من مجموعة عاداتٍ ملزمةٍ نشأت تدريجياً واعتمدت عليها المجتمعات القبلية والبدوية بحكم توطنها في مناطق متفرقةٍ وبعيدةٍ عن التجمعات الحضرية المستقرة.

يتقاطع هذا التعريف مع ما ذهب إليه الكاتب والباحث العراقي في الفلكلور باسم عبد الحميد حمودي، في كتابه "القضاء العرفي عند العرب" الصادر سنة 2009. فقد وصفه بأنه منظومةٌ شفهيةٌ متوارثةٌ سبقت القضاء الشرعي والقوانين الحديثة وصاغها حكماء القبائل على مدى مئات السنين بما يحقق قدراً من الإنصاف والعدالة.

وتختلف الأسس التي يعتمد عليها القضاة العرفيون في إصدار أحكامهم من منطقةٍ إلى أخرى تبعاً لاختلاف العادات والتقاليد، إلا أنهم يشتركون في الاعتماد على خمسة مصادر رئيسة. جاء ذلك في دراسةٍ نُشرت سنة 2025 وأعدّتها أستاذة علم الاجتماع الريفي بجامعة دمنهور ماجدة محمود يوسف، بعنوان "دور القضاء العرفي في فضّ المنازعات بالمجتمع الريفي". تضع الدراسة الشريعة الإسلامية في مقدّمة هذه المصادر، بما تتضمنه من قواعد مثل الدية ومبدأ "البيّنة على من ادّعى واليمين على من أنكر"، تليها العادات، ثم السوابق القضائية، فباب الاجتهاد، وأخيراً خبرة القاضي نفسه.

وبحسب دراسة أستاذ علم الاجتماع الريفي بمركز بحوث الصحراء حسين تهامي، الصادرة سنة 2013 بعنوان "القضاء العرفي كآلية للضبط الاجتماعي بمحافظة شمال سيناء"، تتكوّن المجالس العرفية من مشايخ وكبار العائلات في كل منطقة. ويُعدّ الإرث العائلي والسيرة الذاتية والمكانة الاجتماعية من أبرز معايير اختيار القضاة العرفيين. وكشفت الدراسة، التي شملت ثلاثةً وثلاثين قاضياً عرفياً، أن نحو 30 بالمئة منهم أمّيون بينما لا تتجاوز نسبة الحاصلين على مؤهلٍ دراسيٍّ عالٍ 3 بالمئة.

ويفسِّر أبوزيد، الذي لا يعرف القراءة والكتابة، هذه النتائج بأن الحكمة والخبرة والقدرة على التمييز بين الحق والباطل هي جوهر عمل القاضي العرفي، لا مستوى التعليم. ويضيف: "كوني أمّياً لا يعني أنني أقلّ فهماً أو قدرةً على الحكم".


"تتيح المجالس العرفية في القرى والمجتمعات التقليدية آليةً سريعةً ومرنةً لحلّ النزاعات وتحقيق الصلح بين المتخاصمين، بعيداً عن المحاكم وتعقيد الإجراءات القانونية"، حسب ما يشرح القاضي العرفي بمحافظة الغربية حامد أبو عقيل آليات عمل المجالس العرفية، مشيراً إلى أن الإجراءات لا تختلف كثيراً من مكانٍ إلى آخر. تبدأ الجلسة عادةً بوجود رغبةٍ لدى أحد طرفَي النزاع أو كليهما، أو عبر وسيط للصلح. يليها توقيع الطرفين على إيصالات أمانةٍ تضمن حضورهما الجلسة والالتزام بقبول التحكيم وقراراته وتنفيذها وعدم تصعيد النزاع، إلا في حالاتٍ قليلةٍ تكون الدولة ممثلةً في وزارة الداخلية طرفاً فيها لتخفيف حدّة الانتقادات لقرارات المجلس العرفي، مثل حادثة "قرية الجلف". بعد هذه الخطوة، يحدَّد مكانٌ محايدٌ لانعقاد الجلسة. غالباً يكون منزل أحد الأعيان أو عمدة القرية. ويصف الشيخ السيناوي سالم اليماني، أول رئيس للمجلس الشعبي المحلي لمحافظة سيناء، جلسات القضاء العرفي في كتابه "سيناء.. الأرض والحرب والبشر" الصادر سنة 1975 بأنها مجالس مهيبة. يجلس طرفا الخصومة ومشايعوهما في ديوان القاضي المتفق عليه، مرتَّبين في دائرةٍ كبيرةٍ يتوسّطها موقد نارٍ يحتوي على بكارج القهوة العربية.

ويتكوّن المجلس العرفي من عددٍ فرديٍّ من القضاة يختارهم المتخاصمون أو يوافقون عليهم. ويختار هؤلاء من بينهم رئيساً للجلسة يكون صوته مرجحاً في حال تساوي الآراء، وغالباً ما يكون الأكبر سناً أو الأكثر خبرة أو صاحب مكانةٍ اجتماعيةٍ أو علميةٍ رفيعةٍ، بحسب المحكّم العرفي عبد الله أبوزيد.

ويبدأ الاجتماع عادةً بقراءة الفاتحة، على أن تكون نيّة جميع الحاضرين الصلح والتسامح، ثم يعرض المحكّمون خيارات الصلح على المتنازعين. إذا وافق الطرفان، تُختتم الجلسة فوراً. أما إذا أصرّ أحدهما أو كلاهما على عدم الصلح، تفتح الجلسة رسمياً ويحرّر محضرٌ بها.

ويتابع أبوزيد أن المحكمين يستمعون إلى أقوال الطرفين والشهود، ثم ينتقلون إلى غرفةٍ منفصلةٍ للمداولة، وعند الانتهاء يعود رئيس الجلسة لتلاوة الحكم. وفي حال رفض أيّ طرفٍ تنفيذ الحكم، تُسلَّم إيصالات الأمانة الخاصة به للطرف الآخر، الذي يحقّ له تقديمها لاحقاً إلى المحكمة الرسمية.


يلجأ المتخاصمون إلى القضاء العرفي لعدّة أسبابٍ، في مقدّمتها اعتماد الصلح هدفاً أساساً، إلى جانب مراعاة خصوصية كلّ نزاعٍ وسياقه الاجتماعي وسرعة الفصل فيه دون تعقيد الإجراءات، فضلاً عن مشاركة أطراف النزاع في اختيار من يتولى الفصل بينهم.

في سنة 2009، حضر القاضي العرفي حامد أبو عقيل جلسة صلحٍ بين ستة أشقاء استمرّت نحو ثماني ساعاتٍ، لكنها نجحت في إنهاء نزاعٍ يخصّ ملكية قطعة أرضٍ موروثةٍ عن والدهم، وخلافاتٍ وصلت للاشتباك بالأيدي بينهم، بعدما ظل النزاع معروضاً على المحاكم الرسمية أربعة أعوامٍ دون حسم. يقول أبو عقيل للفراتس: "الحمد لله، لم نغادر الجلسة إلا والجميع راضٍ ومتصالح".

يعزو أبو عقيل، وهو إمام مسجدٍ ويشارك في الجلسات العرفية منذ أكثر من عشرين عاماً، لجوء الناس إلى القضاء العرفي لفلسفة الصلح ذاتها، مستشهداً بوصية عمر بن الخطاب لقضاته: "رُدّوا الخصوم حتى يصطلحوا، فإنّ فصل القضاء يورث الضغائن بين الناس". ويضيف أن الإصلاح بين المتخاصمين تكليفٌ دينيٌّ بنص القرآن في سورة الحجرات: "وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا".

ويرى أبو عقيل أن القضاء الرسمي بحكم طبيعته لا يراعي غالباً العلاقات الإنسانية والاجتماعية بين أطراف النزاع. ويشير إلى رمز العدالة المتمثل في امرأةٍ معصوبة العينين تحمل ميزاناً وسيفاً، دلالةً على الحياد، لكنه بحسب تعبيره يعكس في الوقت نفسه "غياب روح القانون" القائمة على الإصلاح.

يتقاطع هذا الطرح مع رأي القاضي العرفي عبد الله أبوزيد الذي يحدد الفارق الجوهري بين القضاءين في الصلح هدفاً رئيساً، موضحاً أن الجلسات العرفية تسعى إلى إنهاء النزاع والحفاظ على العلاقات، في حين يطبّق القضاء الرسمي نصوصاً قانونيةً جامدةً اعتماداً على المستندات. ويضرب مثالاً "إذا نشب خلاف بين جارين ولجآ إلى القضاء الرسمي، فقد يصدر حكمٌ عادلٌ، لكن المشكلة قد لا تنتهي. بينما في الجلسة العرفية، تُراعى الجيرة والقرابة وتنتهي الأزمة بانتهاء الجلسة".

من مركز مغاغة بمحافظة المنيا، يعدد القاضي العرفي باسم حسنين في حديثه للفراتس مزايا رئيسةً للقضاء العرفي مقارنةً بالقضاء الرسمي. من بينها سرعة الفصل دون تعقيد الإجراءات، ومراعاة خصوصية كلّ نزاعٍ وسياقه الاجتماعي، واعتبار الصلح الهدف الأساس. ويضيف حسنين، وهو موظفٌ بوزارة العدل، ميزةً رابعةً هي مشاركة أطراف النزاع في اختيار من يتولى الفصل بينهم، ما يعزز قبول الحكم وتنفيذه.

تتفق هذه الشهادات مع نتائج دراسة "دور القضاء العرفي في فضّ المنازعات بالمجتمع الريفي". تعزو الدراسة لجوء المتخاصمين لهذا النوع من القضاء إلى بطء إجراءات التقاضي الرسمي، واختلاف فلسفته العقابية عن القضاء العرفي القائم على التراضي واستمرار العلاقات الاجتماعية. وتشير الدراسة التي أعدّتها أستاذة علم الاجتماع الريفي ماجدة محمود يوسف إلى أن القضاء العرفي يعتمد على قواعد مرنةٍ وغير مكتوبةٍ، تستمد فاعليتها من قبول المجتمع لها، لا من سلطةٍ رسميةٍ تفرضها.

يضيف مستشار مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، نبيل عبد الفتاح، في دراسةٍ نشرها سنة 2016 بعنوان "القانون العرفي ومجالس الصلح والطائفية"، أسباباً أخرى من بينها اتساع الفجوة بين بعض المنظومات القانونية الرسمية وواقع الناس، وتعقيد القوانين وإجراءات التقاضي، وبطء تنفيذ الأحكام القضائية، بما يضعف الثقة في فعاليتها ويدفع نحو بدائل عرفيةٍ أكثر قرباً من المجتمع.


لم يقِف القضاء العرفي عند حدود الريف والمناطق الحدودية، لكنه امتدّ إلى المدن الكبرى، بل إلى قلب العاصمة. ففي فبراير 2023 اندلع شجارٌ بين شخصين في حيّ المرج شمال شرق القاهرة حول شقةٍ سكنية. كان الطرف الأول قد اشترى نصف قيمتها بالتقسيط من الطرف الثاني، الذي رفض تسليمها بعد سداد الأقساط كاملةً بحجة ارتفاع السعر. تطورت المشادة إلى اعتداءٍ بالأيدي أُصيب فيه الطرف الثاني بعاهةٍ مستديمةٍ في عينه. تجمّع شباب عائلته، وهاجموا محل بقالة مملوكاً للطرف الأول ومحلاً آخر لابن عمه، وأشعلوا فيهما النار.

تدخَّل قسم شرطة المرج وقبض على المشاركين. ونظراً لانتماء الشابين المتعاركين إلى عائلتين كبيرتين في المنطقة، لجأ القسم إلى أحد شيوخ المنطقة لعقد جلسةٍ عرفيةٍ بين الطرفين. ويشير المحكِّم أبوزيد، الذي شارك في الجلسة، إلى أن الشرطة غالباً ما تستعين بأعيان المنطقة أو بعض أعضاء مجلس النواب لعقد مثل هذه الجلسات بهدف احتواء التوتر ومنع تصعيد العنف.

ويصف أبوزيد هذه الجلسة بأنها من أعقد الجلسات التي شارك فيها، نظراً لتداخل ثلاث قضايا رئيسة: نزاع الشقة، والعاهة المستديمة التي لحقت بالطرف الثاني، والتعدي على ممتلكات الطرف الأول وابن عمه. عُقدت الجلسة في قاعة مناسباتٍ خاصةٍ، بحضور أحد عشر قاضياً عرفياً وكبار العائلتين، واستمرت نحو تسع ساعاتٍ برعاية قسم شرطة المرج وحضور قياداتٍ أمنيةٍ بلا مشاركةٍ مباشرةٍ منها في التحكيم.

انتهت الجلسة العرفية إلى حكمٍ بسحب الشقة من الطرف الأول مع استرداده المبلغ الذي سدّده فقط، عقاباً له على الاعتداء. وفي المقابل أُلزمت عائلة الطرف الثاني بدفع مليون جنيه للطرف الأول تعويضاً عن التعدي على ممتلكاته وممتلكات ابن عمه. وتضمّن الحكم التنازل المتبادل عن المحاضر الشرطية، ووضع شرطٍ جزائيٍّ قدره ثلاثة ملايين جنيه على من يخلّ بالاتفاق، وطُبق  الصلح بالفعل.

يشير أبوزيد إلى أنه، من منظور القانون الرسمي، تمثّل الواقعة ثلاث جرائم منفصلةً هي حقّ ملكية الشقة، والعاهة المستديمة التي تُعاقب بالحبس، وحرق الممتلكات الذي يستوجب العقوبة نفسها. ويستلزم تطبيق القانون بحرفيته حبس الطرفين وتغريمهما. لكن من منظور القضاة العرفيين، فالهدف من الجلسة تحقيق الصلح والوصول إلى أقصى قدرٍ ممكنٍ من العدالة وفق ظروف النزاع.

في تفسيره لامتداد هذه الجلسات إلى المدن، يرى أستاذ علم الاجتماع السياسي سعيد صادق أن ذلك يعود إلى سببين رئيسين. أولهما "ترييف المدن"، مع انتقال عائلات من الريف والصعيد إلى العاصمة مصحوبةً بأفكارها وعاداتها التقليدية وتزامن ذلك مع ضعف الدولة الحديثة. ويوضح صادق أن الرئيس عبد الفتاح السيسي نفسه قال إننا لسنا دولةً كاملةً بل "شبه دولة"، معتبراً لجوء الناس إلى هذه الممارسات البدائية دليلاً على تراجع دور الدولة المدنية. ويحمّل صادق الدولة مسؤولية استمرار الظاهرة، خاصةً في قضايا الاعتداءات الطائفية أو الثأر، مؤكداً أن الأزمة الحقيقية تكمن في غياب الإرادة السياسية للتعامل الجاد مع هذا الملف، ما يعزز نفوذ القبيلة على حساب مؤسسات الدولة.


لا تمانع السلطة في مصر السير في مسارٍ مزدوجٍ في إدارة النزاعات الاجتماعية، يجمع بين القضاء الرسمي والمصالحات العرفية المدعومة أحياناً من الأجهزة الأمنية. 

في واقعة حيّ المرج، استجابت الشرطة لحكم القضاء العرفي. ووفقاً لأبوزيد، قررت الشرطة حفظ التحقيقات مع طرفَي الاعتداء في إجراءٍ لا تعتبره وزارة الداخلية مخالفاً القانون. تشير الوزارة عبر موقعها إلى أن "التنسيق مع الأجهزة الأمنية المعنية بمتابعة أعمال لجان المصالحات بكافة مديريات الأمن، بهدف المساهمة في احتواء الخصومات الثأرية منعاً لحدوث أية تداعيات أمنية" من بين مهام قطاع حقوق الإنسان التابع لها. وهو ما يفسر نشر الوزارة بياناتٍ متكررةً تعلن فيها "نجاحها في عقد جلسات صلحٍ بين أطراف" كانت بينهم نزاعات ثأرية.

وخلال السنوات الأخيرة تكررت حالات اللجوء إلى المصالحات العرفية، سواءً تلك المدعومة من وزارة الداخلية وحدها كما في حادثة المنيا الأخيرة، أو التي جاءت برعايةٍ مشتركةٍ من الداخلية و"بيت العائلة المصري". استُحدث بيت العائلة بقرارٍ من رئيس الوزراء سنة 2011 عقب تفجير كنيسة القديسين، يترأسه شيخ الأزهر وبابا الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، ويتخذ من مشيخة الأزهر مقراً له. ويهدف هذا الكيان إلى الحفاظ على النسيج الاجتماعي من خلال التنسيق مع الهيئات والوزارات المعنية، وعقد المؤتمرات واللقاءات في المحافظات المختلفة، إضافةً إلى تقديم مقترحاتٍ وتوصياتٍ لدعم الأمن الاجتماعي وتعزيز التعايش السلميّ دون تعارضٍ مع الإجراءات القانونية الرسمية.

يشكّك حقوقيون في هذا الرأي. يرى الباحث بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية إسحاق إبراهيم أن بعض الجلسات العرفية تصدر أحكاماً ماليةً مجحفةً، معتبراً أن الهدف الأمني في كثيرٍ من الأحيان يقتصر على تهدئة الأوضاع بغض النظر عن قانونية الإجراءات أو عدالتها.

وتدعم هذا الطرح دراسةٌ صادرةٌ عن المبادرة المصرية للحقوق الشخصية سنة 2015 بعنوان "في عُرف من؟"، خلصت إلى أن ضعف مؤسسات الدولة وعجزها عن حماية السلم الاجتماعي يدفعان المواطنين إلى اللجوء للمصالحات العرفية، تفادياً لتفاقم النزاعات لاسيما في ظلّ التوترات الطائفية والدينية.

وأشارت الدراسة لتعدد أدوار الأجهزة الأمنية داخل هذه الجلسات، والتي تتراوح بين الحضور الرمزي، واستضافة الجلسات داخل مقار الشرطة أو مديريات الأمن، وصولاً إلى رعاية عملية صنع القرار. وشدّدت على أن بعض القرارات الصادرة عن هذه الجلسات تخالف القانون وتتضمن انتهاكاتٍ واضحةً لحقوق الطرف الأضعف، فضلاً عن إعاقة النيابة العامة تحريك الدعوى الجنائية في بعض قضايا الاعتداء على الأقباط بدعوى التصالح العرفي، مخالفةً قانون الإجراءات الجنائية.


بين ضرورته وخطورته، يظلّ القضاء العرفي محطّ جدلٍ مستمرّ. فهو قد يُستغَلّ للتهرّب من تطبيق القانون وفرض شروطٍ جائرةٍ على الطرف الضعيف، خصوصاً في غياب رضا أطراف النزاع الحرّ والتعامل السطحيّ مع جذور المشكلات. وفي المقابل، يمكن أن يكون آليةً محليةً فعّالةً للتدخل في النزاعات واحتواء التوتر وتهدئة الأوضاع إذا استُخدم على نطاقٍ محدودٍ وتحت رقابةٍ قانونية.

تعكس التجربة المصرية الحيرة نفسها في تعامل السلطة مع هذه الآلية. فانحياز القضاء العرفي للطرف الأقوى دفع البرلماني السابق محمد أبو حامد لتقديم مشروع قانونٍ إلى مجلس النواب سنة 2017 لتجريم حلّ النزاعات عبر الجلسات العرفية، مع فرض عقوباتٍ صارمة. عدّ أبو حامد هذه الجلسات غير لائقةٍ بمصر ومخالِفةً الدستورَ والقانونَ إذ تصدر أحكاماً جائرة، مثل التهجير الجماعي وتغريم العائلات، بما يخالف مبدأ المسؤولية الفردية وسيادة القانون. ومع ذلك، لم تناقش غرفة البرلمان الأولى مشروعه، بحسب حديث أبو حامد للفراتس، بسبب مقاومة نوابٍ من محافظات الوجه القبلي الذين تعتمد مناطقهم على هذه الجلسات لحلّ النزاعات.

وفي المقابل، قدّم نوابٌ آخرون مشروعاتٍ لتقنين أحكام القضاء العرفي واعتمادها رسمياً، معتبرين أنه يوفر للدولة أموالاً ويحقق المصلحة العامة. لكن هذه المشاريع أيضاً لم تُنجز حتى اليوم، ما يعكس استمرار حالة التردد والتناقض في مقاربة الدولة هذه الآلية التقليدية بين الضرورة والمخاطر.

اشترك في نشرتنا البريدية