يمثل هذا النقاش جزءاً من جدلٍ أوسع في مصر منذ بدء تطبيق سياسة الجامعات الأهلية الجديدة، وهي جامعاتٌ شبه حكوميةٍ غير ربحيةٍ، تستهدف الجمع بين تحسين مستوى التعليم مع تكلفةٍ متوسطةٍ إذ يُستخدم مردودها لتطوير المرافق والخدمات بالجامعة. وتشترك مع الجامعات الحكومية في وقوعهما تحت إشراف المجلس الأعلى للجامعات. وقد وصل عددها منذ سنة 2020 إلى ثلاثين، كان أولها جامعة العلمين الدولية. ومنذئذٍ انقسم المجتمع بين من يراها دعامةً للتقدم والتنمية في البلاد وحلّاً لمشكلات التعليم الجامعي في مصر، ومن يعتقد أنها ستسلِّع التعليم الجامعي وتؤدّي إلى تراجع مستواه.
غير أن مشروع الجامعات الأهلية، على حداثته، قد يكون مجرد امتدادٍ لسياسة تقاسم التكاليف في التعليم العالي التي بدأت الدولة المصرية في تطبيقها منذ التسعينيات من خلال البرامج الخاصة داخل الجامعات الحكومية. وقُصد بهذه السياسة تخفيف العبء المالي على الحكومة في مجال التعليم بتحميل الطلاب والجامعات جزءاً منه. غير أن دراساتٍ عدّة وشواهد من الواقع العملي تشكك في جدوى هذه التجربة في تحقيق هدفها المعلن بالارتقاء بالتعليم العالي، لما لها من آثارٍ سلبيةٍ على العدالة في الوصول إلى التعليم الجامعي الحكومي. وبذلك فإن التوسع في إنشاء الجامعات الأهلية قبل التوقّف أمام تجربة البرامج الخاصة ودراستها بتأنٍّ، قد يعيد إنتاج تجربةٍ غير ناجعةٍ تُبقي على أزمة التعليم العالي في مصر بدلاً من أن تساهم في حلّها. لاسيما وأن مردّ هذه الأزمة هيكليٌ يتجاوز التمويل إلى غياب الشفافية والعدالة المناطقية والاجتماعية.
احتاج الأمر حتى سنة 2002 لتعترف الحكومة المصرية صراحةً بوجود أزمةٍ في التعليم العالي. وقالت في وثيقةٍ عنوانها "بروجيكت أبريزل دوكيومنت" (تقييم مشروع تعزيز التعليم العالي)، جاءت ضمن إجراءات الموافقة على قرض البنك الدولي لمصر ذلك العام، إن جودة التعليم العالي في مصر تراجعت، على اتساع قاعدة الملتحقين بها.
يقول أستاذ التعليم العالي محمود عميرة في مقالته "هاير إديوكيشن إن إيجبت سِنس وورلد وور تو [. . .]" (التعليم العالي في مصر منذ الحرب العالمية الثانية [. . .]) أنه مع التوسع الكبير في أعداد الطلبة وضيق الموارد العامة بدأ التفكير في سياساتٍ نيوليبراليةٍ – سياسةٍ اقتصاديةٍ بتدخلٍ أقلّ من الدولة – في التعليم العالي. وقد روّج لها البنك الدولي ومؤسسات التمويل الدولية آنذاك.
وحسب عميرة، جاءت هذه السياسات في اتجاهين متوازيين. الأول فتح الباب أمام الجامعات الخاصة بموجب القانون رقم مئة وواحد لسنة 1992. والثاني البحث عن صيغٍ لـتقاسم التكاليف داخل الجامعات الحكومية، تحت شعار مواجهة نقص التمويل وتحسين الجودة في الوقت نفسه.
قامت الجامعات الخاصة في مصر أساساً على مبدأ الربحية، ما جعلها – ما عدا جامعة المستقبل – تتخلّف عن مراكز متقدمةٍ في مؤشرات التصنيف العالمية المرموقة مقارنةً بالجامعات الحكومية، مثل مؤشر شنغهاي. فيما شمل أحدث إصدارٍ في التصنيف ستّ جامعاتٍ مصريةٍ حكومية. بالمقابل فإن تقاسم التكاليف جاء بعدما لم تعد الحكومة قادرةً على تحمّل فاتورة التعليم العالي وحدها. قُنّنت هذه السياسة رسمياً في العام الجامعي 1994-1995، حين توقفت الجامعات الحكومية عن الاعتماد الحصري على ميزانية الدولة. وأصبحت مساهمة الحكومة في موازنات الجامعات العمومية بنسبة 85 بالمئة، وإدارة الجامعة تُدبّر النسبة المتبقية من مصادر أخرى، منها الأُسر.
لم يكن المسوّغ الماليّ وحده الذي استُخدم للدفاع عن سياسة إشراك الأُسر في تمويل التعليم العالي في مصر. ففي الحين نفسه برز خطابٌ يعدّ تطبيق مجانية التعليم العالي بالشكل الذي حدث بعد سقوط الملكية سبباً مفضياً إلى نوعٍ من الظلم العكسي في توزيع الفرص التعليمية.
وفقاً لتقرير البنك الدولي "بوفرْتي ريدكشِن إن إيجِبت [. . .]" (الحد من الفقر في مصر[. . .]) الصادر سنة 2002، فإن 45 بالمئة من الإنفاق العامّ على التعليم العالي يذهب إلى الخُمس الأعلى دخلاً في المجتمع. هذه المفارقة يفسّرها الاقتصادي المصري في جامعة مينيسوتا الأمريكية، راجي أسعد، في دراسته "المساواة للجميع؟[. . .]" الصادرة سنة 2010. إذ يقول إن الأُسر الأكثر ثراءً هي التي تستطيع تحمّل تكاليف التعليم ما قبل الجامعي، من مدارس خاصةٍ ودروسٍ خصوصية. وهو ما يجعل أبناءَ هذه الأُسر أقدرَ من غيرهم على دخول الجامعة المجانية والاستفادة من الدعم العام، في حين يُقصى أبناء الطبقات الأفقر قبل الوصول إلى هذه المرحلة.
بهذا تحوَّلت سياسة تقاسم التكاليف إلى حزمةٍ واسعةٍ من التدخلات داخل الجامعات الحكومية. فإلى جانب إنشاء برامج تُدرَّس بلغةٍ أجنبيةٍ برسومٍ مرتفعةٍ في الكليات الاجتماعية، رُفعت رسوم التسجيل والامتحانات لجميع الطلاب، كما ظهرت برامج الساعات المعتمدة في الكليات العلمية، أي أن يختار الطالب المقررات التي سيتقدّم لها كلّ فصلٍ دراسيٍّ بدلاً من الانتظام في برنامجٍ فصليٍّ موحّد. ودُشّنت مراكز ووحداتٌ متخصصةٌ داخل الجامعات تُدار بمنطقٍ شبه تجاريٍّ لتقديم مشورةٍ أو دوراتٍ تدريبيةٍ تُدرّ دخلاً إضافياً. كذلك فُرضت رسومٌ أعلى على الإقامة في المدن الجامعية، وعلى إعادة الامتحان في حالة الرسوب. وطُبقت رسومٌ على الدراسات العليا بعد أن كانت تُتّخذ امتداداً للتعليم المجاني أعواماً طويلة. علاوةً على إنشاء نظام التعليم المفتوح الذي أتاح للراشدين والعاملين، ممن حصلوا على الثانوية منذ أعوامٍ عديدةٍ، العودةَ للحصول على شهادةٍ جامعيةٍ برسومٍ كاملةٍ بنظامٍ دراسيٍ مختلفٍ يتركز في عطلة نهاية الأسبوع، قبل أن يُلغى لاحقاً في صورته التقليدية ويُستبدل بصيغٍ أخرى مثل التعليم المدمج.
أبرزُ أثرٍ لهذه السياسة البرامج الخاصة داخل الكليات الحكومية، أو ما عُرف في الأدبيات بالمسار المزدوج. ففي مقابل المسار العامّ الذي يستقبل العدد الأكبر من الطلاب برسومٍ رمزيةٍ، أُنشئت داخل الكلية مساراتٌ خاصةٌ تُدرَّس فيها المقررات نفسها باللغة الإنجليزية أو الفرنسية أو الألمانية، في مجموعاتٍ أقل عدداً وبنظام ساعاتٍ معتمدةٍ، وبرسومٍ سنويةٍ أعلى بكثيرٍ مما يدفعه الطالب في الشعبة العامة. هذه البرامج قُدِّمت في الخطاب الرسمي صيغةً تجمع بين هدفين. أولاً تحسين جودة التعليم بخلق مساراتٍ ذات كثافةٍ طلابيةٍ أقلّ وبنيةٍ أفضل، والثاني في الوقت نفسه توليد موارد إضافيةٍ للجامعة يمكن استخدامها في دعم باقي البرامج أو تحسين أوضاعها.
الالتحاق بهذه البرامج يكون عادةً اختيارياً بعد القبول في الكلية، ويُشترط له مستوىً عالٍ من إتقان اللغة الأجنبية، إلى جانب القدرة على دفع الرسوم، وهي مرتفعة. في المقابل يحصل الطالب على مجموعةٍ من الوعود، مثل عدد طلابٍ أقلّ في القاعة، وبنيةٍ تحتيةٍ أفضل نسبياً وفرصةٍ أحياناً لدراسة مقرراتٍ أو درجاتٍ بالشراكة مع جامعاتٍ أجنبيةٍ وشهادةٍ من جامعةٍ حكوميةٍ عريقةٍ مع تدريسٍ بلغةٍ أجنبيةٍ تُعدّ في سوق العمل مؤشراً على جودةٍ أعلى.
إدارياً أُلحقت هذه البرامج بما يسمّى داخل الجامعات "الوحدات ذات الطابع الخاص" أو "الوحدات الجامعية المتخصصة". يُفترض أن تتمتع هذه الوحدات باستقلالٍ ماليٍّ وإداريٍّ أكبر، وأن تحتفظ بجزءٍ كبيرٍ من الإيرادات التي تجنيها، مقابل تحويل نسبةٍ محددةٍ إلى الموازنة العامة.
وعلى أن هذه الصيغة درّت على الجامعات عوائد ماليةً كبيرةً، فإنها لم ترتبط بتحسينٍ نوعيٍّ في البيئة التعليمية، ما يجعلها مثالاً مبكراً على تقاسم تكاليفٍ لا يقابله تقاسمٌ في المزايا أو الجودة. وهو ما يلقي أيضاً بظلالٍ من الشكّ على نجاعة هذا النموذج في صورته جامعاتٍ أهليةً. وهي التي تُقدَّم في إطارٍ إداريٍّ مرتبطٍ بالجامعة الحكومية، وتُدار في الأغلب من أعضاء هيئة التدريس في هذه الجامعة. ويبقى السؤال الأوسع عن مظاهر الإشكال في هذا النموذج، وهو الذي تفتحت مداركي عليه بدايةً في سنوات دراستي في جامعة القاهرة.
سألتُها عمّا يدفع خريجةً من "برنامج مدفوع" كان يُروَّج لنا مؤهّلاً لسوق العمل، ومن تخصّصَيْن يُرَيَان أوفر حظّاً من العلوم السياسية، إلى العمل التطوعي في المعرض. لكنها فاجأتني بالقول بأنها تتقدّم إلى وظائف منذ شهورٍ لكنها لم تُقبَل في أيٍّ منها، ولذلك قرّرت التطوّع رغبةً في دعم سيرتها الذاتية وقضاء وقتٍ خارج البيت.
تساءلتُ حينها عمّا إذا كان ثمّة فارقٌ حقيقيٌّ بين خريجي البرامج المدفوعة، الذين كان يدفع أحدهم ثلاثين ألف جنيهٍ مصريٍّ سنوياً (حوالي ستمئةٍ وخمسين دولاراً)، وبين خريجي المسار العامّ الذي أدفع فيه ثلاثة آلاف جنيهٍ فقط في السنة (ثلاثةً وستين دولاراً)، من حيث جودة التعليم وفرص الالتحاق بسوق العمل سريعاً.
كان سؤالي حينئذٍ نابعاً من تجربةٍ محدودةٍ ولم أُعِرْه جلّ اهتمامي. غير أني وجدت شيئاً من إجابةٍ بعد أعوامٍ في دراستَين بحثيّتَين. الأولى لباحثة الماجستير وقتئذٍ، إنجي جمال الدين، في كلية كي دي آي للسياسة العامة والإدارة في كوريا الجنوبية بعنوان "ذي إمباكت أوف كوست شيرينغ [. . .]" (أثر تقاسم التكاليف على جودة التعليم في الجامعات المصرية الحكومية) الصادرة سنة 2014. وهدفت الدراسة لقياس أثر البرامج المدفوعة الحقيقي، ضمن سياسة تقاسم التكاليف، على جودة التعليم وفترة الانتقال إلى سوق العمل.
والدراسة الثانية قبلها بأربعة أعوامٍ كانت رسالة دكتوراه لمنار صبري من جامعة بافالو التابعة لجامعةٍ في ولاية نيويورك تحت عنوان "فورِن لانغويج إنسترَكتِد بروغرامز إن بَبْلِك يونيفيرسيتيز إن إيجبت [. . .]" (البرامج المُدرَّسة باللغات الأجنبية في الجامعات الحكومية المصرية [. . .]). درست منار في الرسالة أقسام اللغات في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، وأقسام اللغات في كلية التجارة في الجامعة نفسها، محاوِلةً فهمَ عمل هذه البرامج من الداخل، وما الذي تعنيه فعلياً في حياة الطلاب من حيث جودة التعليم وتوزيع الفرص.
وبينما انطلقت دراسة منار صبري من وجهة نظر الطلاب، من خلال قياس تصوراتهم عن جودة ما يتلقونه من تعليمٍ، فإن إنجي جمال اعتمدت نموذجاً إحصائياً لقياس أثر تطبيق سياسة تقاسم التكاليف وزيادة المصروفات على جودة التعليم، وعلى الفترة الانتقالية بين التخرّج والدخول إلى سوق العمل.
مع اختلاف أدواتهما، خلصت الدراستان إلى أن سياسة تقاسم التكاليف، مثل ما طُبقت في صورة برامج اللغات المدفوعة داخل الجامعات الحكومية، قد فشلت في تحقيق هدفها المعلن المرتبط برفع جودة التعليم وتحسين فرص الخريجين في سوق العمل.
صحيحٌ أن تطبيق هذه السياسة أدّى إلى إنشاء قاعات محاضراتٍ جديدةٍ ومكيَّفة، ومعامل حاسوبٍ ولغاتٍ، ووسائل سمعيةٍ وبصريةٍ، وإلى توفير أدواتٍ تدريسيةٍ جديدةٍ لطلاب البرامج الأجنبية، لكن التحليل الإحصائي الذي عملته إنجي أظهر أن تقاسم التكاليف لم يؤثر على تقليص الفترة الانتقالية بين التخرّج وأول دخولٍ إلى سوق العمل. كذلك لم يصنع فارقاً حقيقياً في مؤشرات الجودة المرجوة لمساعدة الخريجين بسرعةٍ على الالتحاق بوظائف أفضل. كذا أظهرت نتائج رسالتها أنه لا توجد فروقٌ ذات دلالةٍ إحصائيةٍ بين طلبة الشعبة العربية وطلبة الشعب الأجنبية في المتغيرات المرتبطة بجودة التعليم التي تؤهلهم لسوق العمل.
كذا أشارت منار صبري إلى أن مجرد توفير أموال إضافية للجامعات بلا إدارةٍ مناسبةٍ أو دون تحسين أساليب التدريس لن يؤدّي تلقائياً إلى تحسين جودة التعليم أو زيادة رضا الطلاب.
وقد لا يبدو هذا الناتج متناسباً مع تكلفة هذه البرامج الباهظة مقارنةً بالمسارات التقليدية داخل الجامعات الحكومية. إذ يتخرج طلابٌ من الجامعة نفسها، ويحصلون في النهاية على الدرجة العلمية ذاتها، لكن ما يدفعه بعضهم في أعوام الدراسة يزيد بعشرات المرّات عما يدفعه الآخرون. لكن دون أن يقابل هذا الفارق في المصروفات فارقٌ فعليٌّ في جودة ما يتلقونه من تعليمٍ أو في فرص العمل بعد التخرّج، كما تبين الدراستان.
ففي سنة 2025 كان يدفع الطالب في الشعبة الفرنسية والإنجليزية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة نحو سبعين ألف جنيهٍ مصريٍّ في العام (حوالي ألف وخمسمئة دولار). في حين يدفع زميله في الشعبة العربية في الكلية نفسها حوالي ألف وخمسمئة جنيهٍ فقط (اثنين وثلاثين دولاراً). وفي كلية الهندسة بجامعة عين شمس تصل رسوم بعض البرامج الخاصة ما يقارب مئة ألف جنيهٍ في العام (ألفَي دولار)، في حين يدفع طالب المسار العامّ في الكلية نفسها حوالي ألفَيْ جنيه (واحد وعشرين دولاراً).
ولا ينتهي الأمر عند الفجوة بين التكاليف وجودة التعليم، فثمّة شكوكٌ في أثر هذه البرامج على مبدأ المساواة في التعليم الجامعي الحكومي المفترض أنه مجاني. ففي سنة 2024 وبينما كنت أعمل على دراسةٍ إثنوغرافيةٍ (دراسة الظاهرة الاجتماعية بالملاحظة والتفاعل من داخلها) في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، أخبرتني زميلةٌ من الشعبة الفرنسية عن مقابلةٍ أجرتها مع طالبتين في الشعبة الفرنسية للعلوم السياسية، وهي شعبةٌ برسومٍ باهظة. كان ذلك ضمن دراسةٍ عن التفاوتات الاجتماعية والأكاديمية داخل الكلية المرتبطة باختلاف شعب اللغات.
بدأت المقابلة بأن قالت لهما، في جملةٍ تجمع بين المزاح واختبار ردّ الفعل، إنها عندما رأتهما أول مرةٍ ظنّتهما من قسم اللغة الإنجليزية، وهو أيضاً برنامجٌ خاصٌ وبرسومٍ باهظة. شعرت إحداهما بإهانةٍ حدّ القول بأنها قد تنتحر لو قيل لها ذلك، ثم نظرتا إلى بعضهما بعضاً وانفجرتا في ضحكٍ هستيريٍ ممتلئٍ بالغضب.
وعلى ما بدا عليه هذا الموقف من هزلٍ، فإنه يوحي بأن هذه البرامج خلقت عبر السنين طبقاتٍ متراتبةً داخل الكلية الواحدة. ليس فقط بين طلاب الشعب العربية الذين يدرسون في قاعاتٍ مزدحمةٍ وطلاب الشعب الأجنبية في قاعاتٍ أقل ازدحاماً وأكثر جودةً، بل حتى بين درجاتٍ مختلفةٍ من البرامج الخاصة نفسها. بما يحوّل الجامعة الحكومية إلى سلسلةٍ من الحلقات المغلقة، لا يحدّد موقعَ الطالب فيها تفوّقُه فقط، مثل مجموعِه في الثانوية العامة، بل قدرتُه على الدفع أيضاً. وهو ما أشارت إليه منار صبري في رسالتها، إذ ذكرت أن نحو 48 بالمئة من الطلاب الذين يمتلكون القدرات اللغوية الكافية للالتحاق بأقسام اللغات في كلياتٍ مثل الاقتصاد والعلوم السياسية والتجارة، منعتهم الرسوم المرتفعة من الالتحاق بهذه البرامج.
آثار هذه السياسة تتجاوز حدود التقسيم داخل الكلية الواحدة إلى منح امتيازاتٍ غير عادلةٍ داخل منظومة القبول الجامعي المفترض قيامها على مبدأ الجدارة.
يعتمد نظام الالتحاق بالجامعات الحكومية المصرية على تنسيقٍ حكوميٍّ موحّدٍ يرتّب الطلاب وفقاً لمجاميعهم في الثانوية العامة ورغباتهم. فعلى سبيل المثال، سنة 2025 كان الحد الأدنى للالتحاق بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية في جامعة القاهرة 93 بالمئة. في حين كان الحد الأدنى للالتحاق بالتخصص نفسه في جامعة بني سويف 89 بالمئة.
وينص نظام التنسيق على أنه لا يمكن للطالب الانتقال من فرع التخصص في جامعة إلى الفرع نفسه في جامعةٍ أخرى إذا كان مجموعُه أقلّ من الحد الأدنى لهذه الجامعة. إلّا في حالة "تقليل الاغتراب"، أي أن يكون الطالب من سكان محافظة الجامعة التي يرغب في التحويل إليها. وقد يُرفض الطلب، ويُجبر الطالب على استكمال دراسته بعيداً عن أهله.
في المقابل، يمكن لطالبٍ حاصلٍ على الحدّ الأدنى للتخصص في أيّ جامعةٍ حكوميةٍ أن ينتقل إلى جامعةٍ أخرى في المحافظة التي يرغب فيها إذا استطاع دفع مصاريف القسم الخاص والالتحاق به. حتى لو لم يكن مجموعُه يسمح له بالالتحاق بالمسار العامّ في هذه الجامعة.
بهذا المنطق، قد يحصل طالبان على مجموع 90 بالمئة في الثانوية العامة، أحدهما من القاهرة والآخر من بني سويف. يُقبل طالب القاهرة في كلية السياسة والاقتصاد في جامعة بني سويف، فيحاول تقديم طلب تقليل الاغتراب إلى جامعة القاهرة، لكن يُرفَض طلبه ويُجبر على الدراسة بعيداً عن أسرته، أو تغيير تخصصه. في الوقت نفسه، يستطيع طالب بني سويف الانتقال إلى جامعة القاهرة لأنه قادرٌ على دفع رسوم البرنامج الخاص باللغة الإنجليزية أو الفرنسية في الكلية، مع أن مجموع الاثنين متساوٍ.
يتكرر هذا السيناريو سنوياً في تخصصاتٍ مختلفةٍ، وقد عايشتُه في محيطي الاجتماعي. فقد قُبلَت إحدى صديقاتي من الجيزة سنة 2025 في تخصص الحاسبات والمعلومات، لكن في جامعة مطروح. وعندما حاولَت تقليل الاغتراب إلى القاهرة رُفض طلبها، ولم يكن أمامها سوى خيارين، إما الالتحاق ببرنامجٍ مدفوعٍ باهظ التكاليف في جامعة القاهرة، أو تغيير التخصص بالكامل، وهو ما اضطرت إلى فعله لاستحالة إقامتها وحدها في مطروح. في المقابل، يستطيع طالبٌ آخَر القدوم للدراسة في القاهرة لمجرد قدرته على دفع مصاريف البرنامج الخاص.
يمتد أثر البرامج الخاصة أيضاً إلى تخصصاتٍ مستحدثةٍ داخل الكليات الحكومية لا تُتاح أصلاً في المسار العام، وإنما تُقدَّم فقط في صورة برامج خاصةٍ مرتفعة التكاليف.
تشير دراسةٌ نقديةٌ للباحثتين في مجال التربية من جامعة المنصورة، سحر محمد علي محمد ووردة علي عويس محمود، بعنوان "الانعكاسات النيوليبرالية لتسليع التعليم العالي المصري على إنتاج التفاوت الاجتماعي [. . .]" المنشورة سنة 2025، إلى أن البرامج المستحدثة تهدد مبدأ العدالة. ففي كليةٍ مثل الإعلام يستطيع الطالب المقتدر مالياً دراسة تخصصاتٍ مثل الإعلام الرقمي لا تتوفر للطالب الذي لا يستطيع تحمّل هذه الرسوم. مع أن الاثنين حصلا على المجموع نفسه والتحقا بالجامعة الحكومية نفسها.
كذلك في بعض الكليات التي تطبق نظام التنسيق الداخلي لأقسامها المختلفة مثل الآداب والهندسة، تُطرَح برامج موازيةٌ للتخصصات نفسها لمن لم يتمكن من استيفاء شروط الالتحاق بالبرنامج في المسار العامّ، لكن مقابل رسومٍ مرتفعة. تطرح كلية الآداب بجامعة القاهرة مثلاً تخصصاتٍ مختلفةً، من بينها قسم اللغة الإنجليزية، ويُشترَط للالتحاق به في السنة السابقة الحصول على درجة واحدٍ وخمسين على الأقلّ من ستّين في مادة اللغة الإنجليزية في الثانوية العامة. في المقابل، يمكن لطالبٍ حاصلٍ على ثمانيةٍ وثلاثين من ستّين أن يلتحق بالبرنامج الموازي الخاص داخل الكلية والجامعة نفسيهما. في حين قد يُحرَم طالبٌ حاصلٌ على خمسين من ستين من دخول هذا التخصص لأنه لا يملك المال اللازم للالتحاق بالبرنامج الخاص.
تقول أسماء خلف في دراستها الصادرة عن كلية التربية بجامعة أسيوط بعنوان "مجانية العلوم الاجتماعية وعلاقتها بتكافؤ الفرص [. . .]" سنة 2019، إن الطالب المتفوق الذي لا قدرة له على دفع رسوم البرامج الخاصة يجد نفسه يتلقى تعليماً من الدرجة الثانية داخل الكلية نفسها. مقارنةً بزميله الذي قد يكون حصل على مجموعٍ أقلّ منه، لكنه تخرّج في مدرسة لغاتٍ ويستطيع دفع المصروفات المرتفعة للشعبة الأجنبية.
بهذه الصورة، تبدو فعالية هذه البرامج علمياً ومن ناحية الجودة ضعيفةً، ناهيك عن أثرها على العدالة في توزيع الفرص داخل الجامعات الحكومية المصرية. وهو التأثير الذي قد يتوسع في ظل الجامعات الأهلية الجديدة، التي ستقدّم التخصصات نفسها في صورةٍ أكثر تطوراً لكن بفارقٍ كبيرٍ في معدلات الالتحاق. فبينما يصل الحدّ الأدنى للالتحاق بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة إلى نحو 93 بالمئة، يمكن للطالب الالتحاق بالكلية نفسها في جامعة القاهرة الأهلية ذات المصروفات العالية بنسبةٍ تبدأ من حوالي 68 بالمئة.
غير أن معضلات التعليم العالي المصري أصلها هيكليٌّ، وإن حاولت الحكومة التعاطي معها من خلال تطبيق البرامج الخاصة ومحاولة التوسع نحو الجامعات الأهلية. كذلك تتعلق المعضلات بالضعف المزمن في التمويل وغياب الشفافية والاستقلالية والفجوات الاجتماعية المناطقية.
يمكن اعتبار هذا التصريح اعترافاً من رأس الدولة بقصور التعليم الجامعي في مصر، بما يتضمنه من برامج خاصةٍ داخل الجامعات الحكومية التهمت خلال السنوات الماضية ملايين الجنيهات من جيوب الأسر، دون أن تنجح في تغيير الصورة العامة عن ضعف مخرجات التعليم. غير أن أسباب هذا القصور قد تُنسب إلى عواملَ هيكليةٍ أعمقَ أبرزُها التمويل.
فمنذ عقودٍ يعاني التعليم العالي المصري من ضعفٍ مزمنٍ في التمويل يجعل الأموال التي تجنيها البرامج الخاصة مجرد مكمّلٍ للتمويل العامّ، لا إضافةً نوعيةً لميزانية الجامعات التي تعاني من نقصٍ حادٍّ، كما تشير إلى ذلك دراسة منار صبري. ويعود جزءٌ كبيرٌ من هذه الأزمة، وفقاً للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية في يونيو 2023، إلى عدم التزام الحكومة بالنسبة الدستورية المقررة للإنفاق على ميزانية التعليم العالي، وهي 2 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي. إذ لا تخصّص الدولة لها فعلياً سوى 1.45 بالمئة فقط، مقارنةً بنحو 3.78 بالمئة قبل تولّي الرئيس الحالي السلطة.
وقد أقرّ رئيس الجمهورية خلال فعاليات المؤتمر الوطني للشباب في الإسكندرية في يونيو 2023 بعدم الالتزام بهذه النسبة، مسوّغاً ذلك بمحدودية الموارد. فقال: "معاك المبلغ ده؟ هتعمل استحقاق دستوري إزاي للتعليم؟ مش بتقولوا كده؟ أنتم عاوزين أضحك عليكم؟ تقول لي استحقاق دستوري للصحة والتعليم؟ هل الدولة المصرية معاها هذه الأموال مئة مليون، تعلّمهم؟ [. . .] الأرقام المطلوبة مش موجودة يا جماعة، ولازم كلنا نبقى موجودين على أرض الواقع".
ومع ذلك، فأيّ حلٍّ ماليٍّ في معالجة مشكلات التعليم العالي لن يكون نهاية الأزمة، وإن توافرت الموارد. هذا ما توضحه إسراء مدحت عصمت في مقالتها المُحكَّمة "نيوليبرال ريفورم ديسكورس إن إيجِبشن هاير إديوكيشن" (الخطاب الإصلاحي النيوليبرالي في التعليم العالي المصري) المنشورة سنة 2023. إذ تشير إلى غياب قضايا أساسٍ لجودة التعليم العالي عن مناقشات الإصلاح، مثل الحريات الأكاديمية والاستقلال المؤسسي. وهي قضايا تكاد تغيب عن السياق الجامعي المصري.
يتماهى مع طرح مدحت تقرير التنمية العربية لسنة 2003، الذي يشير إلى أن التأخر في التطور العلمي في مصر يعود في جزءٍ منه إلى البيئة الاستبدادية التي تعمل فيها الجامعات، بما في ذلك الرقابة والضوابط الأمنية والعقبات البيروقراطية.
وثمة ورقةٌ بعنوان "انتهاك الحريات الأكاديمية" أعدّتها مؤسسة حرية الفكر والتعبير، وقُدّمت إلى الحوار الوطني المصري سنة 2023 تعيد التأكيد على الصورة ذاتها. إذ تشير إلى تقليص مساحة الحريات في الجامعة وخلق مناخٍ من الخوف والارتياب أدّى إلى ترسيخ رقابةٍ ذاتيةٍ لدى الأساتذة والباحثين والطلاب، تمنع كثيرين من التعبير عن آرائهم وأفكارهم خشية التعسف أو التنكيل.
مسألة الاستقلال والشفافية لها بعدٌ ماليٌّ كذلك يعيق الجامعات المصرية عن تحسين الجودة التعليمية. تشير إنجي في دراستها إلى أنه على تزايد الاستثمارات العامة والخاصة في التعليم العالي، فإن الدولة لا تستفيد من هذه الموارد حقّ الاستفادة، لأنها تتجاهل الحاجة الملحّة إلى نظامٍ ماليٍّ وإداريٍّ شفافٍ وخاضعٍ للمساءلة. وتظهر هذه المشكلة في الطريقة التي تُدار بها الوحدات ذات الطابع الخاص والبرامج المدفوعة داخل الجامعات، إذ تُجمع أموالٌ ضخمةٌ من الطلاب مع غموضٍ كبيرٍ يحيط بكيفية إنفاقها وأولويات توزيعها. وعندما حاولت انجي الحصول على القوائم المالية لهذه البرامج رفضت الكلية، وادّعى بعض الموظفين الإداريين أنها قد لا تكون موجودة.
هناك أيضاً مشكلة العدالة في الوصول إلى التعليم العالي. ولربما تتفاقم المشكلة في ظلّ سياسة الجامعات الأهلية الجديدة. فقد وجد ماجد عثمان، مدير المركز المصري لبحوث الرأي العامّ، في ورقته بالإنجليزية عن العدالة والإنصاف في التحاق الشرائح الاجتماعية المختلفة بالتعليم الجامعي، أن فرصة الالتحاق بالتعليم العالي لأطفال أغنى 20 بالمئة من السكان تبلغ سبعة أضعاف فرصة أطفالٍ أفقر.
يضاف لذلك الموقع الجغرافي مصدراً إضافياً للتحيز، حسب ما يبين ماجد عثمان. إذ يبلغ معدل الالتحاق الصافي بالتعليم العالي لسكان الحضر ضعف معدل الالتحاق لسكان الريف تقريباً. ومع أن هذه الفجوة كانت من الحجج المستخدمة للتوسع في إنشاء الجامعات الجديدة، فإن الأرقام المرتبطة بخفض الإنفاق على التعليم العالي التي رصدتها المبادرة المصرية للحقوق الشخصية تظهر أن التوسع في البرامج الخاصة والجامعات الأهلية لم يصاحبه إعادة توجيهٍ للإنفاق لصالح الفئات الأفقر. بل جرى العكس في كثيرٍ من الأحيان عبر تقليص نصيب التعليم العامّ من الموازنة، بما يهدد بتعميق الفجوة بدلاً من تضييقها.
يدعم هذا الاستنتاجَ دراسةٌ سابقةٌ أعدّتها الباحثة إليزابيث باكنر من جامعة تورنتو سنة 2013 "أكسِس تو هاير إديوكيشن إن إيجِبت: إكزامنِنغ ترِندز" (الالتحاق بالتعليم العالي في مصر: فحص الاتجاهات). وخلصت إلى أن نظام التعليم الجامعي العامّ في مصر، مع بُعده عن تحقيق عدالةٍ كاملةٍ في فرص الوصول، كان يتيح نسبياً فرصاً أكبر للنساء وللطلاب الريفيين وللشرائح الوسطى مقارنةً بالشرائح الأعلى ثراءً. يعود ذلك إلى أن فرص الوصول إلى الجامعة العامة كانت تحكمها بالأساس معايير الجدارة الأكاديمية، أي الدرجات المحققة في الثانوية العامة. بينما كان عدم المساواة ينشأ بشكلٍ غير مباشرٍ عن قدرة الطبقتين الوسطى والعليا على الاستثمار أكثر في الدروس الخصوصية وتحسين نتائج أبنائهم.
في المقابل، تضيف الدراسة نفسُها أن التوسع في الخصخصة وتخفيض الإنفاق العامّ على التعليم الجامعي، والاعتماد المتزايد على الجامعات الخاصة، يؤدي إلى نمطٍ جديدٍ من عدم المساواة قائمٍ مباشرةً على القدرة على دفع الرسوم. في ظلّ هذا النموذج تصبح فرص الوصول إلى الجامعات الخاصة متحيزة لصالح الذكور وسكان المدن والطبقات النخبوية والثرية. وتخلص الدراسة إلى أن توسيع نطاق التعليم العالي العامّ وتحسين جودته هو المسار الأقدر على زيادة الشمولية، في حين يؤدي تعميق مسار الخصخصة إلى تفاقم عدم المساواة في الوصول، مع تحيزاتٍ مرتبطةٍ بالثروة والجغرافيا.
قد يكون لهذا التوجه ما يسوّغه في ظلّ أزمة تمويل التعليم العالي في مصر، وعدم قدرة الدولة على تحمّل تكلفة مجّانيته مثلما كان الحال في ستينيات القرن الماضي. غير أن التوسع بمشاريع الجامعات الأهلية قد لا يصل غايته من تحسين جودة التعليم بلا إصلاحاتٍ هيكليةٍ مرتبطةٍ بالشفافية والحريات الأكاديمية ودعم الطلبة غير القادرين لضمان عدالةٍ أكبر في الوصول إلى التعليم العالي. وبهذا لا تعيد هذه الجامعات إنتاج تجربة البرامج الخاصة في الجامعات الحكومية خلال العقود الماضية بما فيها من قصورٍ وإشكاليات.

