نواكشوط بين الجفاف والعشوائيات.. رحلة تشكّل العاصمة الإدارية

وُلدت نواكشوط مشروعاً إدارياً فوقياً، صممه خبراء فرنسيون قبل أن تكون استجابة لحركة سكانية طبيعية أو اقتصادية، صارت العشوائيات أحد أشكالها.

Share
نواكشوط بين الجفاف والعشوائيات.. رحلة تشكّل العاصمة الإدارية
تحوّل الهامش من استثناءٍ إلى واقعٍ | تصميم خاص بالفراتس

خلال إنجازي بحثاً ميدانياً لصالح قسم علم الاجتماع بجامعة نواكشوط سنة 2024 عن الخصائص الاقتصادية لسكان حيّ السعادة في نواكشوط، لفت انتباهي منذ زيارتي الأولى أن الحيّ بدا وكأنه يعيش مفارقة. فإلى جانب أجزاءٍ تبدو منظمةً نسبياً، كانت هناك أجزاءٌ أخرى سكنيةٌ غير منظمةٍ تظهر فيها المباني موزّعةً كما لو أنها تبحث عن مكانٍ لها في المدينة. بيوتٌ متقاربةٌ بلا نظامٍ واضحٍ، وممراتٌ ضيقةٌ تفضي إلى مساحاتٍ مفتوحةٍ غير محددة الوظيفة، وبناياتٌ تختلف موادها وارتفاعاتها كأنها بُنيت على عجل. ومع مرور الوقت اتّضح لي أن هذا التشكّل البطيء ليس مجرد تفصيلٍ عمرانيٍ يخصّ حيّ السعادة وحده، إنما جزءاً من طريقةٍ أوسع لتنظيم الحياة في نواكشوط، تجلياً لمشكلة العشوائيات التي ترزح تحتها العاصمة منذ عقود.

لم تكن العشوائيات في نواكشوط خللاً عابراً في العمران ولا نتيجة فوضى سكنيةٍ طارئةٍ تحت إيقاع الحاجة اليومية وقدرة الأسر على البناء بما توافر وعلى ما تيسر من الأرض. بل جاءت تعبيراً عن مسارٍ حضريٍّ سبق فيه التوسعُ شروطَ التنظيم، وسبقت فيه الحاجةُ سياساتِ الاحتواء. فمنذ تأسيس العاصمة ظلّ الواقع الاجتماعي والاقتصادي يفرض تمدّده من الأسفل، لتنشأ أحياء الهامش حلولاً اضطراريةً لحياةٍ تبحث عن السكن والعمل والخدمات معاً. وهي ما يُعرف محلياً بأحياء "الگَزْرة"، في دلالةٍ مشتقة من "القسر"، بمعنى الأخذ بالغلبة أو بغير إذنٍ، بما يحيل إلى منطق البناء على أراضٍ لا تعترف بها الدولة في الأغلب بمشروعية شغلها أو بتمام وثائق ملكيتها. ومع تعاقب تدخلات الدولة بين التأهيل والترحيل والمشاريع الجزئية، لم ينكسر منطق العشوائيات بقدر ما أُعيد إنتاجه في فضاءاتٍ جديدة.


بدأ التفكير في إنشاء نواكشوط عاصمةً مبكراً منذ سنة 1956. وقد وضع أول رئيسٍ للبلاد مختار ولد داداه صحبةَ الرئيس الفرنسي شارل ديغول حجر الأساس لها في 1958. ففي السنوات القليلة التي قادت لاستقلال موريتانيا رسمياً عن فرنسا سنة 1960، احتاجت البلاد إلى اختيار عاصمةٍ تعكس السيادة الوطنية وتستجيب لمتغيرات الحكم والإدارة في دولةٍ خرجت للتوّ من ظلّ الاستعمار. 

لم يكن مركز القرار طوال الحقبة الاستعمارية ثابتاً داخل الجغرافيا الموريتانية، إذ تمركزت الإدارة الفرنسية زمناً في سان لويس السنغالية، ثم تنقلت لاحقاً إلى ألاك وروصو في موريتانيا الحالية، قبل أن تدرك الدولة الوليدة أنه لا يمكنها أن تستكمل صورتها وهي تُدار من خارج حدودها أو من مراكز مؤقتة. حينئذٍ عبّر موريتانيون عن رغبتهم في نقل مؤسساتهم من سان لويس إلى الداخل. وهو ما وافقت عليه الإدارة الاستعمارية ضمن القانون الإطاري، رغبةً في إنشاء عاصمةٍ ذات طابعٍ "وطني محايد"، وفي موقعٍ استراتيجيٍ يتوسط إفريقيا جنوب الصحراء والعالم العربي.

يورد الباحث الموريتاني ورئيس معهد الدراسات والأبحاث العليا في بروكسل، بدي ولد أبنو، في كتابه "موريتانيا إلى أين" المنشور سنة 2022، أن تأسيس نواكشوط لم يُبْنَ على مدينةٍ قائمةٍ أو إرثٍ عمرانيٍ سابق. لم تكن المدينة ترميماً لمركزٍ قديمٍ، ولا امتداداً طبيعياً لمدينةٍ تجمعت حول سوقٍ أو ميناءٍ أو نشاطٍ اقتصاديٍ راسخ. بل جاءت في صورة كيانٍ إداريٍّ فوقيٍّ صمّمه خبراء فرنسيون على عجلٍ في سياق انتقالٍ سياسيٍ سريع. وعليه وُلدت نواكشوط مشروعاً إدارياً قبل أن تكون استجابةً لحركةٍ سكانيةٍ طبيعيةٍ أو مركزاً لنشاطٍ اقتصاديٍ سابق. وارتبط هذا الاختيار بحسابات الموقع والتوازنات، عاصمةً جديدةً لا تثير حساسياتٍ مناطقيةً قديمةً ولا تُحسب على جهةٍ دون أخرى، وتكون نقطةَ توازنٍ بين شمال البلاد وجنوبها، بين فضائين ثقافيين كبيرين: أمازيغيٍ عربيٍ شمالاً وإفريقيٍ أسود جنوباً.

ويشير ولد أبنو إلى أن الدولة الموريتانية ورثت من الاستعمار نمط الإدارة غير المباشرة، إذ كانت المستعمرة تُدار من سان لويس عبر وسطاء محليين. وبحسب تحليله، طبع هذا النمط علاقة الدولة بالمجتمع، فقامت على إدارة الحكم عبر وجهاء محليين أكثر مما قامت على التفاعل المباشر مع المجتمع. 

يُسهم هذا المسار في تفسير محدودية الجذب الاجتماعي لنواكشوط في سنواتها الأولى، رغم تمركز وظائف الدولة فيها عاصمةً ناشئة. ففي مقابلةٍ للفراتس مع أستاذ قسم الجغرافيا في جامعة نواكشوط محمد عالي المختار التقي، أشار إلى أن الدولة بحكم حداثة نشأتها كانت في حاجةٍ إلى سواعد تواكب بناء مؤسساتها وإطلاق مشاريعها المركزية. وهو ما جعلها تميل في نظره إلى استراتيجيات جذبٍ مبكرٍ للناس نحو العاصمة، خاصةً مع صعود خطاب "التحديث" الذي كان يربط بناء الدولة بتعزيز المركز الحضري وتوسيع الإدارة والسعي إلى التصنيع أفقاً للتنمية.

يقول التقي أن هذا الميل إلى الجذب لم يُحوِّل العاصمة في بداياتها إلى مدينةٍ تستقطب الناس على نطاقٍ واسع. فقد كان لها بنيةٌ تحتيةٌ محدودةٌ، ومرافق عموميةٌ لا تستوعب أعداداً كبيرةً، ونسيجٌ سكانيٌ يتكون من الموظفين الحكوميين وبعض الطواقم التعليمية ومن ارتبطت وظائفهم مباشرةً بجهاز الدولة ومؤسساتها.

ويضيف أن المجتمع الموريتاني، المتشكل تاريخياً في سياقٍ رعويٍ وزراعيٍ قائمٍ على القرابة والتنقل وشبكات التكافل المحلية، لم يجد في العاصمة الوليدة امتداداً مباشراً لأنماط عيشه، ولم يكن الانتقال إليها خياراً طبيعياً إلا لفئاتٍ محدودة.

يتضح هذا البطء أكثر بالنظر إلى عمق الاقتصاد التقليدي في الداخل. فبحسب عبد الله ولد محمد سيديا وزكريا وُوين، في دراستهما "إيليمان بور أُن ستراتِيجي دو ديفلوبمون دو لامبلوا رورال" (عناصر استراتيجية تنمية العمالة الريفية) المنشورة سنة 1996، أُسّست بنيةُ التشغيل في موريتانيا خلال الستينيات والسبعينيات من القرن العشرين على القطاع الأوّلي، وهو الرعي والزراعة والصيد. وانخرط ما يقارب 95 بالمئة من مجموع القوى العاملة في هذه الأنشطة، مع شبه غيابٍ للقطاع الصناعي. ومع هيمنة هذا النمط التقليدي من العيش والإنتاج، لم تكن الهجرة نحو العاصمة قادرةً على التحول سريعاً إلى مسارٍ جماعيٍ واسع. وظلّت حركة الانتقال بطيئةً محكومةً بإيقاع الوظيفة والخدمة أكثر من كونها استجابةً لضغطٍ اجتماعيٍ شامل.

تتجه كاترين تين الشيخ، من المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي، في دراستها "ذا ريؤوربنایزيشن أوف موريتانيا: هيستوريكل كونتكست [. . .]" (التحضّر الريفي في موريتانيا: السياق التاريخي)، المنشورة سنة 2007، لمعنىً مشابه. إذ تصف نواكشوط في بداياتها بأنها فضاء متحكَّمٌ فيه نسبياً تهيمن عليه السلطة والإدارة العمومية. وتبين الباحثة أن محدودية الوافدين، وطغيان الوظيفة الإدارية، وعمق الارتباط بالأنشطة الأولية في الداخل، كانت جميعها عوامل أبقت تمدد العاصمة "قابلاً للضبط" نسبياً.

هكذا ظلّ تمدّد نواكشوط خلال سنواتها الأولى محسوباً نسبياً، تحكمه وظيفة الدولة وحاجاتها الإدارية أكثر مما تحكمه نظرةٌ حضريةٌ واسعة. غير أن هذا التوازن الهشّ سرعان ما اصطدم بعوامل خارجيةٍ أعادت تشكيل حركة السكان جذرياً بإيقاعٍ أسرع من قدرة التنظيم على مواكبته. وكان للجفاف الذي ضرب البلاد في السبعينيات وما أحدثه من هجرةٍ داخليةٍ، علاوةً على عدم الاستقرار السياسي والانقلابات العسكرية، دورٌ حاسمٌ في كسر هذا الإيقاع البطيء وتحوّل العشوائيات في نواكشوط من ظاهرةٍ مؤقتةٍ إلى واقعٍ حضريٍ مستقر. 


مطلع سبعينيات القرن العشرين شهدت منطقة الساحل الإفريقي، بما في ذلك أجزاءٌ من موريتانيا، موجاتِ جفافٍ ممتدةً. وبحلول 1973، قضى الجفاف في موريتانيا على نحو 55 بالمئة من الثروة الحيوانية وأحدث فيها مجاعة. وكذا حوّل حركة السكان نحو المدن من انتقالاتٍ متفرقةٍ إلى نزوحٍ واسع.

في دراسةٍ أعدّتها الباحثة الموريتانية ميمونة بنت الإمام بعنوان "المناطق العشوائية بمدينة نواكشوط من منظور جغرافي بيئي"، نُشرت ضمن حوليات آداب عين شمس سنة 2017، أُشيرَ إلى الجفاف عاملاً حاسماً في تقليص قدرة شرائح كبيرةٍ من السكان على الاستقرار في الريف، وتضييق سبل العيش المرتبطة بالماء والكلأ والزراعة. وهو ما جعل الهجرة بالعموم نحو المدن، وعلى رأسها نواكشوط، وجهةً اضطراريةً أكثر منها خياراً محسوباً. وتُبرز الدراسة أن هذا النزوح ترافق مع تمدّنٍ متسارعٍ لم تُواكبه أدوات التخطيط ولا جاهزية البنية التحتية. إذ ارتفعت نسبة السكان الحضريين من 7 بالمئة سنة 1965 إلى 41 بالمئة سنة 1988. وتزايد عدد المدن من ست عشرة مدينةً سنة 1977 إلى خمسٍ وعشرين سنة 1995.

لم تكن هذه القفزة مجرد تحولٍ إحصائيٍ، بل انعطافاً في توزيع البشر داخل المجال الحضري انعكس مباشرةً على العاصمة نواكشوط. وتورد ميمونة بنت الإمام في الدراسة جملةً من المعطيات الدالة على أن نواكشوط لم تكن مستعدةً لاستيعاب هذا التوسع السكاني. ففي سنة 1977 بلغ عدد سكان العاصمة 134704 نسمة، كان نحو عشرين ألفاً منهم يقيمون في أحياءٍ عشوائية. ثم ارتفع العدد إلى 393325 نسمةً سنة 1988، مع ازدياد نسبة المقيمين في الأحياء العشوائية. ليصل عدد السكان إلى 558195 نسمةً سنة 2000، وكان حينها مئتان وستون ألفاً منهم يعيشون في العشوائيات. وهو ما جعل السكن الهشّ جزءاً غير هامشيٍ من واقع المدينة. 

وفي السياق نفسه، تُظهر بيانات البنك الدولي المنشورة سنة 2024 أن نسبة السكان الحضريين في موريتانيا بلغت 61.3 بالمئة، وهو ما يعكس استمرار صعود منحنى التمدّن مقارنةً بعقودٍ سابقةٍ، ويُبرز حجم الضغط الذي ظلّ يُلقى على العاصمة نواكشوط. وهكذا بدأت العشوائيات تتشكل عملياً استجابةً اجتماعيةً مباشرةً لمدينةٍ تتسع أسرع من قدرتها على الاستيعاب.

الخرائط مستوحاة من تقرير نشرته وكالة اليابان للتعاون الدولي (جايكا) عام 2018 | تصميم خاص بالفراتس

يعزّز هذا المعطى ما ورد في مقابلةٍ أجرتها الفراتس مع عزيزة بنت محمود من سكان حي الترحيل بنواكشوط، وهي طالبةٌ في كلية الآداب بجامعة نواكشوط. إذ أكدت عزيزة أن كثيراً من الأحياء التي تشكّلت في مجال العاصمة لم تنشأ على أساسٍ قانونيٍ واضحٍ مثل مستندات ثبوت الملكية، بل عبر استيطان الأرض تدريجياً وبناءٍ ذاتيٍ سابقٍ على أيّ تسويةٍ رسمية.

وتشير عزيزة إلى أن غياب الوثائق القانونية لا يجعل السكن هشّاً عمرانياً فقط، بل يفتح الباب أيضاً أمام نزاعاتٍ عقاريةٍ متكررةٍ، ومشكلاتٍ تتعلق بالسمسرة وبيع القطع بطرقٍ غير مضبوطة. وبهذا تتحول الأرض إلى مصدرٍ دائمٍ للقلق وعدم الاستقرار، ويصبح الحيّ بأكمله عرضةً لتوتراتٍ كامنةٍ تتغذى من هشاشة الوضع القانوني أكثر مما تتغذى من الفقر وحده.

تضيف المتحدثة أن الأمر يتجاوز المسكن إلى الخدمات التي تتأخر عادةً عن العمران. فغالباً ما يفتقر السكان في هذه المناطق إلى مصادر المياه القريبة والصرف الصحي والأمن والتعليم والنقل الحضري. كذلك فإن كثيراً من الأزقة والممرات لا تسمح بدخول المركبات بسهولةٍ، وهو ما يحوّل الحياة اليومية إلى معاناة مستمرة، فالوصول إلى المدرسة أو المستشفى أطول وأكثر تكلفةً، وكذا انتظار الحصول على الماء. فضلاً عن هشاشةٍ ترتبط بالعمل غير المستقر الذي يدفع الناس إلى البقاء قريبين من فرص الرزق، مهما كانت هشة.

وقد شكّل هذا التوسع الهامشي مع الوقت كتلاً سكانيةً كبيرة. فالأحياء التي تُعدّ اليوم من أبرز فضاءات السكن الهش، مثل الرياض وعرفات والسبخة ودار النعيم، باتت تضم عشرات الآلاف من السكان في كلٍّ منها. وتقع على مساحاتٍ تتفاوت بين مئةٍ وعشرين وستمئةٍ وثلاثين هكتاراً (الهكتار يساوي عشرة آلاف متر مربع)، كما تورد ميمونة بنت الإمام في دراستها. وهو ما يجعلها خارج التصور البسيط للعشوائي بوصفه جيوباً صغيرةً، وتكاد تُكوّن "مدينة داخل المدينة"، لكنها لا تدار بالمنطق التخطيطي نفسه الذي تدار به الأحياء المنظمة. 

يتفق طرح ميمونة بنت الإمام مع تقديراتٍ حديثةٍ صادرةٍ عن موقع "جيو فاكت بوك" لسنة 2025 إلى أن نحو 55.86 بالمئة من السكان الحضريين في موريتانيا يعيشون في مساكن غير رسميةٍ أو عشوائيةٍ، جلّهم في نواكشوط. وهي العاصمة التي تحوي نحو 1.7 مليون نسمة، وفقاً لتقديرات عامَيْ 2025 و2026 الصادرة عن موقع "وورلد ببيوليشن ريفيو"، في بلدٍ تعداد سكانه بحدود 5.3 مليون نسمة. ما يعكس استمرار الضغط الحضري على البنية التحتية وفرص السكن في المدينة.

يُضاف إلى ذلك أن ما تعكسه طبيعة العشوائيات من ضعفِ تعلُّق سكان نواكشوط بها، مع هشاشة التنظيم، أسهما في تعميق أزماتٍ بيئيةٍ وصحيةٍ عديدة، مثل تراكم النفايات وتلوث الهواء والماء وتزايد مخاطر الأمراض في الأحياء التي تفتقر إلى الصرف الصحي والطرق المعبدة والخدمات الأساسية.

ومن زاويةٍ أخرى، يمكن فهم مسار نمو العشوائيات أيضاً في ضوء طبيعة البنية الاجتماعية السابقة لقيام الدولة الحديثة. فالغالبية العظمى من السكان انتمت تاريخياً إلى مجتمعٍ رعويٍ بدويٍ يقوم على التنقل الموسمي بحثاً عن الماء والكلأ، وهو ما لم يساعد على تشكّل تصورٍ مدينيٍ مستقرٍّ لدى فئاتٍ واسعة. لذلك تعامل جزءٌ من الوافدين إلى نواكشوط (خاصةً في مراحل مبكرة) محطةً انتقاليةً أو إقامةً مؤقتةً أكثر منها مكاناً يستدعي بناء علاقة طويلة الأمد.

 في هذا الأفق قد يصبح السكن العشوائي حلّاً مرناً يلائم ذهنية التكيّف المؤقت مثل البناء السريع القابل للتعديل، والذي لا يستند إلى معايير عمرانيةٍ دقيقة. غير أن المفارقة أن ما يبدأ مؤقتاً قد يطول حتى يصير دائماً، وحينئذٍ قد تتحول المرونة نفسها إلى بابٍ لإعادة إنتاج الهشاشة داخل المدينة.

غير أنّ فهم تحوّل العشوائيات من ظاهرةٍ مرتبطةٍ بالضغط السكاني إلى واقعٍ بنيويٍ مستقرٍّ لا يكتمل دون التوقف عند السياق السياسي الذي رافق تشكّل المدينة في مراحل لاحقة. فمنذ أواخر السبعينيات دخلت موريتانيا مرحلةً من انعدام الاستقرار اتسمت بتوالي الانقلابات العسكرية وتبدّل مراكز القرار. كان أولها إطاحة الجيش سنة 1978 بالرئيس المختار ولد داداه، وآخرها سنة 2008 وطالت الرئيس سيدي ولد الشيخ عبدالله، أول رئيسٍ مدنيٍ منتخبٍ في تاريخ موريتانيا. وقد تركت هذه الانقلابات، ناجحةً أو فاشلةً، أثراً مباشراً على قدرة الدولة على بلورة سياساتٍ حضريةٍ طويلة المدى. 

يشير الأستاذ في علم الاجتماع بجامعة نواكشوط ورئيس المركز الموريتاني للبحوث والدراسات الإنسانية "مبدأ" محمد ولد سيد أحمد فال في مقابلةٍ مع الفراتس إلى أن موجة الانقلابات اللاحقة لا تفسر هجرة الناس من الأرياف إلى العاصمة بعلاقةٍ سببيةٍ مباشرة. لكنها أضعفت استمرارية المؤسسات في التخطيط لأن كل نظامٍ كان يعيد ترتيب الأولويات على عجلٍ، ويستبدل البرامج والمشاريع وفق حاجاته الظرفية. وقد حال ذلك دون تراكم خبرةٍ وطنيةٍ مستقرةٍ في مجال التدبير العمراني.

ويضيف أن الانشغال الأمني والعسكري الذي طبع مراحل لاحقةً دفع الدولة إلى التعامل مع التمدد الحضري بمنطق إدارة أزمةٍ اجتماعيةٍ أكثر من التعامل معه ملفاً استراتيجياً بعيد المدى. وفي أكثر من لحظةٍ، وفقاً لولد سيد أحمد فال، اتسع هامش التساهل مع تشكّل أحياءٍ كاملةٍ خارج الأطر التنظيمية وسيلةً لامتصاص آثار الجفاف والهجرات الداخلية المتسارعة. لذا لم تعد العشوائيات مجرد حالةٍ انتقاليةٍ تُعالج مع الوقت، بل بدأت تتكرّس تدريجياً داخل نسيج العاصمة.

وللانتقال من منطق التدخل الظرفي إلى محاولة معالجة ظاهرة العشوائيات، سعَت الدولة لإطلاق مشاريع إسكانٍ جديدةٍ، لكنها واجهت تحدياتٍ جمّةً في إصلاح الخلل البنيوي الحضري الذي بدأ مع نشوء الدولة.


أطلقت الحكومات الموريتانية برنامج التنمية الحضرية المموّل من البنك الدولي نهاية التسعينيات. ارتبط البرنامج لاحقاً بوثيقةٍ تقنيةٍ تحمل عنوان "إمباكت سوسيال إي أونفيرونمونتال دو بروغرام [. . .]" (الآثار الاجتماعية والبيئية لبرنامج نواكشوط للاستثمار ذي الأولوية) نُشرت سنة 2000.

استهدف البرنامج أساساً مدينتَيْ العاصمة نواكشوط ونواذيبو، مع التركيز على ترقية الأحياء الهشّة من خلال تحسين الوصول إلى الماء والكهرباء وشقّ الطرق وإنشاء الأسواق، إلى جانب دعم اللامركزية وإدخال تعديلاتٍ على الإطار التشريعي الحضري. وقدّم البنك الدولي هذه المقاربة التنموية محاولةً للانتقال من إدارة الطوارئ إلى سياسةٍ حضريةٍ مهيكلة.

غير أن الوثائق التقنية المصاحبة للبرنامج تُظهر حدود هذه المقاربة، فقد بُني البرنامج (بحكم طبيعته حزمة استثمارات ذات أولوية) لمعالجة اختلالاتٍ موضعيةٍ داخل المدينة، أكثر مما بُني لاحتواء التوسع العشوائي ظاهرةً بنيويةً متنامية.

وتخلص إحدى فقرات الوثيقة إلى أن الشقّ المؤسسي الداعم البلديةَ لم يُسفر عملياً عن أثرٍ ملموسٍ يمكن البناء عليه، ما يعني أن جزءاً من التدخلات بقي دون مردودٍ واضح. لذلك ظل التخطيط في جانبٍ منه محصوراً في وثائق تقنيةٍ مرتبطةٍ بتمويلٍ خارجيٍ، أكثر مما تحول إلى سياسةٍ وطنيةٍ ذات عمقٍ مؤسسيٍ قادرةٍ على مواكبة اتساع رقعة العشوائيات وتسارع تمددها.

ثم في العقد الأول من الألفية اتجهت الدولة نحو مقاربةٍ أكثر جذريةً في ظاهرها، تمثلت في الترحيل القسري لإعادة ضبط المجال الحضري. ففي سنة 2009 أعلنت السلطات عن خطةٍ واسعةٍ لترحيل آلاف الأسر من الأحياء العشوائية إلى أطراف العاصمة، فيما عُرف لاحقاً بِاسم "حي الترحيل". ويقع هذا الحي في الضواحي النائية من ولاية نواكشوط الجنوبية بالقرب من مقاطعة توجنين التابعة لولاية نواكشوط الشمالية. وأُنشئ لاستيعاب من نُقلوا من مناطق سكنيةٍ هشّةٍ متفرقةٍ داخل المدينة.

غير أن هذه السياسة بدل أن تُعالج جذور الأزمة نُقلت جغرافياً إلى مناطق بعيدةٍ عن مراكز الخدمات وفرص العمل، ما أسهم في إنتاج أحزمة فقرٍ جديدةٍ على هوامش المدينة وزاد من عزلة الفئات المستهدفة. وقد أشار تقريرٌ بثّته قناة الجزيرة بعنوان "حي الترحيل بنواكشوط: من العشوائيات إلى غياب الخدمات" سنة 2015 إلى أن كثيراً من الأسر المنقولة وجدت نفسها في أحياءٍ تفتقر إلى الحدّ الأدنى من الخدمات الأساس. وترتب على ذلك صعوباتٌ يوميةٌ في الوصول إلى الماء والتعليم والنقل، فضلاً عن ضعف فرص العمل. وهو ما جعل الترحيل في نظر عددٍ من السكان انتقالاً من هشاشةٍ إلى هشاشةٍ أشدّ.

مهَّد هذا المسار لاحقاً لإطلاق برامج جديدةٍ، من بينها مشروع "حياة جديدة" سنة 2023، محاولةً لإعادة صياغة التعاطي مع ملف العشوائيات بعد أن أظهرت سياسات الترحيل حدودها الاجتماعية والعمرانية. وقد قُدِّم المشروع في الخطاب الحكومي باعتباره انتقالاً من منطق النقل القسري إلى منطق الإدماج السكني المنظم، مع وعودٍ بتوفير سكنٍ لائقٍ وخدماتٍ أساسٍ وبيئةٍ عمرانيةٍ أكثر استقراراً للفئات التي ظلّت تعيش على هامش المدينة. 

وقد خلص تقريرٌ نشرته "إندبندنت عربية" بعنوان "مشروع حياة جديدة يخلّص نواكشوط من عشوائياتها" نشر سنة 2023، إلى أن مشروع "حياة جديدة" مكّن 9118 أسرةً فقيرةً من الحصول على الملكية العقارية في ظروفٍ ملائمةٍ، بعد استصلاح 453 هكتاراً من الأراضي وتوفير 13499 قطعةً أرضية. هذا مع تجهيزاتٍ تشمل مدارس بثلاث مراحل ومركزاً صحياً وشبكات الماء والكهرباء ومرافق خدمية متعددة.

لكن هذا المشروع كسابقه اصطدم بمعوّقاتٍ بنيويةٍ حالت دون تحقيق أهدافه المعلنة. فرغم ما أُحيط به من وعودٍ رسميةٍ بتفكيك العشوائيات وإنهاء السكن الهشّ في نواكشوط، فإن تجربة السكان المرحّلين اليومية تكشف عن مسافةٍ بين منطق الإعلان ومنطق العيش. ففي تقريرٍ للجزيرة نت سنة 2024 بعنوان "بعد ترحيلهم من العشوائيات[. . .] موريتانيون يشكون سوء الحال في 'حياة جديدة'"، تتكرر الشكوى من ضيقٍ معيشيٍ يتخذ أشكالاً جديدةً، مثل غلاء تكاليف النقل والبعد عن أماكن العمل، وغياب فرص رزقٍ قريبةٍ تسمح بإعادة بناء توازنٍ اقتصاديٍ هشٍّ أصلاً.

وينقل التقرير كذلك أصواتاً لسكان وجدوا أنفسهم معزولين في أطراف العاصمة، حيث يصبح الوصول إلى السوق أو المدرسة أو المستشفى رحلةً يوميةً مكلفةً، لاسيما لمن يعتمدون على العمل غير المستقر أو النشاطات اليومية الصغيرة. بعضهم اضطر إلى قطع مسافاتٍ طويلةٍ بحثاً عن عملٍ مؤقتٍ، فيما اضطر آخرون إلى العودة جزئياً إلى أحيائهم السابقة لمتابعة مصادر رزقهم. وتتكرر في الشهادات الإشارة إلى تأخر الخدمات الأساس أو عدم انتظامها، وإلى شعورٍ متزايدٍ بأن الحل اقتصر على نقل الناس من مكانٍ إلى آخَر دون معالجة شروط استمرارهم في المدينة.

يقول للفراتس الفاضل ولد محمد، وهو معلمٌ يقيم في المقطع الثاني والعشرين بمقاطعة توجنين — وهو المقطع الذي نُقل إليه ضمن مشروع "حياة جديدة" — أنه يدرّس في منطقة ملّح، وأن أصعب ما يواجهه هو التنقل، "أقضي جزءاً كبيراً من يومِي في الطريق. أستقلّ باصين حتى أصل إلى المدرسة، ثم أعود بالطريقة نفسها. تكلفة النقل تقع على عاتقي بالكامل، ولا يوجد أيّ تعويض". وبالنسبة له فالسوق والعمل بعيدان، والنقل يكلّف بعض الأسر التي تقطع مسافاتٍ طويلةً يومياً من أجل أبسط الحاجات.

وتعقيباً على مشاريع الإسكان الجديدة، أخبرنا باب ولد سيدي أحمد لعلي، رئيس منتدى السوسيولوجيين الموريتانيين والأستاذ بوحدة الهجرة وحركة السكان بجامعة نواذيبو، أن سياسة الترحيل تسهم في إعادة إنتاج الهشاشة بدل تفكيكها. ويذهب إلى أن نقل السكان إلى أطراف المدينة لا يوقف منطق العشوائيات بقدر ما يدفعه إلى "الارتماء في الهامش" من جديد. إذ يُنقل الناس إلى هوامش بعيدةٍ تفتقر في الغالب إلى شروط الاستقرار المتكاملة، فتُعاد صياغة الهشاشة في صورةٍ أخرى، ويستمر الضغط على المدينة ولكن في مواقع جديدة.

ويردف أن المشكلة لا تختزل في توفير البنية التحتية أو تقنين الملكية وحدهما، رغم أهميتهما، بل تتعلق كذلك بما يسميه "العقليات والمسلكيات" للأفراد، أي طرائق العيش التي قد تُعيد إنتاج نمط السكن الهشّ حتى داخل فضاءاتٍ مؤهلةٍ، ما لم يرافق التدخلَ العمراني مسارٌ اجتماعيٌ يراعي تغيير العقليات وبناء معنى الاستقرار والالتزام بالمجال الجغرافي.


العشوائيات في نواكشوط ليست خللاً طارئاً أو مجرد أثرٍ لضغطٍ سكانيٍ، بل نتيجةً لمسارٍ بدأ مع نشأة العاصمة نفسها. مدينةٌ أُسِّست بقرارٍ سياسيٍ قبل أن تتكوّن حاضنةً اجتماعيةً، ثم جُعلت مركزاً للجذب الإداري والاقتصادي في بلدٍ هشّ البنية الإنتاجية. ومع الجفاف وتسارع النزوح، وعدم الاستقرار السياسي، تحوّل الهامش من استثناءٍ إلى واقعٍ بنيوي. وقد أظهرت سياسات الدولة المتعاقبة من التسامح الضمني إلى الترحيل، ثم إلى برامج الإدماج السكني أن التعامل مع العشوائيات ظلّ في الغالب محكوماً بمنطق التدبير الآنيّ أكثر من كونه جزءاً من رؤيةٍ حضريةٍ طويلة المدى. فنُقل السكان من دون ضمان شروط العيش، وأُعيد توزيع السكن من دون إعادة توزيع الفرص. وبقيت المدينة تُدار بوصفها مجالاً لتخفيف الضغط أكثر من كونها مدينةً للاندماج.

اشترك في نشرتنا البريدية