وذكريات سامي التي ألقاها علينا مترعةً بالشغف ما هي إلا صورةٌ محليةٌ لما كانت عليه ليالي بعض المدن العربية القديمة. فما إنْ يحلّ المساء حتى يلتفّ الناس في المقاهي والساحات حول رجلٍ يجلس على مقعدٍ خشبيٍ ممسكاً كتاباً أو عصاً، فيحكي بصوته قصص السِيَر السابقة وملاحم الأبطال الشعبيين. يبدأ روايته غالباً بعبارته الشهيرة "كان يا ما كان"، فينصت الحضور وهم له مشدودون. وحين تحتدم الأحداث وتبلغ الحكاية ذروتها، يتوقّف الراوي عند ذروة التشويق، تاركاً جمهوره في انتظار استكمال الحكاية في الليلة التالية.
في تلك الأزمنة كانت الحكايات واحدةً من مظاهر الترفيه والتسلية القليلة، كما كانت وسيلةً للمعرفة وحفظ الذاكرة الجمعية. فكانت شكلاً مبكراً من "الإعلام الشعبي"، في وقت ندرة الصحف وانعدام الإذاعة و التلفاز فضلاً عن المنصات الرقمية. ومع تطور التقنية انتقلت الحكاية من مجلس الحكواتي للمذياع ثم إلى التلفاز، وصولاً إلى شاشة الهاتف الذكي. واليوم بعدما كان الحكواتي حارساً للذاكرة الشعبية، برز جيلٌ جديدٌ يمكن وصفه بورثة الحكواتي. رُواةٌ يستخدمون المنصات الرقمية لإعادة تشكيل العلاقة القديمة بين الراوي والجمهور. وفي هذا التحوّل، تتشكل ملامح "الحكواتي الرقمي"، وهو شخصٌ قادرٌ على تحويل المعرفة أو التجربة الشخصية أو حتى الأحداث العامة إلى قصةٍ مشوقةٍ بوسائط جديدة. ومن ثمّ تبدو الظاهرة امتداداً حديثاً لتقليدٍ عربيٍ قديمٍ في فنّ الحكاية، وفي الوقت نفسه تعبيراً عن شكلٍ جديدٍ من السرد يتلاءم مع عصر السرعة والتقنية. قد تختلف النماذج والأساليب، لكن الحكاية تجمع بين القديم والحديث في القدرة على أَسر الجمهور والإنصات.
ويذكر كتابٌ بعنوان "ذا حكواتي" (الحكواتي) لربيع علم الدين، الروائي والرسام الأمريكي اللبناني، المنشور سنة 2008، أنّ الحكواتيين كانوا من المشاهد المألوفة في شوارع دول الشرق الأوسط. ومع ازدياد شعبية شرب القهوة في العهد العثماني، انتقل الحكواتيون من الشوارع إلى المقاهي، وكان أصحاب المقاهي يدفعون لهم أجوراً لجذب الزبائن. ومنهم من يكون ذا أسلوبٍ مسرحيٍ حماسيٍ وقدرةٍ عاليةٍ على الإمتاع والتسلية، فيتوقع الحصول على إكرامياتٍ من الجمهور أيضاً.
كان الحكواتي يجلس في إحدى زوايا المقهى حاملاً عصاً خشبيةً يستعين بها في إبراز الشخصيات، ويلتفّ الجمهور حوله مستمعين قصصه المتنوعة بين أحداثٍ تاريخيةٍ وحكاياتٍ خيالية. أسلوبه عادةً مشوّقٌ ذو طابعٍ مسرحيٍ يجذب المستمعين ويطيل أمد العرض، مازجاً بين السرد الصوتي والأداء التمثيلي، مع استخدام القافية والإيقاع لإضفاء نغمةٍ خاصةٍ على الحكاية. وغالباً ما كانت حكايته تُبرز فضائل أبطالها الأخلاقية، مثل البطولة والكرم والشجاعة والوفاء.
يضيف علم الدين أنّ الحكواتيين كانوا غالباً يعتمدون على نصوصٍ مكتوبةٍ، لكنهم يرتجلون ويضيفون ويعدّلون في مجريات القصة بما يتناسب مع جمهورهم. وقد شكّل كتاب "ألف ليلة وليلة" مصدراً رئيساً لقصص كثيرٍ منهم، وأسهمت الروايات الشفوية لهؤلاء الرواة في ترسيخ حضور تلك الحكايات الأسطورية وانتشارها.
ويتجاوز أثر هذا التراث الحكائي الجانب الأدبي والشعبي ليشمل دور الحكواتي اجتماعياً وثقافياً في المجتمعات العربية. فقد كان الحكواتي وسيلةً لتناقل الأخبار وحفظ الذاكرة الجمعية، وساهم في تشكيل الوعي الشعبي وتوفير شكلٍ من الترفيه الثقافي في المجتمعات العربية. إذ كان بمثابة "وسيلة إعلام" شفويةٍ تنقل التاريخ والبطولات والقيم والأخلاق بالحكاية. لذلك يُنظر إليه واحداً من أدوات حفظ التاريخ الشعبي لا الرسمي.
هذا بالذات ما يقوله أستاذ علم الاجتماع والأنثروبولوجيا في جامعة القاهرة، سعيد المصري، في مقابلةٍ مع الفراتس. وقد أوضح أن الثقافة العربية منحت السرد الشعبي مكانةً خاصةً، لإتاحته تاريخياً مساحةً للتعبير الرمزي والاقتراب من موضوعاتٍ حساسةٍ أو محرّمةٍ مثل السياسة والدين والجنس. ويضيف أنّ التورية والاستعارة مكّنتا الرواة من تمرير أفكارٍ نقديةٍ بطريقةٍ يتقبلها المجتمع أو السلطة. فالحكاية الشعبية، في نظره، كانت دائماً وسيلة تفاعلٍ بين التسلية والوعي، فلا يكتفي الجمهور بتلقيها، إنما أيضاً في إعادة تفسيرها وتداولها.
يضيف المصري أنه ينبغي التمييز بين الحكي المعاصر ونظيره في التراث الشعبي. فالحكاية الشعبية غالباً تنتمي إلى عالمٍ متخيَّلٍ، تبدأ بصيغةٍ مألوفةٍ مثل "كان يا ما كان في سالف العصر والأوان". ويغيب فيها التحديد الدقيق للزمان والمكان والشخصيات، وتدور الأحداث في إطارٍ مجهولٍ لا يستند إلى وقائع مباشرة.
ويردف أنّ الحكي الشعبي في جوهره لا يتناول الوقائع التاريخية بمعناها الدقيق، لكنه يستلهم أحياناً شخصياتٍ حقيقيةً لتحويلها إلى مادةٍ للسرد الشعبي. ويضرب مثالاً بسيرة أبي زيد الهلالي، موضحاً أنه شخصيةٌ تاريخيةٌ لكن الرواية الشعبية حوله تختلف عن الرواية التاريخية، إذ تمزج بين الواقع والخيال وتُعيد تشكيل الأحداث باختلافٍ يجذب الجمهور.
يرى المصري كذلك أنّ الأمر نفسه ينطبق على حكاياتٍ أخرى مثل تلك التي تتناول البطل الشعبي المصري أدهم الشرقاوي الذي اشتهر بمقاومة الاحتلال الإنجليزي والإقطاع أوائل القرن العشرين. إذ تتضمن سيرته وقائع مسجلةً في محاضر رسميةٍ، إلا أنّ الحكاية الشعبية حوله اكتسبت أبعاداً سرديةً أُضيفت إليها كثيرٌ من التفاصيل المتخيّلة. وهذا ينطبق أيضاً على حكاية ريّا وسكينة، التي جاء السرد الشعبي حولها مختلفاً في بعض جوانبه عن السرد الوثائقي.
يخلص المتحدث أنه لهذا يمكن ملاحظة الحكي الجديد وقد استلهم بعض خصائص السرد الشعبي، إذ يختلط فيه الواقع بالخيال لإعادة إنتاج الحكي الشفهي بطريقةٍ حديثةٍ تمنح الحكاية طابعاً أكثر تأثيراً وجاذبيةً لدى الجمهور.
مع التحوّلات التقنية التي شهدها العالم مطلع القرن العشرين، لم يعد السرد الشفهي مقتصراً على المجالس والمقاهي، إذ بدأت وسائط الاتصال الجديدة تفتح أمامه آفاقاً أخرى للوصول إلى جمهورٍ أوسع. وقد بدأت هذه النقلة قبل أكثر من قرنٍ مع إرسال أوّل إشارة مذياع.
وبالانتقال إلى المنطقة العربية، ظهرت الإذاعات الأهلية في مصر بدءاً من سنة 1925. وانطلق بث الإذاعة المصرية رسمياً سنة 1934. ومنذ منتصف الثلاثينيات، بدأ المذياع يدخل المقاهي، خاصةً في القاهرة والإسكندرية ليصبح وسيلةً للاستماع إلى الأخبار وخطابات الزعماء، إضافةً إلى الاستمتاع بالأمسيات الغنائية لمشاهير المطربين. وفي العراق، تأسست إذاعة بغداد سنة 1936. وفي السنة نفسها، ظهرت إذاعة فلسطين التي عرفت بِاسم "هنا القدس"، وتلتها إذاعة لبنان "راديو الشرق" سنة 1938.
مع ظهور الإذاعة وانتشار المذياع في المقاهي العربية، تغيّر المشهد وبدأ دور الحكواتي التقليدي يتراجع، ليحلّ محلّه ما يمكن تسميته "الحكواتي التقني"، الذي يلتفّ حوله روّاد المقاهي. فانتقل الحكي من الساحات والمقاهي الشعبية إلى فضاءٍ أكثر رسميةً وتنظيماً هو الإذاعة. ويقول ربيع علم الدين في كتابه إن "صعود الإذاعة والتلفزيون أدّى إلى أفول هذا التقليد العربي العريق في السرد العلني، وبحلول سبعينيات القرن الماضي كان الحكواتيون [التقليديون] قد اختفوا تقريباً من الشرق الأوسط".
ويفتح هذا التحوّل في وسائط الحكي باباً لفهمٍ أعمق لطبيعة السرد في المجتمعات البشرية وأهميته رغم تغيّر المنصات. بمعنى أنه يفسر استمرار فنّ الحكي بوسائط مختلفة. وهو ما يشير له والتر غ. أونغ، أستاذ الأدب واللغة في جامعة سانت لويس الأمريكية، وأحد أبرز المنظرين في مجال اللغة، في كتابه "أورالتي أند لترسي" (الشفاهية والكتابية) المنشور سنة 1982. يقول أونغ إنّ المجتمعات الشفاهية تعتمد على السرد أداةً أساساً لتنظيم المعرفة، لأن العقل البشري يتعامل مع المعرفة بسهولةٍ أكبر حين تُقدَّم في شكل حكايةٍ، لا معلوماتٍ مجردة.
ويرى الكاتب أن الانتقال إلى الكتابية أعاد تشكيل الشفاهية ولم يلغِها. فالكلمة المنطوقة تحتفظ بحضورها وحيويتها مع كلّ ما تتيحه الكتابة من إمكانات. وسبب ذلك أن النصوص المكتوبة تظلّ مرتبطةً بعالم الصوت، موطن اللغة الطبيعي الذي تستمدّ منه معانيها. وهو ما يفسر برأيه أنّ كثيراً من الثقافات عرفت الكتابة على مدى قرونٍ، لكنها لم تستوعبها في كلّ وسائل تواصلها. ومنها الثقافة العربية وبعض الثقافات المتوسطية الأخرى، التي ظلّ جانبٌ كبيرٌ منها قائماً على السرد (الشفاهي)، ومن ثمّ نقل الذاكرة عبر الأجيال شفهياً. ولعلّ من تجلّيات هذا النقل الشفهي في الثقافة العربية تحديداً شخصية الحكواتي.
يطرح أونغ في هذا السياق ما أسماه "الشفاهية الثانوية"، ويقصد تلك التي ظهرت في العصر التقني مع وسائل مثل المذياع والتلفاز. فهذه الوسائط مع اعتمادها على الكتابة والتقنيات الحديثة أعادت الاعتبار للصوت. ومنها تطورت الحكاية مع تطور الوسائط الإلكترونية، وصولاً إلى المنصات الرقمية المعاصرة.
من هنا، يمكننا الحديث عن "الحكواتي الرقمي"، استناداً إلى تعريف الأمريكي غو لامبرت، مؤسس مركز السرد الرقمي ومديره، في كتابه "ديجيتال ستوري تِلِنغ [. . .] (السرد الرقمي: توثيق الحياة وصناعة المجتمع)، في الطبعة الخامسة المنشورة سنة 2018. يرى لامبرت أنّ السرد الرقمي استخدم الأدوات الرقمية لرواية قصصٍ تُشرك الجمهور عاطفياً وذهنياً. وهذا يطرح جدليةً إزاء فنّ الحكواتي، فيما إذا أعيد إحياؤه أم تحوّل شكلاً جديداً للحكي.
لهذا يرى المصري أنّ الحكواتي نموذجٌ ثقافيٌ ممكن التجدد، وليس مجرّد شخصيةٍ تراثيةٍ حبيسة المقاهي والأسواق. ومن ثمّ يمكن اتخاذ بعض صنّاع المحتوى اليوم امتداداً حديثاً للراوي الشعبي، لكن بأدواتٍ حديثةٍ وجمهورٍ أوسع وتفاعلٍ طبيعتُه مختلفة.
في سياقٍ مشابهٍ، يقول للفراتس أحمد الشيخ، نائب رئيس مجلس الإعلام الرقمي في نقابة الصحافيين في بريطانيا، إنّ الحكايات المنتشرة على المنصات الرقمية ليست وليدة اللحظة. موضحاً أن جذورها تمتد أعواماً طويلةً، وسط تزايد توجّه الجمهور في العصر الحديث نحو المحتوى المسموع والمرئي، لاسيما البودكاست الذي يحقق ملايين المشاهدات. ويشير إلى أنّ البرامج القائمة على الحكايات باتت منتشرةً على نطاقٍ واسعٍ، سواءً كانت تعرض وجهات نظرٍ أو سرداً توثيقياً للأحداث.
يرى الشيخ أن مفهوم "الإعلام" في بداياته كان يشير إلى وسائل بدائيةٍ مثل "المُنادي"، ومن ثمّ فإنّ تطور الحكواتي إلى أشكالٍ رقميةٍ يُعدّ طبيعياً في سياق تطور الوسائط. ويضيف أنّ محتوى الحكايات يجذب الجمهور بفضل الأسلوب المشوّق في السرد، إضافةً إلى تقديمه بأشكالٍ متعددةٍ بمقاطع فيديو قصيرةٍ أو رسومٍ مصوّرةٍ، وهو ما أسهم في توسّع انتشاره. ويلفت إلى أنّ المسألة لا ترتبط بصانع محتوىً بعينه، بل تعتمد على الحكاية ذاتها، فالإنسان بطبيعته يميل إلى الحكايات ويحب الاستماع إلى القصص.
وقد تجلّت ملامح هذا التحوّل في طبيعة الحكواتيين في عددٍ من النماذج المعاصرة لصنّاع المحتوى الذين أعادوا توظيف فنّ الحكي التقليدي عبر المنصات الرقمية، فصاروا "حكواتيين رقميين".
يعتمد محتواه على سرد مغامراته المهنية حين كان يتولى مسؤولية إدارة مكافحة المخدرات في وزارة الداخلية المصرية. وما يميّز حكاياته أنه لا يقدّم معلوماتٍ مجرّدةً وجافةً، بل يروي الأحداث في قالبٍ درامي. إذ يبدأ عادةً بتمهيدٍ هادئٍ للأحداث ويُعرّف بالشخصيات، ثم يكشف التفاصيل خطوةً بعد أخرى لتتصاعد الوقائع تدريجياً حتى تبلغ ذروة التشويق بأسلوبٍ يحافظ على انتباه الجمهور.
وقد حظي وليد السيسي بشعبيةٍ لافتةٍ في مدةٍ قصيرة. فالجمهور لا يتابعه فقط للحصول على معلوماتٍ عن عالم مكافحة المخدرات ودهاليز العمل الأمني الذي يجهله كثيرون، بل ربما لأنه منجذبٌ لطريقة أدائه السردية، بما في ذلك نبرة صوته وتعابير وجهه. ومع أنّ عدداً من رجال الشرطة المصرية السابقين اتجهوا إلى تقديم محتوىً مشابهٍ، إلا أنهم لم يحظوا بمثل هذا الاهتمام أو المتابعة. وهو ما يجعل تجربة السيسي الأقرب إلى نموذج الحكواتي التقليدي القائم على السرد المشوّق الذي يقابله تفاعلٌ جماهيري.
ويؤكد السيسي في حديثه مع الفراتس أنّ أسلوبه السردي لم يكن وليد الصدفة، بل نجاح المحتوى وانتشاره هو الذي جاء مصادفة. ويضيف أنّ طبيعة عمله في إدارة مكافحة المخدرات أسهمت في تشكيل شخصيته وأسلوبه في الحديث بعفوية. وهو ما جعله، بحسب تعبيره، "حكّاءً" من دون سابق قصد.
يشير السيسي إلى أنّ عمله في مكافحة المخدرات يعتمد على ما وصفه بعبارة "حرب العقول"، إذ لم يكن يتعامل بالأساليب التقليدية، إنما يقضي ساعاتٍ طويلةً في الحوار مع كبار تجار المخدرات، يناقشهم ويقنعهم ويُفاوضهم حتى يصل إلى نتائج واعترافاتٍ حاسمة. فخبرته الممتدة أكثر من ثلاثين عاماً في الإقناع والتفاوض ظهرت لاحقاً على طريقته في مخاطبة الجمهور وسرد الحكايات، حسبما يقول.
إلى جانب الخبرة العملية، يرجع السيسي قدرته على السرد إلى دور الفطرة والتربية والقراءة المبكرة. فقد تأثّر بقراءة الكتب والأعمال الأدبية والصحف والمجلات، ما كوّن لديه خلفيةً ثقافيةً دعمت قدرته على الحوار والإقناع. ويصاحب السرد لديه قدرٌ من الشرح والتفسير للسياق، بهدف تقريب الصورة وتوضيح ما قد يبدو غامضاً لبعض المتابعين. ويبرّر ذلك بأنه يدرك أنّ جزءاً من الجمهور قد لا يفهم بعض تفاصيل الحكايات ولا بد من تبسيطها لتصل للجميع.
أما عن سبب توجّه طيفٍ من الجمهور نحو محتوى الحكايات رغم وفرة المعلومات عبر الإنترنت، يجيب أنّ الفرد عادةً لا يبحث دائماً عن الإحصائيات والبيانات، بقدر ما يفتش عن المغامرة والخيال. ويضيف أنه يتلقى ردود فعلٍ من المتابعين يخبرونه فيها عن مدى انغماسهم مع الحكايات التي يرويها، وتخيّلهم الأحداثَ التي يسردها، مثل مشاهد المداهمات والقبض على المتهمين.
ولإدخال المشاهد في قلب الحدث على نحو يذكّر بأسلوب الحكواتي القديم، يستخدم السيسي لغة الجسد أثناء السرد. وهي حركاتٌ عفويةٌ إذ لم يكن واعياً بها في البداية، كما يقول. بل إنه حين يشاهد تسجيلاته يلاحظ تعبيرات مثل رفع الحاجب، أو تغيّر ملامح الوجه، أو بروز التكشيرة أو الابتسامة. كلّها تصدر بلا تصنّع.
يشكّل الشباب نحو 80 بالمئة من متابعي السيسي، حسبما أخبرنا، وهم يميلون إلى الإثارة والتشويق، لذلك يحرص على إبقاء النهاية غير متوقعةٍ حتى اللحظة الأخيرة. ويشير إلى أنه لا يستخدم نصاً مكتوباً مسبقاً ولا يعتمد على المونتاج. يروي الحكاية كاملةً في لقطةٍ واحدةٍ، لدرجة أنّ المصور يطلب منه أحياناً التوقّف أثناء التسجيل، لكن السيسي يفضّل الاستمرار لأن قطع السرد يُفقده تدفّق الحكاية واسترسالها والتفاعل معها بعفويةٍ، وهو أسلوب يقترب كثيراً مما كان يفعله الحكواتي قديماً.
وقد أخبرنا أنّ ما يميزّ تجربته أنها غير منمقةٍ إذ يفضّل البقاء في مساحة الهواية لا الاحتراف، فهو يعدّ ذلك من أسرار تواصله مع فئة الشباب. فالخطاب الوعظي المباشر لا يجذبهم.
في السعودية، يبرز نموذجٌ مختلفٌ لكنه يقوم على الفكرة ذاتها، وهي تحويل المعارف والتجارب إلى حكايات. فبودكاست "ذا قال" الذي يبثّ عبر قناة إذاعة ثمانية على "يوتيوب" ويقدّمه الشاعر السعودي خالد عون، يتمحور حول استضافة شعراء في مجالسهم، للكشف عن قصصٍ خلف قصائدهم وجوانب خفيةٍ من حياتهم في جلساتٍ وديةٍ بعيدةٍ عن رسميات قاعات التصوير.
ويتناول البودكاست عامةً موضوعاتٍ ثقافيةً وتاريخيةً، ويعيد تقديم الشعر والتراث العربي بمقاطع مصورةٍ تُبنى على سردٍ حكائيٍ قريبٍ من أسلوب الحكواتي التقليدي. تبدأ الحلقات بتمهيدٍ وطرح تساؤلاتٍ، ثمّ تتدرّج في السرد وعرض المعلومات، وصولاً إلى ذروة التشويق قبل الوصول إلى الخاتمة.
يشبه "ذا قال" إلى حدٍّ بعيدٍ وظيفة الحكواتي الذي كان يختار من السير الشعبية ما يناسب جمهوره. ففي كل حلقةٍ ينتقل البرنامج مع ضيوفه إلى مجالس الشعر وقصصه، مستعيداً جوانب خفّيةً منها، ويحيي قصصاً منسيةً من الماضي في قالبٍ يقترب من التأريخ. وإلى جانب السرد، يتضمّن البودكاست تحليلاتٍ للشخصيات والأحداث.
وفي سياق الحكواتي الرقمي العربي، يبرز نموذجٌ ثالثٌ يُقدمه الممثل وصانع المحتوى الكويتي فارس عاشور. وهو الذي يعتمد على السرد التشويقي لحكاياتٍ حقيقيةٍ ذات طابعٍ دراميٍ، خصوصاً قصص الجرائم من مختلف دول العالم. وحقق عاشور شعبيةً واسعةً باعتماده أسلوب التشويق التدريجي والسرد الجذاب، ما يخلق حالةً مستمرةً من الترقب والإثارة لدى الجمهور المهتم بقصص الجرائم.
يبدأ عاشور عادةً في مقاطعه التي تحصد ملايين المشاهدات، بمدخلٍ هادئٍ يضع فيه إطار الحكاية العامّ، ثمّ ينتقل إلى تقديم عنصرٍ غامضٍ أو طرح سؤالٍ مفتوح. يتصاعد إيقاع الحكاية تدريجياً بعدها حتى يصل ذروته. ويتوقّف عاشور أحياناً عند تفاصيل محددةٍ، مسلطاً الضوء عليها ليمنح الجمهور مساحةً للتخيّل وبناء التوقعات بما يجعله يشاركه محاولة حلّ لغز الجريمة.
بهذا قد يُنظر لتجربة عاشور أيضاً امتداداً معاصراً للحكواتي التقليدي، مع اختلافٍ في طبيعة الحكاية. فالحكواتي القديم اعتمد على البطولات والأساطير والسِير الشعبية، في حين يميل عاشور إلى الحكايات الواقعية المثيرة.
ولا ينطبق مفهوم الحكواتي الرقمي على هذه الأسماء وحدها، ولا يوجد نموذجٌ واحدٌ ثابتٌ لهذا الدور. فليس من الضروري أن يكون الحكواتي الرقمي إعلامياً محترفاً أو خطيباً بارعاً، فقد يكون شخصاً صاحب تجربةٍ حياتيةٍ ثريةٍ، أو معرفةٍ متخصصةٍ في مجالٍ ما، أو خبرةٍ في موضوعٍ معيّن. لكن ما يجمع هذه النماذج القدرة على تحويل المعلومة إلى قصةٍ جذابةٍ وممتعةٍ، إلى جانب حضورٍ شخصيٍ مقنعٍ، ومهارةٍ في السرد والأداء. ومثلما أتقن الحكواتي القديم تأجيل ذروة الحكاية إلى الليلة التالية لغرض التشويق، قد يؤجّل الحكواتي الرقمي بقية الحكاية إلى جزءٍ آخر من الفيديو.
كذلك يبرز فارقٌ جوهريٌ فرضه اختلاف الوسيط. فالحكواتي القديم كان يرى جمهوره أمامه مباشرةً، ويقرأ تعبيراتهم وتفاعلهم، فيضبط إيقاع الحكاية تبعاً لذلك. أما الحكواتي الرقمي، فيقرأ جمهوره (غير المرئي) بمؤشراتٍ رقميةٍ مثل عدد المشاهدات والتفاعلات والتعليقات والمشاركات. وإذا كان الحكواتي في الماضي يقود الجمهور، فإنّ المنصة الرقمية أصبحت اليوم شريكاً في تشكيل الحكاية وتوجيه راويها.
لكن هذا التقاطع بين الحكاية التقليدية والسرد الرقمي، الذي قد يبدو تطوراً لفنٍّ قديمٍ بوسائط حديثةٍ، لا يعني أن الجميع ينظر إليه بالعين نفسها.
يقول محفوض للفراتس إنه "بعيداً عن الحنين إلى الماضي، فإنّ انتقال الحكواتي من الأداء المباشر أمام الجمهور إلى الوسائط الحديثة أثّر فعلاً في العلاقة بينه وبين المتلقي، إلى درجة تغييبها، من خلال تحويل المتفرّج إلى متلقٍّ خامل".
يرى محفوض أن الجمهور الحاضر في المكان نفسه يتفاعل مع الحكواتي مباشرةً بالضحك أو التعليق أو الانفعال، والحكواتي يستجيب لهذه التفاعلات ويعدّل أداءه تبعاً لها. ومع انتقال الحكاية إلى المنصات الرقمية، حسبما يورد، "أصبح الجمهور متفرّقاً في أماكن مختلفةٍ، وغالباً ما يقتصر تفاعله على كتابة تعليقٍ أو وضع رمزٍ تعبيريٍ عابر".
ويضيف محفوض أنه مع استخدام التقنية قد تفقد الحكايات شيئاً من روحها وطابعها. فالحكايات المروية تشبه الروايات المكتوبة في قدرتها على إثارة خيال المتفرج والقارئ. وأيّ تدخلٍ تقنيٍ في الحكاية المصوّرة، مثل إدخال رسومٍ أو صورةٍ جامدةٍ (بتصميمٍ بشريٍ أو بالذكاء الاصطناعي) تعبّر عن شخصياتٍ ومواقف مختلفةٍ، يفضي إلى فرض هذه "التجسّدات" على المتفرّجين.
كذلك فإنّ نقل روح الحكاية وطابعها أفضل عبر الاتصال الحيّ المباشر، بحسب محفوض الذي يشير إلى أنّ الجمهور الرقمي لا يشارك اليوم في إعادة تفسير الحكاية كما كان يفعلها جمهور المقاهي. فهو يوجد ضمن فضاءٍ يُلهي إلى حدٍّ كبيرٍ زوّارَه بكلّ ما هو استهلاكي. وفي هذا السياق تسخّر المنصات الرقمية الخوارزميات وحِيَل التصميم لزيادة تفاعل المستخدمين إلى أقصى حدٍّ، سعياً إلى تعظيم عائدات الإعلانات.
أخبرنا محفوض أنّ الحكواتي يستطيع مواكبة العصر الرقمي باستغلال منصاته وتقنياته للدعوة إلى الالتقاء في مكان العرض، أي للإعلان عنه وعرض مقاطع جذّابةٍ منه. ولعلّ الأفضل، حسبما يرى، أن تنتشر الحكاية بعد عرضها الحضوري، بحيث تُعرض مع راويها والجمهور وتفاعلاته.
وعن أبرز التحديات التي تواجه الحكواتي التقليدي، يرى محفوض أنّ على رأسها استحداث مكانٍ للعرض، فالأمكنة التقليدية مثل المقاهي والساحات لم تعد على ما كانت عليه. لذا برأيه لا بدّ للحكواتي أيضاً أن يدرس المواضيع التي سيعالجها في حكاياته بعمقٍ، على أن تكون مهمةً وجذابةً وعصرية. إلى جانب العمل على تفريخ رواةٍ جددٍ يحملون الهموم الحديثة، ويصوغون منها ما يشبه الأساطير التي كانت تُروى في السابق.
ويختم المسرحي اللبناني بالقول إنه في عصرٍ تتفاقم فيه الفردانية والعزلة، وتغذّيها هيمنة وسائل التواصل الاجتماعي، بات الناس في حاجةٍ إلى أن يتعارفوا من جديدٍ لتبديد هذه العزلة التي تجعل جمعهم في مكانٍ واحدٍ أو حول قاسمٍ مشتركٍ أمراً أصعب. فالحكواتي، عبر دوره التقليدي، "يمكنه أن يجمع الناس في أماكن اللقاء الحميمة والأنيسة، مثل المقاهي والمنازل والحواري، ليكون عاملاً يحفّزهم على التفاعل المباشر والحقيقي في ما بينهم. وليعزّز الشعور بالألفة ويزيد رغبة الجمهور في مشاركة قضاياهم اليومية الحسّاسة".

