اعتُقل خليل في مارس 2025، وسرعان ما تصدر خبر اعتقاله نشرات الأخبار. اكتسب الخبر أهميته من أسباب مختلفة، منها إلقاء عناصر وكالة الهجرة والجمارك الأمريكية، المعروفة اختصاراً باسم "آيس"، القبض عليه من داخل السكن الجامعي التابع لجامعة كولومبيا في مدينة نيويورك، في تصعيد غير مسبوق ضد النشاط الطلابي في الجامعة. ومنها شهرة خليل التي اكتسبها من مشاركته الفاعلة في التظاهرات الطلابية المناهضة الحربَ الإسرائيلية على غزة منذ أكتوبر 2023، سواء في حرم الجامعة أو في الفضاء الرقمي. ومنها حمله بطاقة إقامة دائمة في الولايات المتحدة وزواجه بأمريكية، وهي أسباب بدت إلى ذلك الحين كفيلة بتجنيبه الملاحقة والاعتقال تمهيداً للترحيل. ومنها تعليق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على الاعتقال، ووصفه خليلاً عبر حسابه على منصة "تروث سوشيال" بأنه "طالب أجنبي مناصر لحركة حماس"، وإعلانه أن هذا الاعتقال لن يكون الأخير، وإعلان وزير خارجيته ماركو روبيو عبر حسابه على منصة "إكس" أن السلطات الأمريكية تعتزم إلغاء التأشيرات وبطاقات الإقامة الدائمة التي يحملها داعمو حركة حماس تمهيداً لترحيلهم.
لم تكن حادثة اعتقال خليل استثناء، بل تعبيراً عن فصل جديد في ملاحقة اللاجئين والمهاجرين وتهديد المعارضين السياسيين بدعوى حماية الأمن القومي. بنت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب هذا التصعيد على تراكم قانوني ومؤسسي ممتد، واستفادت من تطورات تقنية وسياسية لإعادة توجيهه لخدمة توجهها في ملفات الهجرة واللجوء والمعارضة السياسية. وهي تعمل ذلك على نحو يغيَّر البنية القانونية والسياسية للبلاد، ويثير الرعب بين صفوف المقيمين من غير المواطنين.
ومع الفصل الظاهري بين طرق جمع المعلومات وقواعدها خارج الولايات المتحدة وداخلها، خلقت التقنية مساحات رمادية. إذ يمكن لبيانات جُمعت خارجياً أن تجد طريقها إلى قواعد البيانات الداخلية عبر ما يسمى التفتيش من الباب الخلفي، وهو مصطلح تستخدمه منظمات حقوقية لوصف الثغرة التي تسمح للوكالات المحلية بالوصول إلى بيانات المواطنين والمقيمين من دون إذن قضائي مسبق. تجمع الجهات الاستخباراتية البيانات من خارج الولايات المتحدة، ثم تتيحها لاحقاً لوكالات إنفاذ القانون والهجرة في الداخل، التي تطلع عليها عبر قواعد بيانات مشتركة، دون أن تكون هي من جمعتها مباشرة.
يفرّق القانون الأمريكي بين المراقبة والتجسس من ثلاثة معايير. أولاً الغرض، فالمراقبة ترتبط بإنفاذ القانون، وهدفها جمع أدلة لإثبات ارتكاب جريمة جنائية مثل السرقة أو القتل أو الاتجار بالمخدرات. في هذه الحالة يُحمى الشخص المراقَب دستورياً، فلا تجوز مراقبته إلا بعد الحصول على إذن قضائي من قاضٍ مدني بناءً على أسباب جديّة للاشتباه. أما التجسس، فيجاز في إطار حماية الأمن القومي ولا يهدف بالضرورة لتقديم شخص للمحاكمة، بل يُستخدم لجمع المعلومات عن تهديدات خارجية، أو فهم نوايا دول أو جماعات أجنبية. ولا يخضع للقوانين الجنائية نفسها، بل لقواعد استثنائية خاصة بالاستخبارات.
المعيار الثاني طبيعة المحكمة. ففي المراقبة الداخلية تخضع الإجراءات للقضاء العادي. أما في التجسس فتكون المحاكمات سرية لتعلقها بمعلومات استخباراتية. تُنظر القضايا أمام محكمة خاصة في جلسات مغلقة وبحضور الحكومة فقط. مع رقابة قضائية لا تتيح للمستهدفين الدفاع أو الطعن المباشر، وفقاً لقانون مراقبة الاستخبارات الأجنبية.
أما المعيار الثالث فالاستثناء الدستوري. إذ ينصّ التعديل الرابع للدستور الأمريكي على حماية الأفراد من التفتيش أو المراقبة غير المبررة، مع استثناء الاستخبارات الخارجية. يسمح هذا للحكومة بتخفيف الشروط القانونية الصارمة عندما يكون الهدف حماية البلاد من تهديدات أجنبية. ويُبرز هذا التمييز الفارق بين مراقبة شخص داخل الدولة لأنه مشتبهٌ به في جريمة، وبين التجسس عليه لأنه جزءٌ من ملف أمني أوسع.
تتشابه أدوار مؤسسات التجسس الخارجي، وإن اختلفت في الوسائل وبعض التخصصات. تبرز وكالة الأمن القومي الجهةَ المسؤولة عن جمع معلومات الاتصالات والإشارات العابرة الحدودَ، وتحليلها لفهم التهديدات التي قد تواجه الدولة وحلفاءها. ويشمل دورها تأمين شبكات الاتصالات والبيانات، خاصة التي يستخدمها الجيش، لضمان عدم اختراقها من أطراف معادية. وتدعم الوكالة العملياتِ العسكريةَ بتزويد القوات بالمعلومات اللازمة لحماية الجنود واتخاذ القرارات في مناطق النزاع. وليست للوكالة صلاحية الاعتقال أو إنفاذ القانون داخل الأراضي الأمريكية، إذ يتركز دورها على الجانب التقني والاستخباراتي.
في المقابل تمثّل وكالة الاستخبارات المركزية الذراع التحليلية والعملياتية للتجسس الخارجي. وتتمثّل مهمتها في جمع المعلومات من خارج البلاد وتحليلها سياسياً وأمنياً، وتقديم تقديرات لصنّاع القرار عن التهديدات والتطورات الدولية. ولا تعمل الوكالة جهةَ إنفاذ قانون داخل البلاد، إذ لا تمتلك صلاحيات الاعتقال أو التحقيق الجنائي. بل تركّز على العمل السري خارج الحدود، بما يشمل تنفيذ عمليات خاصة بتكليف مباشر من رئيس الدولة قد تهدف إلى التأثير في مسارات سياسية أو عسكرية، إلى جانب حماية أسرار الدولة من محاولات الاختراق الاستخباراتي الأجنبي.
داخلياً يعدّ مكتب التحقيقات الفيدرالي الجهة المسؤولة عن إنفاذ القانون وحماية الأمن داخل الولايات المتحدة، بالتحقيق في الجرائم الفيدرالية الكبرى وجمع المعلومات عن التهديدات التي قد تستهدف البلاد من الداخل. ويركّز المكتب على منع الهجمات قبل وقوعها، عبر متابعة الأنشطة الإرهابية والتجسسية الداخلية، مع خضوع عمله في قضايا المراقبة لقواعد دستورية، تفرض الحصول على إذن قضائي مسبق عند التحقيق في الجرائم الجنائية.
ومع توسّع مفهوم الأمن الداخلي عقب هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001، لم يعد الاعتماد الأمني مقتصراً على جهاز واحد أو يدار عبر أجهزة متفرقة. بل جمع ضمن إطار مؤسسي واحد تمثّل في وزارة الأمن الداخلي التي تنسّق بين عدد واسع من الجهات الأمنية والتنفيذية. وتضطلع الوزارة بمهام تأمين الحدود ومنع التهديدات الإرهابية وتنظيم شؤون الهجرة وحماية البنية التحتية الحيوية، عبر شبكة واسعة من الأجهزة والهيئات التابعة لها. وبهذا المعنى أصبحت الوزارة الحاضنةَ الأساس لأنشطة المراقبة الأمنية داخل الولايات المتحدة، وتندرج ضمنها وكالة الهجرة والجمارك، آيس، المسؤولة عن إنفاذ القوانين الفيدرالية المتعلقة بالحدود والجمارك والهجرة.
ومع تصنيف آيس جهةَ إنفاذ قانون، فإنّ امتلاكها قدرات تقنية واسعة في مجال المراقبة حوّلها إلى أحد أكثر الفاعلين حضوراً في جمع البيانات داخل الأراضي الأمريكية، لاسيما في المرحلة الراهنة. إذ لم يعد عملها يقتصر على الحدود. وتعتمد الوكالة في عملها على مستويين رئيسين، الأول تحقيقات جنائية تتتبّع الشبكات العابرة الحدود، وتشمل قضايا مثل تهريب المخدرات والجرائم الرقمية. والثاني، وهو الأوسع تأثيراً، عمليات الترحيل التي تستند إلى تتبّع الأفراد وملاحقتهم داخل الولايات المتحدة بالاستناد إلى بيانات رقمية وشبكات معلومات متشابكة لإنفاذ قوانين الهجرة. وفي هذه المساحة المتداخلة بين الأمن الداخلي والرقابة، تبرز تساؤلات جوهرية عن طبيعة مهام آيس وحدود صلاحياتها. هل تقتصر على تطبيق القانون، أم أنها أصبحت إحدى أدوات ترهيب المهاجرين ضمن منظومة أمنية متوسعة تتجاوز الهدف الأصلي لإنشائها.
ومع هذا التشريع المبكر للجمارك، لم تتأسس آيس إلا في القرن الحادي والعشرين. شكلت هجمات الحادي عشر من سبتمبر سنة 2001 لحظة مهمة في طريق إعادة هيكلة منظومة الأمن وإنفاذ القانون في الولايات المتحدة. وفي أعقابها أقرّ الكونغرس قانون الأمن الداخلي، الذي أفضى سنة 2002 إلى دمج اثنتين وعشرين وكالة وبرنامجاً حكومياً في وزارة الأمن الداخلي، ومن أبرزها دائرة الهجرة والتجنيس والجمارك. ومن ضمن هذا الهيكل أُنشئ مكتب إنفاذ الهجرة والجمارك بصلاحيات مدنية وجنائية شملت في السنوات التالية إطلاق برامج لملاحقة غير المواطنين المطلوبين أمنياً، واتساع عمليات الاحتجاز والترحيل لتشمل ملفات تتجاوز الهجرة التقليدية، مثل الجرائم المالية والاتجار بالبشر وجرائم الإنترنت وانتهاكات حقوق الملكية الفكرية. وفي 2007 اعتمد الاسم الحالي، وكالة الهجرة والجمارك الأمريكية، آيس.
بحلول 2022 تحولت آيس إلى جهاز ضخم متعدد الأذرع داخل وزارة الأمن الداخلي، يتعامل مع الملايين من قضايا الهجرة. وفي العام نفسه أعلنت الوكالة اعتقال عشرات الآلاف من غير المواطنين ذوي سوابق جنائية، إلى جانب مصادرات واسعة للأموال والأصول. توسّع دور الوكالة في ملفات دولية شملت تسليم مطلوبين وملاحقة شبكات إجرامية عابرة الحدودَ. غير أنّ هذا التوسّع لم يقتصر على الجانب التنفيذي والأمني التقليدي، بل جاء بالتوازي مع انتقال الوكالة نحو أدوار رقابية أوسع تعتمد بتزايد على التقنية والبيانات.
ومع تصاعد استخدام التقنية أصبحت الوكالة تعتمد على نظام رقابي داخلي، يركّز على جمع البيانات وتحليلها أساساً لعمليات الترحيل. ووفقاً لتقرير نشره موقع "وايرد" في أكتوبر 2025، توسّعت الوكالة في مراقبة وسائل التواصل الاجتماعي عبر برنامج متعدد السنوات — قابل للتجديد — يشمل توظيف نحو ثلاثين محلّلاً من القطاع الخاص. يعمل هؤلاء الموظفون من مكاتب داخل منشآت الوكالة، ويراقبون حسابات المهاجرين على مواقع التواصل الاجتماعي ويحولون بياناتها إلى قواعد معلومات استخباراتية، تُستخدم في التخطيط للمداهمات والاعتقالات. ويشير التقرير إلى أنّ البرنامج يعمل على مدار الساعة، مع فرض جداول زمنية صارمة تسمح بالرصد والتحرير السريع لمواقع المستهدفين في القضايا العاجلة لاعتقالهم في مدد لا تتجاوز ثلاثين دقيقة في بعض الأحيان. كذلك تعتمد الوكالة على قواعد بيانات تجارية ضخمة تجمع معلومات عن سجلات الملكية والمرافق والمركبات والاتصالات، وتربطها ببيانات وسائل التواصل الاجتماعي للأفراد. ولا يقتصر العمل على البحث اليدوي، بل يمتد إلى توظيف خوارزميات الذكاء الاصطناعي في عملية الرصد والتحليل.
يُقدَّم هذا التوسّع تحوّلاً في طبيعة السلطة نفسها. فوفق تقرير لمركز "سنتر أون برايفسي آند تكنولوجي" (مركز الخصوصية والتقنية)، التابع لجامعة جورج تاون في واشنطن، نشر سنة 2025، بعنوان "أميريكان دراغنت [. . .]" (الشبكة الأمريكية: الترحيل القائم على البيانات [. . .])، لا يندرج ما تفعله الوكالة ولا سيما خلال إدارة ترامب الحالية، ضمن إنفاذ قوانين الهجرة. بل هو استخدام لسلطات الهجرة أداةً لأنشطة ذات طابع عسكري. وبحسب التقرير، تُوظَّف هذه السلطات في إطار منظومة أمنية موسّعة تجمع بين وكالة الهجرة والجمارك وأجهزة الشرطة المحلية. ويشير التقرير إلى أن استدعاء سلطات الهجرة لم يعد مرتبطاً بمتطلبات تطبيق القانون، بقدر ما أصبح وسيلة لتنفيذ أنشطة على نطاق واسع وبدرجة عالية من العنف، من دون المرور بالقيود التقليدية للشفافية والرقابة. ويوضح التقرير أن الوكالة منذ تأسيسها في 2003 لم تكتفِ ببناء قدراتها الخاصة على المراقبة لتنفيذ الترحيل فحسب، بل جمعت أكبر قدر ممكن من المعلومات عن حياة الأفراد، مواطنين وغير مواطنين. وتحقق ذلك عبر وسائل متعددة، من بينها الوصول إلى السجّلات الرقمية لحكومات الولايات والبلديات وشراء قواعد بيانات من شركات خاصة. وبحسب التقرير نفسه، أنفقت الوكالة نحو مليارين و800 مليون دولار بين سنتي 2008 و2021 على برامج المراقبة وجمع البيانات وتبادلها.
ويرصد التقرير مسح آيس صور رخص القيادة لما يقارب ثلث البالغين في الولايات المتحدة باستخدام تقنيات التعرّف على الوجوه، وتحويل هوياتهم المدنية إلى سجّلات ذات طابع أمني. ويشير إلى قدرة آيس على تتبّع تحرّكات ثلاثة من كل أربعة أشخاص في المدن الكبرى عبر أنظمة قراءة لوحات السيارات، إضافة إلى قدرتها على تحديد مواقع 75 في المئة من السكان عبر سجّلات شركات المرافق الأساسية، مثل المياه والكهرباء.
وفي سياق سعيها إلى الاعتقال والترحيل نفذت الوكالة، وفقاً للتقرير، عمليات وصول واسعة إلى بيانات تضم معلومات شخصية عن الغالبية العظمى من المقيمين في الولايات المتحدة، من دون أي رقابة قضائية أو تشريعية. ولا يقتصر هذا التحوّل على ملاحقة المهاجرين، بل يمتدّ ليشمل فئات أوسع داخل الولايات المتحدة. وفق تقرير لمركز "بريان" التابع لكلية القانون بجامعة نيويورك، نشر في نوفمبر 2025، بعنوان "آيس ونتس تو غو آفتر ديسنترز [. . .]" (وكالة الهجرة والجمارك تسعى أيضاً وراء المعارضين [. . .])، أظهرت سجلات التعاقدات الفيدرالية دخول الوكالة مرحلة توسّع غير مسبوقة في استخدام تقنيات المراقبة. لا يقتصر استخدام هذه الأدوات على ملاحقة المهاجرين بغرض الترحيل. بل يمتدّ، للمرة الأولى علناً، إلى استهداف معارضي سياسات الوكالة داخل الولايات المتحدة، بما في ذلك المتظاهرين والنشطاء والجهات الداعمة الاحتجاجاتِ المناهضة لها. وتشير السجلات إلى أنّ الإدارة الحالية برئاسة ترامب أعادت تعريف هذه الأنشطة ضمن إطار ما يُسمى "الإرهاب المحلي"، مستندةً إلى توسيع فضفاض لمفهوم التهديد. ما يفتح الباب أمام استخدام أدوات المراقبة نفسها المصمّمة لأغراض أمنية في مواجهة التعبير السياسي والمعارضة السلمية.
وتُظهر سجلات فيدرالية نقلتها صحيفة "بوليتيكو" في ديسمبر 2025 تخصيص آيس أكثر من 300 مليون دولار في ظل إدارة ترامب لمراقبة وسائل التواصل الاجتماعي وتقنيات التعرّف على الوجوه وقارئات لوحات السيارات وخدمات تتبع المواقع. ووفقاً للسجلات نفسها، منحت وزارة الأمن الداخلي عقداً بقيمة 139 مليون دولار لشركة "بالانتير تكنولوجيز" لتطوير وتشغيل نظام "إدارة القضايا التحقيقية"، وهو منصة مركزية للمراقبة تُستخدم في تتبّع قضايا الهجرة. بدأ العقد في سبتمبر 2022 في فترة الرئيس السابق جو بايدن ويستمر على الأقل حتى أبريل 2026، ويشمل التشغيل والصيانة وتطوير برمجيات مخصّصة، مع إمكانية ارتفاع قيمته إلى نحو 159 مليون دولار.
إضافة لذلك منحت الوزارة شركة "كليرفيو أي آي" عقداً بقيمة 3 ملايين و750 ألف دولار بدءاً من سبتمبر 2025 لتوفير برمجيات التعرّف على الوجوه، لدعم تحقيقات الأمن الداخلي. وتكشف البيانات الرسمية صورة مغايرة للرواية السائدة التي تروّج بأنّ تشديد إنفاذ قوانين الهجرة يستهدف في الأساس المهاجرين ذوي السجلات الجنائية. إذ أظهرت بيانات فيدرالية سنة 2025، أنّ معظم المهاجرين الذين شملتهم الحملات الأمنية في العاصمة واشنطن لم يكونوا من ذوي السجلات الجنائية. وتشير الأرقام إلى أنّ نحو ثلاثين بالمئة فقط من المحتجزين في المدينة كانت لديهم إدانات سابقة، مقابل ارتفاع كبير في وتيرة توقيف غير المتهمين جنائياً.
في المقابل لم تعد الضمانات التي طالما اعتُبرت حواجز قانونية أمام الترحيل كافية بذاتها لحماية الأشخاص من الإخراج القسري من البلاد. تاريخياً كانت تصاريح الإقامة الدائمة أو ولادة الأطفال لأسر مهاجرة داخل الولايات المتحدة من أسباب الحماية التي حالت دون الترحيل. لكن الإدارة الأمريكية أثارت جدلاً واسعاً في أبريل 2025، حين قررت إخراج ثلاثة أطفال يحملون الجنسية الأمريكية من الولايات المتحدة برفقة أمهاتهم من ولاية نيو أورلينز إلى هندوراس. وبينما رفض منسّق شؤون الحدود في الإدارة توصيف الحادث بالترحيل، مؤكداً أن سفر الأطفال الأمريكيين جاء بناء على رغبة أمهاتهم اللاتي صدر بحقهن قرارات الترحيل، يحاجج محامون وخبراء قانونيون أن الحكومة الأمريكية سهّلت إخراجهم، ما يجعل الواقعة ترحيلاً.
فاقمت هذه الحادثة المخاوف من انتهاك حقوق غير المواطنين والمواطنين، لاسيما في ظلّ منع العائلات من التواصل مع محاميها وتسريع نقلهم إلى خارج البلاد. وعبّر قاض فيدرالي تحدث لصحيفة "واشنطن بوست" في أبريل 2025 عن قلقه إزاء هذه الحادثة، مؤكداً أنّ ترحيل المواطنين الأمريكيين غير قانوني وغير دستوري. وفي نوفمبر 2025 أعلن مدير إدارة خدمات المواطنة والهجرة الأمريكية جو إدلو، عبر حسابه على منصة "إكس"، أنّ ترامب كلّف بإعادة النظر وفحص جميع بطاقات الإقامة الخضراء الممنوحة لأشخاص من تسع عشرة دولة، وصفها بأنها دول "مثيرة للقلق". وتمنح تلك البطاقات حامليها إقامة دائمة داخل الولايات المتحدة وحق العمل وإمكانية التقدّم للحصول على الجنسية الأمريكية بعد خمس سنوات من الإقامة.
ومع تآكل الضمانات القانونية، تشكًّل مسارٌ موازٍ على مستوى الخطاب العام. فلم يقتصر التغيير على كيفية تنفيذ الترحيل، بل امتد إلى الطريقة التي يُقدَّم بها للجمهور فعلاً مشروعاً وليس استثناءً قانونياً يثير القلق. ففي مقطع لم يتجاوز ست عشرة ثانية نشره البيت الأبيض نهاية سنة 2025، وثق عملية ترحيل مهاجرين. يبدأ المقطع بلقطات تركّز على سلاسل حديدية مع صوت ارتطام المعدن بالأرض وإغلاق الأصفاد، قبل أن يظهر مهاجرون في صف منتظم يسيرون نحو الطائرة. وفي السياق نفسه، نشرت وكالة الهجرة والجمارك مقطع فيديو مولّداً بالذكاء الاصطناعي، يظهر فيه "بابا نويل"، الشخصية المرتبطة باحتفالات أعياد الميلاد، وهو يقبض على مهاجرين. وجاء ذلك بعد إعلان وزيرة الأمن الداخلي كريستي نويم عن مكافأة بقيمة ثلاثة آلاف دولار لكل مقيم بشكل غير شرعي يغادر الولايات المتحدة قبل نهاية 2025. لفهم هذه الأعمال الأخيرة، لا بد من النظر إلى الجذور التاريخية لهذا النهج الذي بدأ يتشكل بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001، حين أعيد تعريف الأمن الوطني على حساب الضمانات الدستورية، وأصبحت المراقبة أداة حكم مقبولة.
وسع القانون صلاحياتِ التجسّس الحكومي في أربعة مجالات رئيسة. أولها تفتيش السجلات، إذ منح الحكومة صلاحية الاطلاع على سجلات الأفراد المحفوظة لدى أطراف ثالثة مثل شركات الاتصالات والبنوك وشركات التقنية. وثانيها التفتيش السري الذي وسّع قدرة الحكومة على تفتيش الممتلكات الخاصة من دون إخطار أصحابها. ثالثها التفتيش الاستخباراتي عبر توسيع الاستثناء الوارد في التعديل الرابع للدستور المخصص لجمع معلومات استخباراتية أجنبية. ورابعها التتبع والتسجيل، وهو توسّع في استثناء آخر من التعديل الرابع يسمح بجمع معلومات عن مصدر الاتصالات ووجهتها من دون الاطلاع على محتواها.
وعلى اتساع هذه الصلاحيات، ظلت الرقابة عليها محدودة. ففي يونيو 2002، طالبت اللجنة القضائية في مجلس النواب وزارة العدل بتوضيح كيفية استخدام هذه الصلاحيات. غير أنّ الوزارة امتنعت عن تقديم إجابات تاركةً أسئلة جوهرية بلا إجابات. وفي العام نفسه أُنشئت وزارة الأمن الداخلي التي بدأت عملها في مارس 2003.
وبعد إقرار "باتريوت" وتأسيس وزارة الأمن الداخلي، أدخل الكونغرس في 2008 تعديلاً على قانون الاستخبارات الأجنبية الصادر سنة 1978، بهدف وضع إطار قانوني لعمليات التجسس داخل الولايات المتحدة. وشمل التعديل المادة 702، التي منحت الحكومة صلاحيات واسعة لمراقبة جماعية تشمل مكالمات المواطنين وغير المواطنين ورسائلهم النصية وبريدهم الإلكتروني وغيرها من أشكال الاتصال الإلكتروني، من دون الحاجة لأوامر قضائية مسبقة. وأتاح التعديل استخدام المعلومات المجموعة قضائياً، حتى في قضايا لا تتصل مباشرة بالأمن القومي. وكان من المفترض انتهاء صلاحية المادة 702 في 31 ديسمبر 2023، إلا أن الكونغرس جدّدها في أبريل 2024 لسنتين إضافيتين بعد نقاشات بين المدافعين عن الخصوصية وأجهزة الاستخبارات.
مورست هذه الصلاحيات داخل المنظومة الأمنية سنوات، قبل أن يعرف بها الجمهور بسبب التسريبات. في سنة 2013، كشفت تسريبات إدوارد سنودن استخدام التعديلات القانونية لتجاوز الدستور وتوسيع صلاحيات المراقبة. حصل سنودن، الذي سبق أن عمل في وكالة الاستخبارات المركزية قبل أن يصبح متعاقداً تقنياً مع وكالة الأمن القومي، على التراخيص الأمنية التي تمكِّنه من الاطلاع على وثائق سرية للغاية. ومما اطلع عليه رأى سنودن أنّ الممارسات الأمنية لم تعد تندرج في إطار مكافحة الإرهاب فحسب، بل تحوّلت إلى نظام مراقبة واسع النطاق يجمع بيانات ملايين الأشخاص من دون علمهم أو موافقتهم، بما يشكّل خرقاً للدستور.
سافر سنودن إلى هونغ كونغ حيث التقى بصحفيين من صحيفتي "واشنطن بوست"، و"الغارديان"، لبدء نشر تلك التسريبات. كشفت الوثائق المسرّبة عن برنامج فائق السرية تابع لوكالة الأمن القومي، تحت اسم "إكس كي سكور"، يتيح للمحللين البحث داخل قواعد بيانات هائلة من دون الحصول على إذن قضائي مسبق. وتضم هذه القواعد محتوى الاتصالات الرقمية لملايين الأفراد، بما يشمل رسائل البريد الإلكتروني، والمحادثات عبر الإنترنت وسجلات التصفح إضافة إلى البيانات الوصفية المرتبطة بها.
ووفقاً للتسريبات أتاح البرنامج للمحللين تتبّع الأفراد عبر طيف واسع من المؤشرات، بما في ذلك الاسم ورقم الهاتف وعنوان الإنترنت والكلمات المفتاحية واللغة المستخدمة ونوع المتصفح، حتى في الحالات التي لا يكون فيها الشخص مرتبطاً بحساب بريد إلكتروني معروف. وسمح بالاطلاع على محتوى الرسائل نفسها وليس فقط بياناتها الوصفية، بما في ذلك خانات المرسل والمتلقي، فضلاً عن مراقبة المحادثات الخاصة على منصات التواصل الاجتماعي. وكشفت الوثائق أيضاً الحجم الهائل للبيانات التي تجمعها الوكالة، إذ خزّنت مئات المليارات من سجلات المكالمات والاتصالات الرقمية، مع إضافة مليارات السجلات يومياً.
في المقابل دافعت وكالة الأمن القومي عن هذه البرامج، مؤكدة أنها موجّهة حصراً لأهداف استخباراتية أجنبية وأن استخدامها يخضع لضوابط تقنية وإشرافية متعددة وأن كل عملية بحث قابلة للتدقيق. غير أنّ الوثائق تكشف استمرار توظيف التقنية في المراقبة الشاملة سنوات قبل فرض القيود القانونية، وهو ما أنتج واقعاً بنت فيه الوكالة قاعدة بيانات هائلة من الاتصالات والبيانات الشخصية للأشخاص، مُجمعة داخل أنظمة قابلة للبحث والتحليل.
وفّرت الصلاحيات وقواعد جمع البيانات أساساً تقنياً جاهزاً لإعادة الاستخدام خارج الإطار الاستخباراتي التقليدي. وفي هذا السياق يمكن فهم صعود دور وكالة الهجرة والجمارك في إعادة توظيف منظومة قائمة، لا إنشاء مسار جديد، مستندةً إلى البنية التي أُسّست بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر.
وبينما يُوصَف هذا النهج بأنه تقويض شامل لمبدأ الخصوصية، يروي المهاجرون وجهاً آخراً لهذه التجربة يُعاش في تفاصيل الحياة اليومية ويُوثَّق اليوم صوتاً وصورة عبر وسائل التواصل الاجتماعي. أحد هؤلاء الكاتب المصري عبد الرحمن الجندي. يقول للفراتس إنه وصل إلى الولايات المتحدة بعد خروجه من تجربة سجن سياسي طويلة في مصر، امتدت ست سنوات وثلاثة أشهر، تركت أثراً عميقاً على حياته وعلاقته بالعالم وكذلك على قدرته على الكتابة. ويصف الجندي خروجه من مصر بأنه كان ضرورةً بحثاً عن إمكانية الاستمرار. استقر الجندي في الولايات المتحدة، حيث حصل على منحة للدراسة في برنامج الماجستير في الكتابة الإبداعية بجامعة بيتسبرغ في ولاية بنسلفانيا. لم يكن اختياره الولايات المتحدة لأنها نموذجٌ أخلاقيٌ متفوّقٌ، ولا لأنه كان يحمل "أوهاماً عن ديمقراطية مثالية". بل لأنها وفّرت مساحة أوسع للاختلاف والكتابة والنقاش والانخراط في مجتمع أدبي، من دون أن تكون كل كلمة محسوبة أمنياً. بعد انتهاء برنامج الماجستير، عمل الجندي مكثّفاً على مذكّرات السجن إلى أن اكتملت ووقّع عقد نشر مع إحدى دور النشر في الولايات المتحدة، ونشر مقالات رأي في صحف عدة.
تغير كل ذلك مع بدء الحرب الإسرائيلية على غزة في أكتوبر 2023 في عامه الثاني في الولايات المتحدة. تألم الجندي بسبب التمويل والدعم الأمريكي للحرب، فأعاد هذا الحدث تشكيل نظرته إلى العالم والكتابة، ومعنى وجوده في بلد يشكّل المصدر الأساس للدعم السياسي والعسكري والمادي لما يجري. ومع مرور الوقت، لاحظ تصاعد الاستهداف المبكر للناشطين في القضية الفلسطينية. ومع تولي ترامب الرئاسة أصبحت المشاهد أكثر ألفة بالنسبة له: "اعتقالات لطلاب ونشطاء، وخطف من الشوارع، وسيارات بلا لوحات، ومراقبة، واستهداف سياسي مباشر للمهاجرين". وهي مشاهد أعادته إلى التجربة التي عاشها سابقاً في مصر.
مع تصاعد الهجمة الأمنية على المهاجرين، خاصةً المشاركين في تظاهرات دعم غزة، شعر الجندي بتهديد مباشر له. يقول: "رأيت ما حدث مع محمود خليل وآخرين، وظهر اسمي على مواقع تستهدف النشطاء المشاركين بالتظاهرات، فوجدت نفسي أجلس في المنزل، أطلب الطعام بحسابات مزيفة، لا أفتح الباب بعد منتصف الليل. ألغيت جميع الفعاليات التي كان من المقرر أن أشارك فيها، سواء متحدّثاً أو محاضراً. فكرت في الكتابة باسم مستعار للاستمرار في العمل من دون الوقوع في دائرة الاستهداف. لكن الحياة نفسها تحوّلت إلى عبء غير محتمل". وجد الجندي أنّ ما فرّ منه في مصر بدأ يتكرر في الولايات المتحدة، مع إضافة خطر الترحيل الذي يعني عودته لمصر والتعرّض لخطر الاعتقال مجدداً.
قرر الجندي مغادرة الولايات المتحدة بعد قضاء نحو عامين فيها. واليوم يعيش في لندن، حيث يدرس للحصول على درجة الماجستير في حقوق الإنسان والسياسة. وعلى قصر المدة التي قضاها في أمريكا، إلا أنه اختبر التغيّرات التي شهدتها البلاد قبل فترة ترامب وبعدها. لا يرى الجندي ما يحدث اليوم من ممارسات تجاه المهاجرين تحوّلاً مفاجئاً، بل تكثيفاً لواقع كان موجوداً. فالسياسات العنيفة والعنصرية قائمة منذ زمن، لكنها كانت تُغلّف بلغة الديمقراطية والحقوق والإجراءات القانونية. واليوم سقط هذا الغطاء، وأصبحت تلك الممارسات أكثر صراحة، مثل اختطاف الأشخاص من الشارع واستخدام سيارات بلا لوحات ورفض متعمّد للتعريف بالهوية ونقل الأفراد من ولاية إلى أخرى.
الأخطر في نظره ليس عدد الاعتقالات، بل الإحساس الدائم بالتهديد: "أن تستيقظ كل يوم وأنت تشعر أنّ أي كلمة أو منشور أو مقال، قد يكون الأخير. فالسجن لا يحتاج أن يحدث فعلياً. يكفي أن يظلّ احتمالاً دائماً". هذا الإحساس، كما يقول، هو جوهر السلطوية الحقيقي لأنه يدفع الناس إلى مراقبة أنفسهم بأنفسهم، ويجبرهم على تقليص حياتهم بأيديهم.
في المقابل يرى وليد ناصر، المحامي المتخصص في قضايا الهجرة بالولايات المتحدة، أن هناك تحولاً كبيراً حدث في فترة رئاسة ترامب في ممارسات إدارة الهجرة والجمارك. ويضيف في حديثه مع الفراتس أن أولوية إنفاذ القانون في الفترات السابقة ركزت على ذوي السجلات الجنائية الخطيرة، أو من صدرت بحقهم أوامر ترحيل. واليوم تلاشى هذا التمييز، واعتُقل أشخاص لديهم طلبات لجوء قيد النظر وليست لهم سجلات جنائية ولم تصدر بحقهم أوامر ترحيل سابقة. يضيف ناصر أنّ كثيراً من هؤلاء دخلوا الولايات المتحدة قانونياً وينتظرون فقط البت في طلباتهم. ويوضح: "اليوم، يُعامل أصحاب طلبات اللجوء المعلقة أهدافاً لجهات إنفاذ القانون. أدى ذلك إلى ازدحام مراكز الاحتجاز، وتكدّس القضايا في محاكم الهجرة، وانتشار الخوف على نطاق واسع بين المهاجرين. كثير من موكلينا يخشون حتى الذهاب إلى العمل أو القيادة أو طلب الرعاية الطبية، أو حتى التواصل مع الشرطة إذا وقعوا ضحايا لجرائم".
يؤكد ناصر أن عدداً من موكليه قُبض عليهم فور خروجهم من منازلهم أو أمام أماكن عملهم، أو حتى بعد وقت قصير من حضور مواعيد مثل الكشف الطبي أو تجديد رخصة القيادة. وهو ما يفسره باستخدام الوكالة البياناتِ لتتبع المواقع، سواء عبر قواعد البيانات الحكومية أو تبادل المعلومات بين الوكالات أو وسطاء البيانات التجاريين. هذا النمط، بحسب ناصر، لا يبدو عشوائياً، بل موجهاً استناداً إلى معلومات دقيقة. ويتابع أنّ العمل عن قرب مع هذه الحالات كشف غياب الضمانات القانونية. فكثير من المعتقلين لا يُسمح لهم بالاتصال بمحامين، وأصبح الوصول إلى جلسات الكفالة صعباً للغاية. وفي بعض الولايات تدفع آيس نحو الاحتجاز حتى في الحالات التي لا ينص فيها القانون بوضوح على ذلك، وغالباً لا يستطيع المحتجزون الطعن لمعرفة كيف حصلت الوكالة على بياناتهم الشخصية، أو أسباب استهدافهم.
يعارض ناصر ما تروّجه الإدارة الأمريكية، بأن الممارسات الحالية تندرج في إطار مكافحة الجريمة أو حماية الأمن القومي، مشيراً إلى أن الواقع على الأرض يختلف تماماً. ويرى أنّ "قرارات إنفاذ القانون، تبدو مدفوعة أكثر بمنطق الأعداد والردع، لا بتقييم المخاطر الفردية. الرسالة التي تُرسل هي أنّ مجرد الوجود، بغض النظر عن السلوك، كافٍ لتبرير الاعتقال، هو ما يمثل تداخلاً بين تطبيق قوانين الهجرة، والعمل الشرطي الجنائي، وهو ما يقوّض في النهاية الثقة في نظام الهجرة بأكمله".
في السياق ذاته يشير براد جونز، أستاذ العلوم السياسية وعضو مركز الهجرة العالمية في جامعة كاليفورنيا، إلى أنّ ما يميّز الوضع الحالي هو الحجم الضخم للميزانية المخصصة لوزارة الأمن الداخلي، والتي أقرها القانون الكبير في يوليو 2025. استخدمت آيس هذا التمويل لتجنيد عدد قياسي من الأشخاص، يفوق أي وقت مضى. وفي الوقت نفسه تلقى كثير من هؤلاء تدريباً غير كافٍ، أو لم يتلقوا تدريباً عن كيفية تطبيق قوانين الهجرة. وهو ما ساهم في الممارسات التي نشهدها اليوم.
ويضيف جونز أن هذه السياسات قد تؤثر سلباً على الاقتصاد الأمريكي، فهي لا تصعّب استقطاب المواهب والكفاءات من الخارج فحسب، بل تخلق أيضاً حوافز لدول أخرى لاستقطاب الكفاءات من العاملين غير المواطنين في الولايات المتحدة. وهو ما يهدد على المدى الطويل مكانة البلاد وسمعتها عالمياً.
في هذا السياق تتحوّل تفاصيل الحياة اليومية للمهاجرين، مثل طلب تجديد رخصة قيادة ومعاملات مدنية أخرى، إلى بيانات قابلة للفرز والتتبع والربط بسهولة. وفي المحصلة لا يتوقف أثر هذه السياسات عند حدود الاحتجاز، بل يمتد إلى حياة يومية تُعاش تحت وطأة الترقّب الدائم.

