لجأ طارق وباقي العمّال إلى أحد المرافق العامة في الرام مدّة ساعتين ونصف، حتى انسحب الجيش من البلدة. أثناء ساعات الانتظار هذه تفاقمت مخاوف طارق وشعوره بالشكّ، لاسيما بعدما تبادل مع العمّال أطراف الحديث وعلم منهم أن الفتحة التي سيَلِجون منها شهدت قبل أيامٍ سقوطَ عاملٍ من جنين كان يحاول العبور للعمل في إسرائيل. أخبره أحد العمّال أن العامل "وقع على رأسه ومات".
حكاية طارق ليست سوى واحدةٍ من بين آلافٍ، ومرآةٍ تعكس ما آلت إليه أوضاع العمالة الفلسطينية تحت حكم إسرائيل. فأثناء انتفاضة الأقصى التي اندلعت أواخر سنة 2000، بَنَت إسرائيل جداراً فاصلاً لمنع تنقّل الفلسطينيين بين إسرائيل والضفة الغربية. ومع مرور الأعوام ظهر في بعض مقاطع ذلك الجدار الفاصل — الممتد أطول من سبعمئة كيلومتراً — فتحاتٌ يَلِج منها الفلسطينيون من الضفة إلى داخل الخط الأخضر، الذي يفصل المناطق المحتلة سنة 1967 عن فلسطين التاريخية المحتلة سنة 1948، لعدة أهدافٍ أبرزها العمل. وهو نشاطٌ يبدو للوهلة الأولى خارجاً عن سيطرة إسرائيل ومؤسساتها الأمنية ويُقابَل عادةً بالقمع، إلا أن المعطيات الميدانية تُظهر تعاملاً إسرائيلياً قد يكون مزدوجاً. فمن جهةٍ تُمنع محاولات عمّال الضفة دخول إسرائيل تهريباً، ويُغضّ الطرف عن بعضها من جهةٍ أخرى.
وبهذا بات الاقتصاد الفلسطيني هزيلاً بفرص عملٍ محدودة. وإن وُجدت فلا تكفي أجورُها متطلباتِ الحياة اليومية. لذا يحاول العمّال الحصول على تصريح عملٍ في إسرائيل ذات الأجور المرتفعة والمحتاجة دوماً إلى العمالة. ففي إسرائيل يبلغ حدّ الأجور الأدنى 5572 شيكلاً شهرياً (حوالي ألف وخمسمئة دولار)، أي ثلاثة أضعاف حدّ الأجور الأدنى في الضفة الغربية. ورد ذلك في ورقةٍ بحثيةٍ صادرةٍ سنة 2024، بعنوان "العمالة الفلسطينية في إسرائيل: اتجاهاتها، ودوافعها، وتأثيراتها".
قرابة 63 بالمئة من العمّال انخرطوا في قطاع الإنشاءات، فيما توزّع الباقون على قطاعات الخدمات بنسبة 17.5 بالمئة، فالصناعة بنسبة 12.9 بالمئة، ثم قطاع الزراعة بنسبة 6.4 بالمئة. وهؤلاء يشكّلون 22.5 بالمئة من مجموع القوى العاملة في الضفة الغربية. هذا ما ورد في التقرير السنوي للجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني بعنوان "مسح القوى العاملة الفلسطينية" الصادر سنة 2022.
وصل عدد الفلسطينيين (من الضفة الغربية وقطاع غزّة) العاملين في إسرائيل قبل السابع من أكتوبر 2023 إلى نحو مئتَي ألف عاملٍ، إذ لم تكن السلطات الإسرائيلية تمنح تلك التصاريح لجميع الفلسطينيين. بل ثمّة شروطٌ خاصةٌ وصارمةٌ لا تنطبق على كثيرٍ من العمّال. من هذه الشروط أن يكون العامل متزوجاً ويزيد عمره عن سبعةٍ وعشرين عاماً، وأن يكون ملفّه الأمني لدى مخابرات إسرائيل نظيفاً. دفع هذا الأمر بعض العاملين إلى دخول إسرائيل تهريباً، ليجدوا أنفسهم وقد التحقوا بسوق عملٍ غير منظمٍ يهمّش حقوقهم.
لكن بعد السابع من أكتوبر وإغلاق المعابر، لم يعد لمعظم تلك التصاريح أيّ قيمة. إذ اندفع عمّالٌ كُثرٌ من حَمَلة تلك التصاريح للانضمام إلى العمّال الذين لا يحملون التصاريح، والدخول معهم من طرقِ تهريبٍ محفوفةٍ بالمخاطر، ومنهم طارق.
يقول طارق إنّه في يوم السابع من أكتوبر أغلقت إسرائيل معابرها كافةً مع الضفة الغربية، وتلقّى وباقي العمّال — المُصرّح لهم العمل — رسائل نصيّةً من المشغّلين الإسرائيليين تبلغهم بتوقف العمل حتى إشعارٍ آخر. في الأشهر الأولى من الحرب، أنفق مدّخراته ثم لجأ إلى الاستدانة. فاضطرّ للعودة إلى العمل في أسواق الضفة الغربية، التي غادرها سابقاً بسبب قلّة فرص العمل وتدنّي الأجور فيها، وعمل بنظام "الطقطقة". والطقطقة مصطلحٌ يعني العمل يوماً والتعطّل أياماً مقابل أجرٍ زهيد.
إضافةً للإغلاق وإلغاء التصاريح، احتجزت إسرائيل حصةَ السلطة الفلسطينية من أموال المقاصة — وهي عائدات الضرائب والجمارك التي تجنيها بالنيابة عن السلطة الفلسطينية وفق اتفاقية أوسلو وتمثل ثلث ميزانية السلطة الفلسطينية — ما أدى إلى عدم قدرتها على دفع رواتب موظفي القطاع العام. انعكس ذلك على الأسواق الفلسطينية وفرص العمل الضئيلة التي كانت توفّرها.
تفاقمت هذه الأزمة بسبب إجراءات إسرائيل على الأرض. فقد زاد الجيش الإسرائيلي إنشاء السواتر الترابية والبوابات الحديدية المغلقة والحواجز العسكرية الدائمة والطائرات الجوالة، التي قطعت أوصال الضفة وعزلت مدنها وقراها. جاء ذلك بالتزامن مع تزايد الاجتياحات والعمليات العسكرية لمخيمات الضفة الغربية وقراها، بذريعة ملاحقة كتائب المقاومة المسلّحة التي نشطت وتحصّنت فيها.
قيّدت عمليات العزل والتقطيع الحركةَ في مختلف أنحاء الضفة، ما أدَّى أيضاً إلى تشديد القيود على حركة البضائع، وتعطيل الأنشطة الاقتصادية وارتفاع التكاليف التشغيلية. وذلك وفق نشرة الاقتصاد الفلسطيني الصادرة سنة 2025 عن معهد أبحاث السياسات الاقتصادية "ماس".
انعكس ذلك على الناتج المحلي الإجمالي. فقد انخفض في قطاع غزة لأكثر من 85 بالمئة، ونحو 22 بالمئة في الضفة الغربية، مقارنةً بما كانت عليه الحال قبل السابع من أكتوبر. كذلك ارتفع معدل البطالة إلى 80 بالمئة في قطاع غزة و35 بالمئة في الضفة الغربية، وهو ما رفع معدّل البطالة في فلسطين بالمجمل إلى 51 بالمئة. وقد ذكرت ذلك الباحثة لميس فراج في دراستها بعنوان "جدلية العمال الفلسطينيين في الداخل المحتل" المنشورة سنة 2025.
بعد نحو عامين من الحرب أمضاها طارق بلا عملٍ، وتحت وطأة التزاماته العائلية ومطالبات الدائنين بسداد ديونٍ تراكمت طوال تلك الفترة قرر خوض رحلة تهريبٍ محفوفةً بالمخاطر ليعمل مع صديقه الذي عرض عليه العمل في إسرائيل.

اتصل طارق بالمهرّب الذي رفض في البداية الحديث أو الإدلاء بأيّ تفاصيل قبل تأكده من طريقة حصول طارق على رقم هاتفه. وبعد النقاش تذكّر المهرّبُ صديقَ طارق الذي يتعامل معه منذ أعوامٍ، فاتفق مع طارق على القدوم في اليوم التالي إلى بلدة الرام.
قضى طارق ليلته يتصفح الأخبار ويشاهد مقاطع مصورةً لعمّالٍ أُطلقت عليهم النار واعتُقلوا وضُربوا أثناء محاولتهم اجتياز الجدار الفاصل، ويعيد مراراً وتكراراً تقييم هذه الرحلة التي قد تكلّفه حياته. لكن حياته في الضفة لا تقلّ خطورةً، بسبب الاقتحامات والعمليات العسكرية المتكررة. ويقول للفراتس: "في أي مكان في فلسطين، إنت معرّض للخطر، لا بخاطر وببني مستقبلي".
في اليوم التالي استقلّ طارق سيارة نقلٍ عموميٍّ نقلته من طولكرم إلى مدينة رام الله، وهي مسافةٌ تستغرق عادةً نحو ساعةٍ ونصف، لكنها استغرقت نحو أربع ساعاتٍ بسبب الحواجز الإسرائيلية. ومن رام الله استقلّ وسيلة نقلٍ عموميٍّ للرام. وهناك كانت تجربته الأولى في رؤية الجيش الإسرائيلي يطارد العمّال الذين حاولوا الدخول من فتحات الجدار ويطلق النار عليهم، فانتهى المطاف بطارق مختبئاً معهم حتى تهدأ الأمور.
والفتحات نقاطٌ أو ثغراتٌ في الجدار الفاصل، أو الأسلاك الشائكة المحيطة به، تآكلت بعوامل التعرية أو أزيلت بشرياً (عمّال أو مهرّبون) عبر قصّ أجزاءٍ منها. فصار بالإمكان المرور عبرها سيراً على الأقدام للعمل داخل الخط الأخضر أو للزيارات العائلية أو زيارة البساتين والمزارع التي قضمها الجدار، إضافةً إلى تهريب بعض السلع والبضائع. ولا توجد جهةٌ رسميةٌ تعلن مسؤوليتها عن إحداث تلك الفتحات.
وبحسب طارق، فإن الحظ هو سيد الموقف. "في ناس تكسّرت إجريهم [أقدامهم]. مرّات الجنود بكونوا عاملين كمين على الجهة الإسرائيلية، مجرّد ما ينزل العمّال بمسكوهم وبفشّوا غلّهم فيهم. في ناس ماتت، ناس انصابت، ناس انحبست". يضيف عاملٌ آخر للفراتس: "لكن فش مجال [لا مجال]. عندك التزامات وعيلة نطعميها".
بعد ساعاتٍ من الانتظار أخبرهم المهرّب أن المنطقة هدأت، وقد حان وقت العبور. وطلب من كلّ واحدٍ منهم مبلغ أربعمئة شيكل (124 دولاراً) تشمل أجرته وأجرة مهرّبٍ آخر من فلسطينيي الداخل ينتظرهم في الجهة المقابلة ليُقلّهم بعد اجتياز الجدار إلى منطقةٍ أخرى آمنة.
تقاطر العمّال تترى نحو سلّمٍ طويلٍ وضعه المهرّب يصل بهم إلى أعلى الجدار الإسمنتي حيث توجد ثغرةٌ في السياج الحديدي. وهناك وجدوا حبلاً مربوطاً يتدلى على الناحية الثانية من الجدار، فنزل العمّال تباعاً. في منتصف الطريق للأسفل سقط طارق من الحبل وارتطم في الأرض. قال للفراتس: "وأنا بنصّ مسافة الحبل، وقعتْ ع الأرض وانصبت برضوض. بس الحمد لله إصابات بسيطة".
أخبرنا طارق أنّ الوضع كانَ أقلّ خطورة قبل السابع من أكتوبر. حينئذٍ كانت الفتحات تنتشر في مدينته طولكرم، وكان عبورها سهلاً نسبياً. كذلك كان المهرّبون يتقاضون مبالغ معقولةً تتراوح بين ستّين إلى مئة شيكل (ثمانية عشر إلى واحد وثلاثين دولار). أما اليوم، وبسبب الأوضاع الأمنية وزيادة سيطرة سلطات الاحتلال على الجدار الفاصل، تقلّص عدد تلك الفتحات حتى يكاد لا ينفذ إلا من قلّةٍ حصريةٍ منها. فبات المهرّبون الذين أحدثوا الفتحات يستغلّون العمّال. يقول طارق: "قبل كانوا العمال نفسهم يفتحوا فتحات ويمرّوا. إذا الوضع الأمني صعب، بكون عدد الفتحات قليل. فبيستغلّوا الناس".
ما إن صار طارق وباقي العمّال داخل الخط الأخضر حتى ركضوا نحو قرية بيت حنينا العربية التي تتداخل (لولا الجدار الفاصل) مع قرية الرام. ووفق الخطة التي أعلمَهم بها المهرّب، ينبغي لهم الوصول إلى بيت حنينا والاختباء في مناطق متفقٍ عليها، بانتظار سياراتٍ بلوحاتِ تسجيلٍ إسرائيليةٍ تُقلّهم إلى مناطق آمنةٍ في الداخل الإسرائيلي.
بدأ طارق يشعر ببعض الطمأنينة لأنهم عَبَروا خفيةً عن أعين الجيش الإسرائيلي، وبذلك انتهى الجزء الأصعب من رحلة العبور. "يعني مجرّد تحطّ إجرك في الأرض المحتلة، بجيك شوية راحة [. . .] بس برضه بضلّ في خوف شو يصير لقدّام. رح تكون لحالك. أي إشي بصير، فش حدا يوقف معك أو يساعدك. بتضلّك في حالة رعب مستمرّ".
لكن المخاطر لم تنتهِ بعد، فقد يُداهم جيش إسرائيل أو شرطتُها بلدة بيت حنينا بحثاً عن العابرين. وفي تطوّرٍ لافتٍ في أكتوبر 2025، حاولت مجموعاتٌ من المستوطنين تأدية مهام الجيش والشرطة باقتحام منازل بيت حنينا والبحث عن العمّال. فاصطدموا بأهالي القرية الذين منعوهم.
يشير طارق إلى أن الخطر لا يأتي من الجيش والمستوطنين فحسب، إذ يبقى هؤلاء العمّال رهن ظروفٍ متقلّبةٍ وغير متوقَّعة. يقول: "مرّات بصير مشاكل بين أصحاب السيارات والمهرّبين، إحنا ما بنعرف عنها. مرّات كنّا نفوت ونستنّى ساعات، وما تيجي السيارة. بعدين نعرف أنه السائق مختلف مع المهرّب وعلقنا. في كثير شباب انمسكت بسبب هاي المشاكل".
من بيت حنينا تنقل سيارات المهرّبين بالعادة معظم العمّال إلى منطقة كفر قاسم ذات الأغلبية العربية. ومن أراد من العمّال توصيلةً إلى منطقةٍ مختلفةٍ، يترتب عليه دفع مبالغ إضافيةٍ للسائق. يقول طارق: "أنا شغلي في تل أبيب. إذا بدّه يوصّلني لهناك، بدّه سبعمية شيكل [مئتان وسبعة عشر دولاراً] زيادة". لذلك فضّل طارق تدبّر الأمر بعيداً عن استغلال السائقين والمهرّبين، والانتقال من كفر قاسم إلى تل أبيب بواسطة حافلات النقل العام الإسرائيلي. يضيف: "أنا حافظ إسرائيل منيح وعارف نظام مواصلاتها بالتفصيل. بس معظم الناس ما بتعرف أو بتخاف تتحرّك بهاي الطريقة. فبستغلّوهم وبوخذوا منهم زيادة، ما لا يقلّ عن سبعمية إلى تسعمية شيكل زيادة".
تنقّل طارق في وسائل النقل العام معتمداً على معرفته بطرق المنطقة وإتقانه اللغة العبرية. ومع غروب الشمس وصل مكان أصدقائه في تل أبيب. هناك تَشارك السكن مع خمسة عمّالٍ في شقةٍ صغيرةٍ استأجروها من فلسطينيٍّ مقابل أربعة آلاف شيكل (1240 دولار) شهرياً. "عايشين في غرفة وحدة بنتقاسم إيجارها، عشان توفّي معنا [لِتَكْفِيَنا]". ولا ينوي طارق العودة إلى الضفة قبل أربعة أشهرٍ أو خمسةٍ على أقلّ تقديرٍ، نظراً لخطورة الطريق وما يتكبّده من مصاريف.
في رحلته هذه حَمَل طارق معه حقيبة ظهرٍ فيها بعض الملابس والمعلبات للطعام لأنه لا يستطيع الخروج أو الجَوَلان في الشوارع إلا للضرورة وبمسارات معينة، بسبب ظرفه. وبعد عدّة أيامٍ نفدت منه المؤونة. فاتفق وزملاؤه مع صاحب متجرٍ فلسطينيٍّ أن يطلبوا الأغراض التي تنقصهم بالهاتف، فيرسلها مع عامل توصيلٍ مقابل مبلغٍ إضافيّ.
كذا فرضت الظروف في تل أبيب على طارق نظاماً يومياً يسمّيه "من الورشة للفرشة". يستيقظ في الخامسة صباحاً وينتظر وصول حافلةٍ تقلّهم إلى ورشة البناء حيث يعملون من السابعة صباحاً حتى الخامسة مساءً، ثم تعيدهم الحافلة إلى مكان إقامتهم طوال أيام الأسبوع. يتناول العمّال وجبتهم ويمضون باقي وقتهم يتحدثون مع عائلاتهم وأصدقائهم عبر الإنترنت، حتى ينال منهم التعب ويخلدون إلى النوم.
يعلم طارق بوجود بعض أقاربه وأهل بلده ممّن يعملون ويبيتون في الداخل الإسرائيلي، لكنهم لا يلتقون أبداً بسبب ظروفهم التي لا تسمح بخروجهم من سكنهم. "أهل بلدي متجمّعين مع بعض، بس أنا إجيت ع الشغل عن طريق ناس من بلد ثانية، فبضلّ معهم".
ومثل باقي العمّال يعيش طارق في عمله اليوميّ هذا كثيراً من المخاطر التي قد تصل للموت. ووفقاً للعمّال الذين تحدثنا معهم، فقبل السابع من أكتوبر كان العمّال — الذين يدخلون إسرائيل تهريباً — يخشون من مخاطر، مثل القبض عليهم وإخضاعهم لعقوبات السجن ودفع الغرامات المالية. إلّا أن هذه المخاطر تضاعفت بعد السابع من أكتوبر، فوصلت حدّ إمكانية الموت برصاص الجيش الإسرائيلي أو الشرطة.
وفق تصريحاتٍ أدلى بها نقيب العمّال الفلسطينيين شاهر سعد للفراتس، قتل جيش إسرائيل منذ السابع من أكتوبر نحو مئة عاملٍ أثناء محاولتهم العبور للعمل في الداخل. كذلك، أصيب المئات بالعيارات النارية أو اعتُقلوا وأودعوا السجون، حيث يُسامون التجويعَ والإهمالَ الطبّي.
لكن مع تصاعد القمع، تطفو على السطح شكوكٌ بأنّ تعامل الجيش مع العمّال قد يشوب بعضه تعمّد غضّ الطرف عن دخولهم الخط الأخضر. ما يَشي بأسلوب تعاملٍ مزدوجٍ، وراءه أهدافٌ ومصالح معيّنة.
حديثاً برزت هذه الليونة الأمنية بتورّط بعض الجنود الإسرائيليين بالتنسيق مع المهرّبين لدخول العمّال عبر المعابر الرسمية أثناء دوام الجنود المتعاونين، وكلّ ذلك لقاء مبالغ مالية. الطريقة آمنُ من الفتحات، إلا أن العديد من العمّال لا يفضّلونها بسبب تكلفتها المرتفعة. يترتب على كلّ عاملٍ دفع مبلغ ألف شيكل (ثلاثمئة وعشرة دولارات) لقاء نقله إلى الداخل، لكن هذا التساهل مؤشرٌ إضافيٌ على رغبة إسرائيل بدخول هؤلاء العمّال. فقد أوردت صحيفة يديعوت أحرونوت العبرية في ديسمبر 2025 بأن عشرات الجنود والضباط الإسرائيليين على حواجز شمال القدس تلقوا رشىً لتسهيل دخول عمّالٍ فلسطينيين عبر الخط الأخضر. ويضيف التقرير أن التنسيق بين المهرّبين الفلسطينيين والجنود الإسرائيليين كان عادةً عبر تطبيق تلغرام.
لا يبدو أن هناك قراراً رسمياً مكتوباً بغضّ النظر عن تلك الفتحات، وقد لا يمكن رصد نمطٍ مقنّنٍ في تعامل أمن إسرائيل مع تلك الفتحات، لكن الواقع الميداني يُظهر تسامحاً إسرائيلياً أحياناً تجاه تلك الثغرات. يقول المتخصص بالأمن القومي الإسرائيلي فادي النحاس للفراتس بأن المراقبة والسيطرة الكاملة على الجدار مكلفةٌ. لذا فإن "إغلاق الفتحات يصبح حقيقياً فقط عندما ترتفع الحساسية الأمنية".
وجهة نظر النحاس يؤكدها العمّال والأهالي الذين تحدثنا معهم، مستذكرين دخول أكثر من شابٍ إلى إسرائيل من الضفة عبر تلك الفتحات وتنفيذهم عملياتٍ في تل أبيب. في كل هذه الحالات، استنفرت إسرائيل وفرضت سيطرةً مطلقةً على تلك الفتحات. كذلك أعاد من تحدثنا إليهم التذكير بيوم فرّ أسرى فلسطينيون من سجن جلبوع في سبتمبر 2021، حين فرضت القوات الإسرائيلية حصاراً مشدداً على المنطقة لمنع السجناء من دخول مناطق السلطة الفلسطينية في جنين. يقول أحد الأهالي: "الطير الطاير ما كان قادر يفوت يومها".
يرى النحاس أن إسرائيل تطبّق سياسة "الرقابة المتدرّجة". يعني ذلك رقابةً وسيطرةً شديدةً في المناطق التي تعدّها خطرةً، مثل مناطق شمال الضفة التي طالما احتضنت وآوت المقاومة المسلّحة، كما يعني رقابةً مخفّفةً في المناطق التي تعدها أقلّ حساسيةً مثل مناطق الرام وكفر عقب وقلنديا.
ولكن التذبذب الأمني وحده لا يفسّر التساهل مع بعض عمليات تهريب العمّال. فقد تسعى إسرائيل من تشغيل العمّال الفلسطينيين إلى تعميق التبعية الاقتصادية الفلسطينية للاقتصاد الإسرائيلي، وخلق نموذجٍ من السيطرة منخفضة التكلفة بلا مسؤوليةٍ قانونية.
في هذا السياق يعلّق نقيب العمّال الفلسطينيين شاهر سعد أن الحكومات المتعاقبة على إسرائيل تتبع منذ سنة 1967 سياسةً اقتصاديةً تقوم على منح ما بين 20 إلى 25 بالمئة من فرص العمل في السوق الإسرائيلي للفلسطينيين، بهدف تكريس سيطرتها على الاقتصاد الفلسطيني. ويستذكر سعد أنه قبل سنة 1987، وهي السنة التي اندلعت فيها الانتفاضة الأولى، كانت إسرائيل تعتمد على عمّال قطاع غزة. يقول للفراتس: "كان قطاع غزة عبارة عن مخزن إلُه فتحة واحدة، عشان يدخل منها العمّال. بعد ذلك، صاروا يعتمدون أكثر على الضفة".
كذلك تستفيد إسرائيل من الفتحات بالحفاظ على استقرارٍ اقتصاديٍّ داخليٍّ لأنها تؤمّن لقطاعاتها الاقتصادية عمالةً رخيصةً بلا حقوق. فالعامل الذي يدخل تهريباً لا يحصل على أيّ حقوقٍ وامتيازاتٍ، بينما العامل المرخَّص له والحاصل على تصريح عملٍ، له تأميناتٌ ضد إصابات العمل ونهايةُ خدمةٍ وحدٌّ أدنى للأجور. يقول طارق: "المش قانوني برضى بأي إشي. عشان هيك بسهولة بستغلّوه".
بعد السابع من أكتوبر تزايدت انتهاكات المُشغّلين وأصحاب العمل واستغلالهم أولئك العمّال. يقول شاهر سعد: "يتلاعب المشغّل الاسرائيلي، بتقليل أيام العمل واستغلال حاجة العامل الفلسطيني وإجباره على الاعتراف بأيام عمل أقلّ من اللي اشتغلها". ويردف سعد بأن عدد العمّال الفلسطينيين في إسرائيل قد زاد قبل السابع من أكتوبر ووصل إلى مئتي ألف عاملٍ، نصفهم يحملون تصاريح عملٍ رسمية. "أما الآخرون، فكان يدخل بعضهم عن طريق تصاريح مختلفة، مثل الزراعة والتصاريح الحرّة. فيما يدخل الباقون تهريب عن طريق الفتحات".
وينوّه سعد بأنه عند اندلاع الحروب والانتفاضات وما يترتب عليها من تعاظم المخاوف الأمنية الإسرائيلية، يحاول الجانب الإسرائيلي عادةً الاستغناء أو تقليص العمالة الفلسطينية واستبدالها بعمالةٍ آسيوية. إلا أن اعتباراتٍ كثيرةً حالت دون نجاح هذه الخطوة، رغم وصول ما يزيد عن أحد عشر ألفاً وستمئة عاملٍ أجنبيٍّ منذ أكتوبر 2023. أهم هذه الاعتبارات، حسب سعد، مصاريف استقدام العمّال، "آخر مرّة جابوا خمسة وسبعين ألف عامل بناء. إللي أنا أعرفه ومتأكد منه إنه إللي بقي منهم حوالي أربعة وعشرين ألف فقط. الباقي هربوا على قطاعات، مثل الخدمات والزراعة. ما ظلّوا في البناء". ويضيف سعد أن العامل الأجنبي يشكّل عبئاً اقتصادياً واجتماعياً، على عكس العامل الفلسطيني المرخَّص له، "لأنه بشتغل وبيرجع على الضفة مش زيّ الوافد الأجنبي". تضاف على تكلفة استقدام العامل الأجنبي مصاريف أخرى تتكبدها الحكومة الإسرائيلية مثل تأمين السكن وتذاكر الطائرات.
وهو ما يؤكده طارق، إذ يعمل معه في الورشة ذاتها عدّة عمّالٍ من الصين وشرق آسيا. "استقدام العمالة بالنسبة لهم مش مضمون زي ما بحكوها [. . .]. إنت بترمي سنارة بالبحر، ما بتعرف يطلع سمكة أو ما يطلع". ويردف أن العامل الفلسطيني محترف ويفهم قوانين البناء الإسرائيلي، عكس العامل الأجنبي الذي تختلف قوانين البناء في بلده، وهو ما يَحول دون سير العمل. فضلاً عن تحدّث فئةٍ كبيرةٍ من العمّال الفلسطينيين اللغة العبرية، وهو ما يسهّل التواصل بين العامل والمشغّل.
وإلى جانب حصول إسرائيل على عمالةٍ رخيصةٍ، فالسماح بولوج الفلسطينيين عبر هذه الفتحات قد يخفف التوتر ويمنع الانفجار في الضفة. وبحسب النحاس، فإن هذه الفتحات تقلّل الضغط على الحواجز العسكرية التي تُعد نقاطَ احتكاكٍ حساسةً يمكن أن تتحول بسرعةٍ إلى مواجهاتٍ عنيفة.
وفي الوقت نفسه يحدّ هذا التدفق غير الرسمي من تفاقم الأزمة الاقتصادية في الضفة، إذ تعتمد آلاف العائلات الفلسطينية على عمل أبنائها داخل الخط الأخضر، وأيّ إغلاقٍ مُحكَمٍ قد يؤدي إلى حالةٍ من الاحتقان الاقتصادي الذي يمكن أن يتحوّل إلى احتجاجاتٍ واسعةٍ أو اضطراباتٍ سياسية. وبهذا المعنى تعمل الفتحات "صمّام أمان" يسمح لإسرائيل بإدارة الصراع عبر موازنة مستويَي الضغط والتهدئة. "تضبط الحركة بما يحفظ السيطرة الأمنية، وتتيح في الوقت نفسه هامشاً من العبور يمنع انهياراً اقتصادياً شاملاً قد يشعل الوضع"، وفقاً لفادي النحاس.
مثلاً بات من الصعب العبور من الفتحات الموجودة في مناطق شمال الضفة، مثل طولكرم وجنين اللتين احتضنتا في الأعوام الأخيرة كتائب المقاومة المسلّحة، أو من الفتحات التي تُطلّ على أحياءٍ ذات أغلبيةٍ يهوديةٍ في الداخل. لكن يمكن العبور من مناطق أخرى تطلّ على مناطق عربيةٍ، كما في بلدة الرام وكفر عقب وقلنديا.
وتبقى هذه الفتحات تحت نظر إسرائيل طالما تخدم احتياجاتها الأمنية والاقتصادية. وحين يضطرب الأمن، تُحكم السيطرة عليها بسرعة.

