هدّد ترامب بتفعيل قانون التمرد. وكتب على حسابه بمنصة "تروث سوشيال" إنه إذا لم يلتزم السياسيون في مينيسوتا بالقانون والعمل على وقف المحرضين والمتمردين الذين يمنعون ضباط إدارة الهجرة والجمارك من ممارسة عملهم، فإنه سيفعّل قانون التمرد. وهو تشريعٌ يسمح بنشر الجيش داخل الولايات لإنفاذ القانون في حالات الطوارئ، ويمكِّن الرئيس من تجاوز حكام الولايات.
مشاهد المداهمات في مينيسوتا وما صاحبها من تصعيدٍ خطابيٍ من ترامب، إلى جانب ما سبقها من إرسال الحرس الوطني والقوات الفيدرالية إلى عدة مدنٍ أمريكيةٍ، تكشف عن صراعٍ متّقدٍ بين السلطة التنفيذية الفيدرالية من جهةٍ وحكام الولايات والمنظومة القضائية من جهةٍ أخرى. وتحوِّل المشهد إلى اختبارٍ مباشرٍ لقدرة النظام الفيدرالي وسلطات الولايات المحلية على تحمل الضغط الذي تمارسه إدارة ترامب.
لم يكن استعمال ترامب الحرسَ الوطنيَّ في ولايته الثانية جديداً. فإبان ولايته الأولى، نشرت عدة ولاياتٍ قواتِ الحرس الوطني خلال الاحتجاجات المناهضة للعنصرية، التي اندلعت بعد مقتل المواطن الأمريكي جورج فلويد على يد قوات الشرطة في مايو سنة 2020 في مدينة مينيابوليس بولاية مينيسوتا. وفي يناير سنة 2021 انتشرت قوات الحرس الوطني في العاصمة واشنطن عقب اقتحام أنصار ترامب مبنى الكونغرس أثناء انعقاد جلسة المصادقة على نتائج الانتخابات الرئاسية حينئذ.
على أن توسع استعمال الحرس الوطني في ولاية ترامب الثانية ارتبط بسياساته التي ظلّت محل الخلاف بين الحزبين الرئيسين في الولايات المتحدة. أمرَ ترامب في يونيو 2025 بنشر نحو أربعة آلاف عنصرٍ من الحرس الوطني لاحتواء الاحتجاجات التي اندلعت في مواجهة وكالة الهجرة والجمارك في مدينة لوس أنجلوس بولاية كاليفورنيا. طعنت سلطات الولاية في القرار معتبرةً أنه ينتهك التعديل العاشر على الدستور، الذي يحصر سلطات الحكومة الفيدرالية في ما نُصّ عليه في الدستور، ويذر السلطات الأخرى للشعب والولايات، وحكم قاضٍ فيدراليّ في سبتمبر 2025 بعدم قانونية الانتشار.
وبعد شهرٍ من نشر الحرس الوطني في لوس أنجلوس أعاد ترامب نشره في العاصمة واشنطن "لمكافحة الجرائم في المدينة وملاحقة المشردين" بحسب قوله. وعبر حسابه في منصة "تروث سوشيال" وصف ترامب واشنطن بأنها خارجةٌ عن السيطرة، ووعد باستعادتها "عاصمةً عظيمةً مجدداً". نشر ترامب ثمانمئة جنديٍ في واشنطن، قبل أن يحشد قواتٍ من ستّ ولاياتٍ أخرى، ليرتفع العدد إلى نحو ألفين وثلاثمئة عنصر. وفي سبتمبر 2025 رفعت المدعية العامة في العاصمة دعوى لإنهاء الانتشار، ووصفته بالاحتلال العسكري الذي ينتهك الحكم الذاتي المحلي.
ووضعت إدارة ترامب في سبتمبر 2025 مئتي عنصرٍ من الحرس الوطني تحت القيادة الفيدرالية في ولاية أوريغون، مدّة ستين يوماً مرحلةً أوليةً في مدينة بورتلاند، وفي مدينة شيكاغو بولاية إلينوي أيضاً، بزعم حماية عناصر إنفاذ القانون الفيدراليين والموظفين الحكوميين. وفي أكتوبر من العام نفسه وجّه ترامب الحرسَ الوطنيَّ في ولاية تينيسي لدعم مهام إنفاذ القانون بمدينة ممفيس. غير أن هذا التحرك جاء بصيغةٍ مختلفةٍ، إذ ظلّت القوات خاضعةً لسلطة حاكم الولاية الجمهوري بيل لي ولم تنقل إلى السيطرة الفيدرالية.
سعى ترامب إلى تبرير نشر قوات الحرس الوطني بضرورة مواجهة ما وصفه بتفشي الجريمة وانعدام الأمن، وخاصةً للعملاء الفيدراليين المكلفين بتنفيذ حملات ترحيل المهاجرين الجماعية. في المقابل، رفض حكام المدن والولايات هذه الرواية، وطعنوا قضائياً في قرارات نشر الحرس الوطني متهمين الرئيسَ بتجاوز صلاحياته الدستورية التي لا تجيز له تعبئة القوات إلا في حالات التمرد أو العجز الكامل عن إنفاذ القانون الفيدرالي. وأيدت محاكم الدرجة الأولى (الابتدائية) هذا الموقف، إذ رفضت مزاعمَ إدارة ترامب بأن الاحتجاجات على سياسات الهجرة ترقى إلى مستوى التمرد الذي يستوجب التدخل العسكري.
وعلى خلاف رواية البيت الأبيض، تُظهر بيانات مكتب التحقيقات الفيدرالي انخفاض معدل الجريمة في المدن التي يستهدفها ترامب، بحسب تقريرٍ نشره موقع "أي بي سي" في أكتوبر 2025 بعنوان "ترامب إز دِبلوينغ مور تروبس أون هوم [. . .]" (ترامب يرسل مزيداً من القوات داخل البلاد [. . .]). ويشير معارضو الرئيس إلى أن اختيار هذه المدن لا يستند إلى معايير أمنيةٍ بقدر ما يعكس حساباتٍ سياسيةً، إذ يدير معظمَها رؤساءُ بلدياتٍ ديمقراطيون، في حين تُستبعد مدنٌ أخرى تتصدر فعلاً إحصاءات الجرائم العنيفة.
لا يقتصر الجدل في نشر الحرس الوطني والقوات الفيدرالية على كونه خلافاً سياسياً بين إدارة الرئيس وحكام المدن والولايات، بل يكشف عن حدودٍ قانونيةٍ تنظِّم تدخّل السلطة الفيدرالية في شأن الولايات الداخلي.
يسمح قانون "بوسي كوميتاتوس" باستخدام القوات المسلحة في حالاتٍ استثنائيةٍ ينصّ عليها. ولا يخوّل أيّ نصٍّ في الدستورِ الرئيسَ سلطةً صريحةً لاستخدام الجيش لتنفيذ القوانين. لكن هذا لم يمنع الحكومة الفيدرالية من ادعاء وجود استثناءاتٍ دستورية. فقد دأبت وزارة الدفاع على الزعم بأن الدستور يمنح القادة العسكريين ضمنياً سلطةً طارئةً لاستخدام القوات الفيدرالية من جانبٍ واحدٍ لقمع اضطراباتٍ مدنيةٍ واسعة النطاق وغير متوقعةٍ، عند الضرورة واستحالة الحصول على إذنٍ مسبقٍ من الرئيس. ووفقاً لتقريرٍ نشره مركز "برينان سنتر" في سبتمبر 2025 بعنوان "بوسي كوميتاتس آكت إكسبليند" (شرح قانون بوسي كوميتاتس) لم تُختبر صحة هذا الادعاء قضائياً. ويشير التقرير إلى أن وزارة الدفاع ادعت سابقاً وجود سلطةٍ دستوريةٍ تتيح استخدام الجيش لحماية الممتلكات والوظائف الفيدرالية عندما ترفض الحكومات المحلية القيام بذلك أو تعجز عنه. استند هذا الادعاء إلى تفسيرٍ داخليٍ للدستور في لائحةٍ تنظيميةٍ أصدرتها وزارة الدفاع، قبل أن تُلغى هذه اللائحة سنة 2018. لكن إدارة ترامب أعادت طرح هذا الادعاء أمام القضاء عند نشر الحرس الوطني بمدينة لوس أنجلوس في يونيو 2025، بحجّة أن هذه السلطة قائمةٌ بذاتها في الدستور الذي يوفر أساساً قانونياً لاستخدام الحرس الوطني ومشاة البحرية داخل المدن. وفي تلك القضية قضت محكمةٌ فيدراليةٌ بأن النشر قد انتهك قانون "بوسي كوميتاتوس" وأمرت إدارةَ ترامب بإنهائه.
وقال الباحث جوزيف نان في التقرير الذي نشره مركز "برينان" إن القانون، مع عدم نصّه على استثناءاتٍ دستوريةٍ، ترك العديدَ من الثغرات. الأولى تتعلق بالحرس الوطني لمقاطعة كولومبيا حيث تقع العاصمة واشنطن. خلافاً لجميع وحدات الحرس الوطني الأخرى، يخضع حرس العاصمة لسيطرة الرئيس. وتصرّ وزارة العدل منذ أعوامٍ على إمكانية عمل حرس العاصمة منفرداً دون سيطرةٍ فيدراليةٍ. وبموجب هذا التفسير، يستطيع الرؤساء استخدام حرس العاصمة في إنفاذ القانون متى شاؤوا، وهو ما استغلّه ترامب في ولايته الأولى سنة 2020 وكرّره في ولايته الثانية. أما الثغرة الثانية فهي أن قانون "بوسي كوميتاتوس" لا يقدم تعريفاً واضحاً لما يعدّ إنفاذاً للقانون، ما جعل نطاق تطبيقه محلّ التباسٍ دائم.
في المقابل، يمكِّن قانون التمرد، الذي يعود إلى سنة 1792، رئيسَ الولايات المتحدة من نشر القوات العسكرية داخل المدن لمواجهة أعمال التمرد، بموافقة حكام المدن والولايات أو من دونها. بل يمكن استخدامه لقمع تمردٍ على السلطة الفيدرالية نفسها أو لحماية الحقوق المدنية لمجموعةٍ من الأشخاص عندما تكون حكومة الولاية غير قادرةٍ على ذلك. ويأتي قانون التمرد استثناءاً مقابلاً لقانون "بوسي كوميتاتوس" إذ يؤدي تفعيله إلى تعليق قيوده مؤقتاً بما يتيح للرئيس نشر القوات العسكرية لمساندة السلطات المدنية في مهام إنفاذ القانون.
يتيح قانون التمرد للرئيس نشر القوات داخل الولايات المتحدة وفق ثلاث مواد. وهي المادة 251 التي تسمح بالتدخل استجابةً لطلبٍ من الهيئة التشريعية في الولاية أو من حاكمها، لتقديم مساعدةٍ فيدراليةٍ في قمع تمردٍ داخل الولاية. والمادة 252 التي تعطي الرئيس صلاحية نشر الحرس الوطني داخل المدن لإنفاذ القوانين أو لقمع تمردٍ، من دون طلبٍ من سلطات الولاية. والمادة 253 التي تمكِّن الرئيس من استخدام الجيش، سواءً الحرس الوطني أو القوات النظامية لقمع أيّ تمردٍ أو عنفٍ داخليٍّ أو تجمعٍ غير قانونيٍ أو مؤامرةٍ تنتهك القانون وتحرم المواطنين من حقوقهم الدستورية. ويحدث هذا في حال عجز سلطات الولاية عن إنفاذ القوانين، أو عندما يعرقل التمرد تنفيذ القانون.
فُعِّل قانون التمرد ثلاثين مرّةً على امتداد تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية. وقد فُعّل آخر مرّةٍ سنة 1992 بطلبٍ من حاكم ولاية كاليفورنيا، حين نشر الرئيس جورج بوش الأب قواتٍ فيدراليةً لاحتواء الاضطرابات التي أعقبت تبرئة ضباط شرطةٍ بمدينة لوس أنجلوس في قضية ضرب مواطنٍ أمريكيٍ أسود أثناء اعتقاله.
أصبحت الحدود القانونية نفسها محلّ نزاعٍ مع لجوء ترامب إلى قرارات نشر قوات الحرس الوطني إذ يعدّها صلاحيةً رئاسيةً مباشرةً، وهو ما وضع حكام الولايات في تحديات حدود السلطة ودور الولاية في تقدير احتياجاتها الأمنية.
وواجه حكام الولايات تحدياً موازياً حول رواية الواقع الأمني. فبينما روّجت إدارة ترامب لصورة المدن الخارجة عن السيطرة لتبرير نشر القوات، استندت السلطات المحلية إلى بياناتٍ تظهر تراجع معدلات الجريمة أو غياب أيّ حالة تمرد. هذا التناقض كشف أن قرار النشر لم يكن قائماً على معايير أمنيّةٍ بقدر ما كان مرتبطاً بسرديةٍ سياسية.
في يونيو 2025، مثّل قرار ترامب بنشر قوات الحرس الوطني في مدينة لوس أنجلوس نقطة تصعيدٍ كشفت عن طبيعة التحدي الذي واجهه حكام الولايات. فاعتراض حاكم ولاية كاليفورنيا غافين نيوسوم لم يقتصر على رفض القرار سياسياً، بل انطلق من تشكيكٍ قانونيٍ مباشرٍ في دستوريته. خطاب نيوسوم إلى وزير الدفاع، الذي طالب فيه بسحب القوات، أوضح بأن القرار لم يُتخذ لعجزٍ حقيقيٍ عن السيطرة على الأوضاع، بل جاء تجاوزاً لتقدير السلطات المحلية، التي أكدت قدرتها على معالجة الاحتجاجات.
ومن كاليفورنيا إلى العاصمة واشنطن انتقل الخلاف من مستوى الاعتراض السياسي إلى المواجهة القضائية. تقدّم المدعي العام لمقاطعة كولومبيا براين شوالب بدعوى على إدارة ترامب، كشفت عن بعدٍ مختلفٍ من التحدي يتمثل في الخلط بين الأدوار العسكرية والشرطية. ووصف شوالب نشر الحرس الوطني بالاحتلال العسكري القسري، الذي ينتهك الاستقلال المحلي والحريات الأساسية. وبالمثل حذّر حاكم ولاية إلينوي جاي بي بريتزكر، في تغريدةٍ له على منصة "إكس" من تسييس الحرس الوطني. وقال إن الرجال والنساء الذين يخدمون في صفوفه ليسوا أدواتٍ دعائية. وفي مقابلةٍ مع جيك تابر على شبكة "سي إن إن" ردّ حاكم إلينوي على تصريحات وزيرة الأمن الداخلي كريستي نويم، التي زعمت أن سكان شيكاغو يصفقّون لعمل قوات إنفاذ القانون الفيدرالية التي تنفذ عمليات الهجرة في الولاية. ورفض بريتزكر تصريحات كريستي التي وصفت شيكاغو بأنها "منطقة حرب". وقال إن شرطة حرس الحدود نفّذت مداهمةً في وقتٍ متأخرٍ من الليل داخل مبنىً سكنيٍ في مدينة شيكاغو، مشيراً إلى أن مقاطع فيديو التقطها شهودٌ عيانٌ أظهرت سكان المبنى وهم مقيدون بأربطةٍ بلاستيكيةٍ بينهم أطفالٌ ومسنّون. وأضاف أن العملاء الفيدراليين يوقفون المارّة في الشوارع لأن لون بشرتهم أسود فحسب. واتهم إدارة ترامب بتعمد افتعال حالةٍ من التوتر، بهدف توفير مسوغٍ لمزيدٍ من التدخل ونشر القوات في المدن.
في المقابل أصدر عمدة شيكاغو براندون جونسون بياناً في أغسطس 2025، حول ما وصفه بتهديدات ترامب بنشر قوات من الحرس الوطني داخل المدينة. وقال جونسون إن نهج الرئيس غير مبرّرٍ، إذ إن نشر الحرس الوطني بشكلٍ غير قانونيٍ داخل المدينة سيؤدي بدوره لتأجيج التوترات بين السكان وأجهزة إنفاذ القانون. وتعزز هذا الطرح ببياناتٍ رسميةٍ عن تراجع معدلات الجريمة في شيكاغو بنسبة 13 بالمئة سنة 2025.
في ولاية أوريغون، أبرز موقفُ الحاكمة تينا كوتيك إدراكاً بأن جوهر الخلاف لا يتعلق باضطرابٍ أمنيٍ محددٍ في مدينة بورتلاند، بل بمحاولة توسيع تعريف الخطر لتسويغ تدخلٍ عسكريٍ غير مبرّر. قالت تينا في لقاءٍ مع محطة "ويسا" الإذاعية في أكتوبر 2025 إن نشر قواتٍ عسكريةٍ في المدن الأمريكية يعدّ تهديداً للديمقراطية وردَّ فعلٍ مبالغاً فيه لا يتطابق مع الوقائع على الأرض. وأضافت أن قوات الحرس الوطني يجب أن تستخدم فقط في حالات الطوارئ الحقيقية مثل الكوارث وليس في ظروفٍ لا تستدعي ذلك، معتبرةً أن ما يجري لا يتعلق بأوريغون وحدها بل يعدّ سابقةً مقلقةً تمسّ الولايات كافة.
هذا التراكم من الاعتراضات انتهى إلى مواجهةٍ قانونيةٍ مباشرةٍ، لجأ فيها حكام الولايات إلى الدعاوى القضائية وطلبات وقف التنفيذ. يرى الحكام أن جعل الحرس الوطني تابعاً لإرادة السلطة الفيدرالية بناءً على ادعاءٍ بسلطةٍ رئاسيةٍ شبه مطلقةٍ بلا أي تنسيقٍ مع الولايات يهدّد التوازن الدستوري ويستنزف موارد الحرس الوطني بمعزلٍ عن مهامه الأساسية في مواجهة الكوارث والأزمات التي يصعب السيطرة عليها.
قالت إدارة ترامب للمحكمة العليا في أكتوبر 2025 إنها بحاجةٍ إلى نشر قواتٍ من الحرس الوطني في مدينة شيكاغو، لأن الشرطة المحلية أخفقت في التعامل مع ما عدّته الإدارة أعمال عنفٍ جماعيٍ نفذها أشخاصٌ يحتجون على تشديد سياسات الهجرة. في المقابل، قدمت وكالاتُ إنفاذ القانون المحلية روايةً مختلفةً لقضاة المحكمة، ووصفت الاحتجاجات بأنها محدودة النطاق.
ووفقاً لتقريرٍ نشرته وكالة "رويترز" في أكتوبر 2025 بعنوان "ترامب ناشونال غارد كيس آت سوبريم كورت [. . .]" (قضية حرس ترامب الوطني أمام المحكمة العليا [. . .]) فالأمر وضع قضاة المحكمة العليا إزاء معضلةٍ محتملةٍ، بشأن أيّ الروايتين يصدّقون أثناء نظرهم في طلب الطوارئ الذي قدمته وزارة العدل للسماح بنشر القوات. وأصدر قاضٍ فيدراليٌ قراراً مؤقتاً بوقف هذه الخطوة، لرفض الأساس القانوني الذي استندت إليه الإدارة الأمريكية وكذلك روايتها للأحداث. وفي طلبها إلى المحكمة العليا اعتمدت وزارة العدل أساساً على بيانين مكتوبين قدمهما مسؤولان فيدراليان، أحدهما من وكالة الهجرة والجمارك والآخر من حرس الحدود، صوّرا الأوضاع الميدانية على أنها شديدة الخطورة وتهدد سلامة العملاء والممتلكات الفيدرالية. واستندت الإدارة الأمريكية إلى هذين البيانين لتبرير الحاجة إلى نشر قوات الحرس الوطني، رغم تعارض هذه الرواية مع تقييمات السلطات المحلية التي أكدت أن الوضع كان تحت السيطرة. وذكرت "رويترز" أن وزارة العدل استشهدت بأحد البيانين سبعاً وثلاثين مرةً في طلبٍ مكتوبٍ بلغ أربعين صفحة.
ووجد تحليل "رويترز" أن البيانَيْن استخدما لغةً متطابقةً تقريباً في وصف حادثةٍ وقعت في أكتوبر 2025، أطلق فيها أحدُ عناصر حرس الحدود النارَ وأصاب سائقةً في شيكاغو قيل إنها حاولت دهسه بسيارتها. وتضمّن البيانان النصَّ نفسه تقريباً الذي أفاد بأن نحو مئتي شخصٍ تجمعوا قرب موقع إطلاق النار في ثلاثة مواقع منفصلةٍ، وخلال أربع ساعاتٍ ألقوا أشياءَ على العملاء، من بينها زجاجاتٌ وأقماعٌ مروريةٌ ودفعوا العملاء بالقوة. ورفضت شرطة شيكاغو في البداية تقديم المساعدة، لكنها أمّنت محيط الموقع بعد أكثر من ساعة. وتغيّر جنس العميل الفيدرالي الذي أطلق النار على المرأة. إذ جاء في البيانين أنه ذكر، لكن المعلومة تغيرت إلى أنثى في المذكرة اللاحقة التي قدمتها وزارة العدل إلى المحكمة العليا.
وفي النظام القضائي الأمريكي تقع المسؤولية الأساس عن تقصي الوقائع على عاتق قضاة الدرجة الأولى وهيئات المحلفين. وفي هذه القضية، فصل قاضي المحكمة الجزئية سجل الوقائع وخلص إلى استحالة التوفيق بينه وبين البيانات الواردة في الإفادات التي قدمتها الإدارة. وأثار القاضي مخاوف جدّيةً تتعلق بمصداقية تلك الإفادات. وخلصت قاضية المحكمة الجزئية في شيكاغو أبريل بيري إلى أن مصادر الوقائع التي استندت إليها الإدارة غير موثوقةٍ، وهو استنتاجٌ أيّدته محكمة الاستئناف. وكتبت بيري في قرارها أن هذه الإفادات، سوى أنها تظهر احتمال عدم الصراحة من جانبٍ، فإنها أيضاً تثير شكوكاً من جانبٍ آخر حول قدرتها على تقييم الوقائع بدقة.
وفي ديسمبر 2025 أيدت المحكمة العليا قرارات قضاة الدرجة الأولى والمحكمة الجزئية ومحكمة الاستئناف، ورفضت نشر قوات الحرس الوطني بمدينة شيكاغو. وخلصت المحكمة إلى أن إدارة ترامب لم تقدم أساساً واضحاً يسوّغ نشر الحرس الوطني في ولاية إلينوي. وقالت إن هذه الصلاحية لا تستخدم إلا في ظروفٍ استثنائيةٍ غير متوفرةٍ في الحالة الراهنة، على عكس اعتراضٍ على هذا التقييم أبداه ثلاثةٌ من القضاة المحافظين. ويأتي هذا القرار في حين تتشكل المحكمة العليا من أغلبيةٍ جمهوريةٍ سبق أن دعمت عدّة تفسيراتٍ قدّمتها الإدارة الأمريكية من قبل.
تكشف سلسلة الأحكام القضائية الصادرة بين أغسطس وديسمبر 2025 تقييد القضاء الأمريكي محاولات توسيع الصلاحيات الرئاسية في نشر الحرس الوطني داخل المدن .ويعزّز هذا التوجه ما صدر عن المحاكم الفيدرالية الأدنى، التي تعاملت مع دعاوى مماثلة. ففي بورتلاند، ومع إقرار المحكمة بوجود أعمال عنفٍ خلال الاحتجاجات، خلصت القاضية إلى أن العنف في حدّ ذاته لا يساوي عجزاً كاملاً عن إنفاذ القانون، ما دام بإمكان الأجهزة المحلية التعامل معه. ومنعت قاضية المحكمة الفيدرالية الجزئية كارين إيمرغوت ترامب منعاً دائماً من إرسال قوات الحرس الوطني إلى المدينة.
وفي لوس أنجلوس اتجهت الأحكام القضائية للربط بين نشر الحرس الوطني وانتهاك قانون "بوسي كوميتاتوس"، الذي يقيد استخدام القوات العسكرية في مهام إنفاذ القانون المدني. في أغسطس 2025 أصدر قاضي المحكمة الابتدائية حكماً يَعُدّ نشرَ قوات الحرس الوطني في المدينة انتهاكاً القانون. ورغم تعليق تنفيذ الحكم مؤقتاً انتظاراً للاستئناف، فإن قرار المحكمة الجزئية لاحقاً بإلزام ترامب بإعادة السيطرة على الحرس الوطني إلى حاكم الولاية أكّد أن فدرلة القوات من دون استيفاء الشروط القانونية تُعدّ إجراءً غير مشروع.
ومع اختلاف وضع الحرس الوطني في واشنطن العاصمة، الذي يخضع مباشرةً لسلطة الرئيس وليس لحاكم الولاية كما هو الحال في بقية الولايات، فإن هذا الاستثناء لم يمنح الإدارة الفيدرالية تفويضاً مطلقاً. فقضت محكمةٌ فيدراليةٌ في نوفمبر 2025 أن نشر الحرس الوطني في شوارع العاصمة لأداء مهامّ إنفاذ القانون المدني يظلّ خاضعاً لقيودٍ قانونيةٍ واضحةٍ، وأن سلطة الرئيس لا تستخدم إلا ضمن حدودٍ ضيقةٍ ومبرّرة.
مع تراجع فرص إدارة ترامب في ساحات المحاكم، وفشله في الحصول على الغطاء القانوني الذي نَشَدَه، أعاد الرئيس الأمريكي طرح قانون التمرد ورقةً أخيرةً في يده للالتفاف على اعتراضات الولايات وأحكام القضاء.
يُفترض أن يكون قانون التمرد استثناءً نادر الاستخدام. فالجيش لا ينبغي له التدخل في السلطات المدنية. ووفقاً لتقريرٍ نشره موقع "إي سي إل يو" في يناير 2026 بعنوان "ترامبز ثريت تو إنفوك ذي إنسركشن آكت، إكسبلايند" (شرح لتهديد ترامب بتفعيل قانون التمرد) أن مبدأ الاستثناء قائمٌ لأسبابٍ وجيهة: أوّلها أن قيام الجيش بمهامٍ شُرطيةٍ ضد المدنيين يقوّض الديمقراطية، وثانيها أنه يجعل الحريات والحقوق المدنية عرضةً للخطر. وبحسب التقرير فإن تجاوزات العملاء الفيدراليين السلطةَ وانتهاكاتهم الحقوقَ الدستورية باتت بالفعل واضحة. وفي المقابل يأتي تهديد الرئيس ترامب بتفعيل القانون ذريعةً لتصعيد الصراع وترهيب الأشخاص الذين يمارسون حقوقهم المكفولة بموجب الدستور. ويُظهر هذا التهديدُ في حدّ ذاته عدمَ مشروعية استخدام القانون، إذ يسعى الرئيس إلى استخدامه لتقويض الحقوق وليس حمايتها.
انتقد الاتحاد الأمريكي للحريات المدنية قانون التمرد لكونه غامضاً إلى حدٍّ بعيدٍ، لكنه أيضاً يتضمن قيوداً مهمةً على توقيته وكيفية استخدامه. فلا يجوز للرؤساء تفعيل القانون إلا في حالات التمرد التي تعجز المحاكم وأجهزة إنفاذ القانون العادية في التعامل معها. وبناءً على ذلك، تتعامل السلطة التنفيذية مع القانون على أنه الملاذ الأخير. ووفقاً لتقرير "إي سي إل يو" لا ينطبق هذا الأمر على ولاية مينيسوتا. والمفارقة أن تهديد ترامب بتفعيل القانون يستند للأسباب نفسها التي رفضتها المحاكم من قبلُ لنشر قوات الحرس الوطني داخل المدن.
ومن الناحية القانونية، لا يغلق تفعيل القانون البابَ أمام الطعن بالمحكمة. إذ يمكن للولايات أن تلجأ مجدداً إلى المحاكم، وأن تحاجِج مرّةً أخرى بأن الرئيس تجاوز صلاحيته، وذلك وفقاً لإليزابيث غويتين المديرة التنفيذية لبرنامج الحريات والأمن القومي في مركز "برينان". قالت إليزابيث في حوارٍ مع شبكة "بي بي إس" إن الرئيس يمكنه المبادرة بتفعيل القانون، لكن استمراره يتوقف على اقتناع المحكمة بحججه، وإلا يمكنها إصدار أمرٍ قضائيٍ بوقف استخدام القوات.
أكدت إليزابيث في حديثها عدم مشروعية تفعيل القانون، مشيرةً إلى أن ثمة فوضى فعلاً في مدينة مينيابوليس بولاية مينيسوتا، لكنها فوضى صنعتها الحكومة الفيدرالية. وقالت إليزابيث إن الغالبية العظمى من العنف والخروج على القانون في مينيابوليس مصدرها وكالة الهجرة والجمارك، ومع تفعيل قانون التمرد لن تنتهي تلك الفوضى بل ستصبح أكثر تمكيناً. وأضافت إليزابيث أن دوافع ترامب واضحةٌ للغاية في أنه لا يرى استخدام الجيش في المدن الأمريكية ملاذاً أخيراً للسيطرة على تمردٍ بالفعل، بل قال صراحةً إنه يرى أن المدن الأمريكية ينبغي أن تكون ساحات تدريبٍ للقوات المسلحة.
قُتلت الأمريكية رينيه نيكول غود بالرصاص داخل سيارتها في مينيابوليس في 7 يناير 2026 أثناء مشاركتها في احتجاجٍ لعرقلة عمليةٍ نفذها عملاء فيدراليون في إدارة الهجرة نُشروا بأعدادٍ كبيرةٍ في المدينة لتنفيذ سلسلة اعتقالات. وقتل العملاء الفيدراليون أليكس بريتي في 25 يناير في نفس المدينة. وانتشرت مقاطع فيديو تظهر مشادةً بين عناصر دوريات الحدود وبريتي قبل إطلاق النار. وقالت وزارة الأمن الداخلي إن العملاء أطلقوا النار دفاعاً عن النفس، بعد أن قاوم بريتي محاولاتهم لنزع سلاحه. وأفضت تلك الوقائع إلى مزيدٍ من الاحتجاجات وتجدّد دعوات القادة المحليين لخروج عناصر الأمن الفيدرالي من المدينة.
وقالت المديرة التنفيذية لبرنامج الحريات والأمن القومي في مركز "برينان"، إنه عند النظر إلى العهود الرئاسية التسعة الأخيرة باستثناء ولاية دونالد ترامب الأولى، يتبين أن الرؤساء لم يلجؤوا إلى نشر القوات العسكرية لقمع اضطراباتٍ مدنيةٍ أو لتنفيذ القانون سوى مرتين فقط. في المقابل أقدم ترامب خلال عامه الأول في ولايته الثانية على نشر القوات أو طلب نشرها أو حاول القيام بذلك سبع مراتٍ، وهو ما يشير صراحةً إلى أنه يبتعد عن تفسير القانون والهدف منه.
ما تكشفه مشاهد المداهمات وأحكام المحاكم ومواقف حكام الولايات لا يعدّ ردّاً على التصعيد المستمر في سياسات الهجرة أو إدارة الاحتجاجات، بل تحولاً في طريقة استخدام الدولة أدواتِها. ولم يعد الصراع محصوراً في كيفية إنفاذ القانون، بل امتد ليطال جوهر التوازن بين السلطة الفيدرالية والولايات.
الرواية الأمنية التي تسوقها إدارة ترامب لتبرير نشر الحرس الوطني أو التلويح بقانون التمرد تصطدم بوقائع ميدانيةٍ مغايرةٍ، ومؤسساتٍ محليةٍ وقضائيةٍ تشكّك في صحتها. وبينما تقيد المحاكم محاولات فدرلة الحرس الوطني، يُقدّم قانون التمرد ملاذاً أخيراً لتجاوز هذا القيد، لا استجابةً طارئةً لتمرّدٍ فعليٍّ بل أداةً لإعادة فرض السيطرة.

