حرب إيران وتسعير النفط.. سعر الطاقة في سردية التوقعات

مع الحرب على إيران والتهديدات بإغلاق مضيق هرمز، لم تقفز أسعار النفط قفزات كبيرة كما توقع محللون. واتجهت الأسواق للتسعير بناءً على التوقعات والتقديرات السياسية أكثر من الواقع.

Share
حرب إيران وتسعير النفط.. سعر الطاقة في سردية التوقعات
النفط لم يصبح بمنأى عن الصدمات | تصميمات خاصة بالفراتس

في نوفمبر 1973 وقف الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون أمام كاميرات التلفزيون يطلب من مواطنيه التقشف، بالتوازي مع دعوته لإعادة ترتيب أولويات الاستهلاك بالكامل. وتضمن ذلك حينها طلبه من المواطنين خفض درجات حرارة التدفئة داخل منازلهم والتخلي عن الأنشطة الأقل أهمية لضمان استمرار القطاعات الحيوية. 

جاءت هذه الحزمة من الإجراءات التقشفية بعد اندلاع حرب السادس من أكتوبر سنة 1973 بين مصر وسوريا من جهة، وإسرائيل من جهة أخرى. استخدمت دولٌ عربية وقتها النفط سلاح ضغط سياسي ضد الدول الداعمة لإسرائيل، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، من خلال خفض الإنتاج وفرض حظر على بعض صادرات النفط إلى واشنطن. أدى ذلك إلى أزمة طاقة عالمية رفعت أسعار النفط بحدة، إلى جانب نقص الوقود داخل الولايات المتحدة وأوروبا، وظهرت طوابير طويلة أمام محطات الوقود. ومنذ ذلك الوقت، بدا أنه ترسخ في وعي الأسواق العالمية معادلة أنه كلما اشتعلت الحروب في الشرق الأوسط، ارتفع معها سعر النفط.

عاد الحديث عن هذه المعادلة بعد الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران نهاية فبراير 2026 وإعلان طهران غلق مضيق هرمز، الذي تعبر من خلاله نسبة من إمدادات النفط العالمية، تصاعدت التوقعات بانفجار تاريخي في الأسعار. وعلى الأثر ذهبت التقديرات إلى أن برميل النفط قد يقفز إلى مستويات غير مسبوقة مع تعطل الإمدادات واتساع الحرب في الشرق الأوسط. لكن الأسواق لم تشهد القفزة المتوقعة. فقد ارتفع سعر النفط من نحو اثنين وسبعين دولاراً قبل الحرب لقرابة مئة وعشرين دولار، بينما كانت تقديرات تتحدث عن احتمال وصوله إلى مئتي دولار للبرميل. قد توضح تلك الأرقام تغيراً في طريقة تسعير النفط خلال الأزمات، فلم تعد الأسواق تتفاعل مع الحدث العسكري نفسه بالمنطق التقليدي، بقدر ما تبني أسعارها على توقعات مدة الصراع وإمكانية احتواء الاضطراب، إلى جانب قدرة المنتجين والأسواق على إيجاد بدائل سريعة للإمدادات المفقودة.


شنت مصر وسوريا في السادس من أكتوبر سنة 1973 هجوماً على إسرائيل لاستعادة الأراضي التي احتلها الجيش الإسرائيلي في حرب الأيام الستة سنة 1967، وشملت مرتفعات الجولان السورية وشبه جزيرة سيناء المصرية وقطاع غزة الذي كان خاضعاً للإدارة المصرية، إضافة إلى الضفة الغربية والقدس الشرقية اللتين كانتا تحت الإدارة الأردنية. 

على الأثر، ردت الدول العربية الأعضاء في منظمة الأقطار العربية المصدرة للنفط "أوابك" في 17 أكتوبر 1973 برفع أسعار النفط بنسبة 70 بالمئة وخفض الإنتاج بنسبة 5 بالمئة شهرياً، وفرض حظر على شحنات النفط إلى الولايات المتحدة. شمل الحظر أيضاً هولندا وجنوب أفريقيا بسبب دعمها العسكري والدبلوماسي لإسرائيل.

في ذلك الوقت، كان إنتاج النفط في الشرق الأوسط يمثل 36 بالمئة من إنتاج النفط العالمي، بينما أدى الحظر إلى نقص عالمي بلغ أربعة ملايين وخمسمئة ألف برميل يومياً. قفز سعر البرميل من حوالي ثلاثة دولارات إلى ما يقرب من اثني عشر دولاراً.

بعد نحو ستة أعوام أعادت إيران رسم هذه المعادلة بصورة أخرى. ففي سنة 1979 أطاحت الثورة الإيرانية بشاه إيران محمد رضا بهلوي، وأسقطت معه نحو ثلاثة ملايين وتسعمئة ألف برميل  يومياً من الإنتاج العالمي، أي أقل مما أحدثه حظر 1973. ومع تراجع الإمدادات العالمية من النفط بنسبة 4 بالمئة فقط، ارتفعت الأسعار في غضون اثني عشر شهراً لتقترب من تسعة وثلاثين دولاراً للبرميل بدلاً من خمسة عشر.

جاءت الحرب العراقية الإيرانية سنة 1980 لتفاقم الاضطراب. واستمرت ثماني سنوات في سياق صراع حدودي وتنافس إقليمي طويل، ما أدى إلى خسائر بشرية واقتصادية كبيرة، إلى جانب اضطرابات متكررة في الإمدادات النفطية. وانعكست هذه الصدمات – مع عوامل أخرى في الاقتصاد الأمريكي تراكمت منذ السبعينيات – على دخول الولايات المتحدة في ركود اقتصادي جديد مطلع الثمانينيات. لذا اضطر رئيس الاحتياطي الفيدرالي حينها، بول فولكر، إلى رفع أسعار الفائدة من مستويات تأرجحت في حدود 10 بالمئة إلى نحو 20 بالمئة في محاولة لكسر دوامة التضخم.

ثم جاءت حرب الخليج سنة 1990 حادةً أيضاً لكنها كانت أقصر زمناً. فقد أدى الغزو العراقي للكويت إلى خروج نحو أربعة ملايين وثلاثمئة ألف برميل نفط يومياً من الأسواق، وقفزت الأسعار من خمسة عشر إلى اثنين وأربعين دولاراً للبرميل خلال شهرين فقط. ودخلت الولايات المتحدة في ركود اقتصادي محدود، غير أن قصر مدة الاضطراب حال دون تحولها إلى أزمة ممتدة. فمع دفع قوات التحالف العراق إلى الانسحاب واستئناف الكويت إنتاج النفط في النصف الأول من 1991، تراجعت الأسعار بسرعة نسبية واحتويت التداعيات الاقتصادية.

فرضت أحداث مشابهة نفسها في 28 فبراير 2026 عندما بدأت الولايات المتحدة وإسرائيل شن ضربات واسعة على إيران، وأعلن الحرس الثوري الإيراني بعدها بأيام إغلاق مضيق هرمز. وهو ما أدى لتوقف نحو عشرين مليون برميل يومياً، أي ما يقرب من 25 بالمئة من إمدادات النفط العالمية. وهو الحدث الذي وصفته وكالة الطاقة الدولية في 11 مارس 2026 بأنه أضخم اضطراب في تاريخ سوق النفط العالمي، وأعلنت طرح أربعمئة مليون برميل من الاحتياطي النفطي الاستراتيجي في الأسواق لمواجهة اضطرابات الإمدادات.

وفي ظل هذا التصعيد المتسارع وما أثاره من مخاوف حادة من تصاعد سعر برميل النفط وما قد يتبعه من أزمة قد تلحق بأمن الطاقة العالمي، تتبعت شبكة "سي إن بي سي" حركات أسعار النفط منذ اندلاع الحرب حتى أبريل 2026. وخلصت إلى أن الأسواق انتقلت بين الذعر والهدوء أكثر من مرة مع كل تطور عسكري أو سياسي في المنطقة. وأضاف التقرير أن خام برنت قفز بما لا يقل عن 55 بالمئة منذ بداية الحرب، وسط مخاوف من تعطل الإمدادات عبر مضيق هرمز، قبل أن تتراجع الأسعار نسبياً مع الحديث عن هدنة ومفاوضات.

وإن خبرت أسواق النفط أزمات شهدت توقعات بارتفاعات الأسعار حادة لم تتحقق بالكامل، أو انتهت بتكيف الأسواق واحتواء جزء من الصدمة، فأزمة مضيق هرمز قد تكون مختلفة وأكثر تعقيداً. فقد نقلت وكالة "بلومبرغ" في مارس 2026 عن عدد من الخبراء مقارنات مباشرة بصدمة النفط في السبعينيات، مع تحذيرات من أن استمرار الإغلاق قد يدفع سعر برميل النفط لحاجز مئتي دولار، ويمكن أن يقود ذلك إلى أزمة عالمية أوسع تمتد آثارها من آسيا إلى أوروبا. وبحسب التقرير، حذر باتريك بويانيه، الرئيس التنفيذي لشركة "توتال إنرجيز"، إحدى أكبر شركات النفط والطاقة في العالم، من أن استمرار الأزمة لأكثر من ثلاثة أو أربعة أشهر سيحولها إلى مشكلة هيكلية للعالم كله. 

أشار التقرير أيضاً إلى أن الأسواق تمكنت مؤقتاً من احتواء جزء من الصدمة عبر السحب من الاحتياطيات الاستراتيجية وتخفيف بعض العقوبات على النفط الروسي والإيراني، إضافة إلى محاولات السعودية والإمارات إعادة توجيه جزء من صادراتهما عبر خطوط أنابيب بريَّة بديلة لتجنب مرود النفط في مضيق هرمز. غير أن هذه الإجراءات محدودة ومؤقتة، والأدوات المتاحة للحكومات بدأت تنفد مع استمرار الأزمة.

وما يتجلى بالمقارنة هو أن أزمات النفط السابقة لم تتعلق فقط بحجم الإمدادات المفقودة أو سرعة ارتفاع الأسعار، بل أيضاً بالطريقة التي أصبحت بها الأسواق تتفاعل مع التدخلات السياسية والقرارات المفاجئة. فيبدو أن أسواق الطاقة لا تنتظر وقوع النقص الفعلي بقدر ما تتحرك وفق التوقعات المرتبطة بمدة الأزمة واحتمالات احتوائها أو توسعها. وبالمثل خلال الحرب على إيران، شهدت الأسواق ارتفاعاً وانخفاضاً مع تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حول أمد الحرب، أو مع خطوات مثل تخفيف القيود على النفط الروسي والإفراج عن جزء من النفط الإيراني.

تُرجم هذا التفاعل رهانات مالية – لا بالضرورة صفقات شراء نفط فعلية – داخل سوق العقود الآجلة، وهو سوق يسمح للمتداولين بالمضاربة على اتجاه الأسعار المتوقعة مستقبلاً صعوداً أو هبوطاً. 


في 26 مارس 2026، وقبل خمس عشرة دقيقة فقط من إعلان ترامب تأجيل ضربات كان قد هدد بها على منشآت النفط والطاقة الإيرانية، شهدت سوق العقود الآجلة للنفط رهانات ضخمة تجاوزت قيمتها خمسمئة مليون دولار على هبوط الأسعار. وتكرر الأمر في 7 أبريل 2026، حين دخلت صفقات بقيمة تسعمئة وخمسين مليون دولار في الاتجاه نفسه، قبل ساعات من إعلان وقف إطلاق النار لمدة أسبوعين. وهبط سعر النفط بنحو 16 بالمئة على الأثر. ثم جاءت صفقة ثالثة بقيمة سبعمئة وستين مليون دولار في 17 أبريل 2026، قبل عشرين دقيقة من إعلان وزير الخارجية الإيراني إعادة فتح مضيق هرمز. وخلال أسابيع قليلة، تجاوز إجمالي هذه الرهانات ملياري دولار.

قراءة تلك الصفقات المتلاحقة، مع مراعاة توقيتها، قد تشير إلى أن السوق لم ينتظر الخبر، بل راهن عليه. وهو ما عله يعزز أن الأسواق لم تعد تتفاعل فقط مع الوقائع بعد حدوثها وأصبحت تسعر التوقعات والإشارات السياسية قبل تحققها. وهذا، على الأقل نظرياً، متوافق مع ما توضحه فرضية كفاءة السوق التي ترى أن المعلومات المتاحة، بما فيها الإشارات السياسية، تُدمج سريعاً في الأسعار. وقد يضاف لذلك مخاطر تصاعد الصراعات، التي تفسر تقلبات أسعار الطاقة في فترات التوتر وعدم اليقين. لذا يمكن فهم التصريحات السياسية أحد مكونات "تشكيل التوقعات" في السوق، لاسيما عندما تصدر عن أطراف مؤثرة في مسارات الطاقة عالمياً مثل الإدارة الأمريكية.

من هنا بدا تصريح ترامب لشبكة "سي إن بي سي" في أبريل 2026 بأنه متفاجئ لأن النفط عند تسعين دولاراً وليس مئتين، أقرب إلى رسالة طمأنة للسوق منه إلى مجرد تعليق عابر على الأسعار. وقد حمل ذلك في طياته ربما إشارة ضمنية إلى أن الإدارة الأمريكية لا ترى أن الأزمة تتجه نحو تصعيد واسع يبرر قفزات أكبر في الأسعار. ويبدو أن السوق التقط تلك الإشارة حتى قبل أن ينهي الرئيس حديثه.

هذه الظاهرة ليست وليدة حرب 2026. ففي سوق العقود الآجلة للنفط لا يحتاج المتداول إلى شراء برميل واحد فعلياً حتى يراهن على اتجاه الأسعار، وفق تقرير بعنوان "جيوبوليتيك سيغنلز [. . .]" (إشارات جيوسياسية [. . .]) نشرته الجامعة السويسرية الدولية في 18 أبريل 2026 حول نزاهة سوق النفط في ظل أزمات مضيق هرمز. ويشير التقرير إلى أن رهانات مالية محدودة نسبياً على تحولات سياسية متوقعة ربما تكون كافية لتحريك الأسعار بوتيرة تتجاوز حجم الاضطراب الحقيقي في الإمدادات، وبصرف النظر عن حجم النفط المتاح في السوق.

ولفت التقرير إلى ما وصفه بسلسلة من الصفقات المثالية التوقيت التي سبقت إعلانات سياسية وعسكرية بدقائق، وعلى رأسها وقف إطلاق النار. فهذا النمط يثير تساؤلات حول عدم تكافؤ المعلومات داخل السوق، أي احتمال امتلاك بعض المتداولين معلومات لم تكن متاحة لبقية المستثمرين. كذلك فهذه التحركات لا تعكس فقط توقعات اقتصادية، إنما تكشف أيضاً مدى تأثير القرارات السياسية والتصريحات الرئاسية المباشرة على تسعير النفط العالمي.

وإلى جانب تصريحات ترامب والمعلومات المتداولة التي ساهمت بمنع صعود مضطرد في الأسعار، جاءت سرديات موازية عن الحرب تشكلت مع بدايتها لتؤثر على أسعار النفط. الأولى هي أن الحرب ستكون قصيرة لأن إيران لا تستطيع الصمود طويلاً أمام القوة العسكرية الأمريكية والإسرائيلية. وهذا ما تبين في تصريحات الرئيس ترامب في  1 أبريل 2026، أي بعد ثلاثة أيام من بدء الحملة العسكرية على إيران، بأن أهداف الحرب باتت قريبة من التحقق "خلال فترة قصيرة، قصيرة للغاية". والثانية أن الاقتصاد العالمي نظرياً قد لا يتحمل أسعاراً مبالغ فيها ربما تسبب التضخم وتباطؤ النمو، ما يرفع كلفة عدم الاستقرار في أسواق الطاقة ويؤدي لتراجع في شهية المخاطرة. وبالتالي ربما يمكن التكهن أن الضغط السياسي سيجبر الأطراف على التفاوض قبل أن تبلغ الأزمة ذروتها. وهذا حكماً على نماذج سابقة، مثل حرب 1973 وحرب الخليج 1990. 

التقط المحللون هذه الإشارات، فقال كبير الاقتصاديين في شركة الاستثمارات "إيستسبرينغ إنفستمنتس"، راي فاريس، في تقرير نشره موقع "سي إن بي سي" الإخباري في أبريل 2026، إن المستثمرين بدأوا يستبعدون السيناريوهات الأكثر تشاؤماً، وعلى رأسها احتمال وصول النفط إلى مئتي دولار للبرميل مع عودة التركيز مجدداً إلى أرباح الشركات والأساسيات الاقتصادية. وبالمثل، في نفس التقرير، اعتبرت الرئيسة المشاركة لاستراتيجية الاستثمار العالمية في "جي بي مورغان برايفت بنك"، غريس بيترز، أن المستثمرين عادوا للنظر إلى المؤشرات الاقتصادية الأساس، وأن الأسواق اعتادت التعامل مع الصدمات المتعلقة بالصراعات أحداثاً مؤقتة غالباً ما يتبعها تعافٍ سريع.

لم تغير تلك التوقعات الواقع بل غيرت طريقة رؤيته في عيون المستثمرين. فبدلاً من أن يسعر السوق سيناريو استمرار إغلاق هرمز لأشهر طويلة، وهو ما كان سيدفع الأسعار نحو مئتي دولار، اتجه ليسعِّر بناء على احتمال الوصول إلى حل تفاوضي قريب.

وفق تحليل نشره مركز الدراسات الاستراتيجية الأمريكي "سي إس أي إس" في أبريل 2026 بعنوان "هاو تو انتيربرت وورتايم أويل برايسس" (كيف تثمن أسعار النفط وقت الحرب)، فالنتيجة المباشرة لذلك هي أن سوق النفط الفعلية وسوق النفط الورقية انفصلا عن بعضهما. فبدا وكأن لكل منهما آليات تسعير مختلفة لكنها مترابطة. وأسعار النفط الفعلية هي الأسعار التي يدفعها المشترون والبائعون مقابل تسليم شحنات من النفط خلال فترة تتراوح بين أسبوعين وأربعة أسابيع. ويشمل ذلك منتجي النفط والمشترين الأساسيين للنفط الخام. أما أسعار النفط الورقية فهي أسعار العقود المالية المرتبطة بالنفط الذي سيُسلم في شهر مستقبلي، إلى جانب عقود المبادلة النفطية التي تبرم غالباً بشكل خاص خارج البورصات الرسمية.

ويضم السوق الفعلي منتجي النفط والتجار الوسطاء الذين يحددون أسعار صفقات النفط الحقيقية. في المقابل، تُستخدم السوق الورقية أساساً للتحوط من مخاطر الأسعار أو للمضاربة المالية. والفرق الجوهري أن التداول في السوق الورقية نادراً ما ينتهي بتسليم أو استلام نفط فعلي، فيغلق المتعاملون عادة عقودهم بعقود معاكسة قبل موعد الاستحقاق. بمعنى أن معظم المتعاملين في هذا السياق لا يستلمون النفط فعلياً، بل ينهون عقودهم بعمليات بيع وشراء مقابلة قبل موعد التسليم.

يضيف التقرير أنه في الظروف الطبيعية تتحرك أسعار النفط الفعلية وأسعار العقود الآجلة بصورة شبه متطابقة، ولا يتجاوز الفارق بينهما بضعة سنتات للبرميل، لأن السوق يفترض أن الأسعار الحالية والمستقبلية تعكس التوازن نفسه تقريباً بين العرض والطلب.

لكن الأزمة التي خلقتها الحرب على إيران، مثلما يبين التقرير، كسرت هذا التوازن. فمع توقف أكثر من عشر ملايين برميل يومياً من صادرات الخليج في مضيق هرمز، أصبحت المصافي وشركات التكرير بحاجة عاجلة إلى النفط الفعلي لتفادي خفض الإنتاج أو توقف بعض الوحدات، ما دفعها إلى شراء الإمدادات القريبة بأي سعر تقريباً. وفي المقابل، ظل جزء كبير من المتداولين في سوق العقود الآجلة أكثر حذراً، مراهنين على أن الأزمة لن تستمر طويلاً وأن التسويات السياسية ستعيد جزءاً من الإمدادات لاحقاً. من هنا اتسعت الفجوة بين السوقين، وبلغ الفارق بينهما في بداية أبريل نحو ثلاثين دولاراً للبرميل.

وفي الوقت ذاته لجأت الإدارة الأمريكية إلى قرارات تبدو متناقضة مع منطق الحرب ذاتها، لكنها في جوهرها كانت أدوات لإدارة توقعات السوق والأسعار. إذ أنه في 12 مارس 2026، بعد أسبوعين من اندلاع الحرب، رفعت وزارة الخزانة الأمريكية مؤقتاً العقوبات المفروضة على شحنات النفط الروسي. وهي الخطوة التي وصفتها صحيفة "واشنطن بوست" في اليوم التالي بأنها محاولة صريحة لتهدئة الأسواق وتقليل التداعيات الاقتصادية للحرب على إيران.

لم ينته الأمر على ذلك، فبعد ثمانية أيام من قرار وزارة الخزانة تجاه روسيا، أصدر مكتب مراقبة الأصول الأجنبية رخصةً عامة أجازت لمدة ثلاثين يوماً بيع النفط الإيراني المحمل على ناقلات في عرض البحر وتسليمه للأسواق العالمية. وهو النفط الذي كانت العقوبات تحول دون وصوله لوجهته قبل الحرب. وأعلن وزير الخزانة، سكوت بيسنت، أن هذه الرخصة ستتيح نحو مئة وأربعين مليون برميل إضافية للسوق، مضيفاً أن الهدف هو "استخدام براميل للضغط على طهران للإبقاء على الأسعار منخفضة".

بدا المشهد متناقضاً. فبينما كانت الولايات المتحدة تواصل حربها ضد طهران، سمحت بتدفق مزيد من النفط الإيراني إلى الأسواق، إلى جانب تخفيف القيود على بعض شحنات النفط الروسي. هذه القرارات ارتبطت بمحاولات احتواء الارتفاع الحاد في أسعار الوقود، إضافة إلى أنها جاءت تزامناً مع انتخابات التجديد النصفي للكونغرس. وأشارت شبكة "سي إن بي سي" في 20 مارس إلى أن الإعفاءات النفطية عكست مخاوف داخل البيت الأبيض من أن استمرار ارتفاع أسعار النفط قد يضر بمرشحي الحزب الجمهوري في الانتخابات.

لذا يبدو أن ما جرى في سوق النفط خلال 2026 يعكس ما وصفه الاقتصادي الأمريكي روبرت شيلر في نظريته حول اقتصاد السرديات، التي تفترض أن الأسواق لا تتحرك فقط وفق البيانات المادية والأساسيات الاقتصادية، بل أيضاً وفق القصص والتصورات الجماعية التي تنتشر بين المستثمرين وصناع القرار والإعلام. فالسوق، في حالة الحرب الإيرانية، لم يتفاعل فقط مع حجم النفط المفقود أو معطيات العرض والطلب المباشرة، بل مع التوقعات حول اتجاه الحرب نفسها.

نشر شيلر بحثاً بعنوان "إيكونوميك نراتيف" (اقتصاد السرديات)، سنة 2017، طرح خلاله أن الأسواق لا تتحرك بالبيانات وحدها، بل بالقصص التي تبنى حول هذه البيانات وتنتشر بين المستثمرين. فالعقل البشري، بحسب شيلر، مهيأ دائماً نحو السرديات سواء كانت حقيقية أم لا لتبرير السلوك الجاري، حتى في أبسط قرارات الإنفاق والاستثمار. لذا عندما تنتشر هذه السرديات بصورة واسعة، تتحول إلى قوة قادرة على تحريك الأسعار بمعزل جزئي عن الواقع الفعلي. 

وفي بيئة تتحرك فيها الأسواق بالسرديات وتدفق المعلومات اليومية القادمة من الشركات والحكومات ووسائل الإعلام، فالتقارير الربعية (تعلن فيها الشركات كل ثلاثة أشهر أداءها المالي مؤشراً على صحة الاقتصاد والشركات المدرجة في البورصة)، وبيانات التضخم والمخزونات، وتغطية القنوات الاقتصادية للحرب وأسواق الطاقة تغذو جميعها أدوات تشكل صورة الأزمة في أذهان المستثمرين. كذلك تدفع الأسواق باستمرار إلى إعادة تقييم ما إذا كانت الحرب تمثل صدمة مؤقتة أم بداية أزمة اقتصادية أطول مدى.


رصدت شبكة "سي إن إن" في أبريل 2026 مفارقة في سلوك الأسواق في التعامل مع الأزمة. فبينما كانت ناقلات النفط تواجه صعوبة في عبور مضيق هرمز، سجل مؤشر "ستاندرد آند بورز 500"، أحد أبرز مؤشرات الأسهم الأمريكية، مستويات قياسية. ونقل التقرير عن ريك غاردنر، المدير الاستثماري في مؤسسة "آر جي إيه إنفستمنتس" المتخصصة في إدارة الاستثمارات، قوله إن ارتفاع الأسهم لم يكن مرتبطاً فقط بتراجع المخاوف من التصعيد مع إيران. ويعزو المتحدث ذلك أيضاً لإرهاق المستثمرين بعد أسابيع من التقلبات الحادة، إلى جانب صدور نتائج مالية قوية من عدد من الشركات الأمريكية الكبرى في بداية موسم النتائج الربعية.

ينقل تقرير الشبكة أيضاً عن بيانات شركة "فاكت ست"، المتخصصة في التحليلات المالية، قراءةً في كيفية رؤية المستثمرين للأزمة. ويتبين من البيانات أن مع أجواء الحرب والتقلبات، جاء موسم إعلان الشركات تقاريرها المالية الربعية، ونحو خُمس الشركات المدرجة في مؤشر "ستاندرد آند بورز 500" أعلنت نتائج تجاوزت 86 بالمئة منها توقعات المحللين بشأن الأرباح.

بجانب التقارير الربعية جاءت التقارير الاقتصادية الدولية التي رسمت سيناريوهات المستقبل. منها تقرير صندوق النقد الدولي بعنوان "وار داركنز جلوبال إيكونوميك آوتلوك [. . .]" (الحرب تلقي بظلالها على الاقتصاد العالمي وتعيد تشكيل أولويات السياسات الاقتصادية). وقد بنى التقرير على افتراض أن الحرب ستكون محدودة المدة والحدة والنطاق، مع ارتفاع معتدل بنحو 19 بالمئة في أسعار الطاقة خلال 2026.

غير أن تقرير الصندوق استدرك إنه إذا استمر إغلاق مضيق هرمز لفترة أطول فإن تداعيات الأزمة على الاقتصاد العالمي ستكون أعمق. وافترض ارتفاعاً أكبر في أسعار الطاقة، وتراجع النمو العالمي إلى 2.5 بالمئة، ومن ثم ارتفاع التضخم إلى 5.4 بالمئة. وفي السيناريو الأكثر حدة الذي تمتد فيه اضطرابات إمدادات الطاقة إلى 2027، توقع التقرير تراجع النمو العالمي إلى 2 بالمئة وتجاوز التضخم 6 بالمئة. 

وفي سياق موازٍ لمحاولة التأثير على سوق الطاقة، سعت الإدارة الأمريكية منذ الأيام الأولى للمواجهة إلى ترسيخ سرديتها إعلامياً بأن الحرب قصيرة الأمد، وأن إيران في حالة إنهاك. لهذا تعرضت تقارير إعلامية عدة لهجوم من مسؤولين أمريكيين عندما بدت متعارضة مع هذه السردية.

من أبرز تلك الوقائع ما حدث مع كبير المراسلين بشبكة "سي إن إن"، فريدريك بليتغن، الذي دخل إيران في الخامس من مارس 2026، ليصبح أول صحفي من شبكة أمريكية يصل إلى طهران بعد بدء الضربات. وخلال تقرير بثه مباشرة من أحد شوارع العاصمة الإيرانية أثناء توقفه لشرب القهوة، قال بليتغن إنه شاهد مبانٍ مدمرة ودخاناً كثيفاً ونقاط تفتيش مسلحة، لكنه لم يلحظ أي مظهر لانهيار النظام. وأضاف أن المحال التجارية كانت مفتوحة ومليئة بالبضائع، بما في ذلك الفواكه والخضروات الطازجة، وأنه لم يشاهد طوابير أمام محطات الوقود أو مظاهر ذعر في الشوارع.

جاء رد الفعل من الإدارة الأمريكية سريعاً، ونشر مساعد وزير الخارجية للشؤون الإعلامية العامة والمسؤول عن الرسائل الإعلامية والتواصل الاستراتيجي ديلان جونسون، تعليقاً على منصة "إكس" قال فيه: "يبدو أن أحدهم اشترى لهذا الرجل قهوة"، متهماً الشبكة بالترويج لدعاية مؤيدة للنظام الإيراني.

تعليق جونسون أثار موجة من التعليقات من مؤثرين محافظين ومؤيدين لتيار "ماغا" (اجعلوا أمريكا عظيمة مجدداً)، وكتبوا آراء تهاجم شبكة "سي إن إن". وفي وقت لاحق، قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية لمراسلة الشؤون الدبلوماسية ميشيل كيليمان في إذاعة "إن بي آر"، إن الإدارة الأمريكية تشجع وسائل الإعلام على التحقق من المعلومات مع المصادر الرسمية للحكومة الأمريكية قبل النشر.

ظهر ذلك أيضاً في انتقادات وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث للتغطية الإعلامية. فقد هاجم وسائل الإعلام في مؤتمر صحفي عقده في البنتاغون في مارس 2026. واقترح على القنوات الإخبارية استبدال العبارات المستخدمة على الشاشة مثل "الحرب في الشرق الأوسط تتصاعد" بعبارات يراها أكثر ملاءمة، مثل "إيران تزداد يأساً". وخلال المؤتمر، انتقد هيغسيث أيضاً تقريراً لشبكة "سي إن إن" تناول تقليل إدارة ترامب من تقدير التأثير المحتمل للحرب على إيران.

وجه البيت الأبيض بعد المؤتمر أيضاً عدة هجمات على "سي إن إن"، بينها الاعتراض على بث تصريحات منسوبة إلى المرشد الأعلى الإيراني الجديد في أول ظهور علني له. وأصدر البيت الأبيض بياناً اتهم فيه الشبكة من دون تقديم أدلة بالكذب من أجل التقليل من نجاح العملية العسكرية الأمريكية.

وانضم ترامب نفسه إلى حملة هجوم إدارته على وسائل الإعلام غير المنضبطة مع روايته للأحداث، وكتب على منصته الخاصة "تروث سوشال" في أبريل 2026 أنه يكسب الحرب، مضيفاً: "لو قرأت الأخبار الزائفة النيويورك تايمز الفاشلة [. . .] ووول ستريت جورنال الفظيعة المقززة، ستعتقد أننا نخسر الحرب".

يتفق هذا المنحى مع ما طرحه الاقتصادي الأمريكي لودفيغ لودفيغسن في ورقة بحثية نشرها بنك الاحتياطي الفيدرالي بدالاس في مارس 2026، بعنوان "ذا ايمبكت أوف 2026 إيران [. . .]" (تأثير حرب إيران 2026 على التضخم في الولايات المتحدة: تحليل للسيناريوهات). في الورقة أوضح لودفيغسن أن العامل الحاسم في تسعير الأسواق لا يتمثل فقط في حجم الاضطراب، بل أيضاً في المدة التي يتوقع المستثمرون أن يستمر خلالها. وقد يكشف هذا النمط، من منظور الكاتب، أن السردية المهيمنة عن مآل الحرب قصيرة أم طويلة، منتصرة أم متعثرة، هي أحد المحددات الرئيسة لأسعار النفط في الأسواق. من هنا فالسوق الذي يقرأ عناوين مثل "إيران تزداد يأساً" يسعر بشكل مختلف عن سوق يقرأ "الحرب تتصاعد في الشرق الأوسط".

ولمح رئيس البرلمان الإيراني، محمد باقر قاليباف، إلى هذا حين علق على ما أسماه ظاهرة تداول المزاج في أسواق النفط، مشيراً إلى أن المضاربة بتصريحات ترامب باتت تحرك الأسعار بمعزل عن الواقع. وكتب على منصة إكس، أن المضاربة على النفط الرقمي وفقاً للمزاج العام تشبه التحوط في سندات الخزانة الأمريكية بناءً على الانطباعات خلال فترات التوتر المرتبطة بمضيق هرمز. كلاهما برأيه يقومان على بناء هش يبدو منطقياً على الورق فقط.

أضاف قاليباف أن الفرق في أن النفط على الأقل لديه مرجعية فعلية، أما سندات الخزانة فالأمر قائم بالكامل على التوقعات والانطباعات المتقلبة حتى النهاية.


في نوفمبر 1973 حين وقف نيكسون أمام كاميرات التلفزيون يطلب من الأمريكيين التقشف، كان السوق يتفاعل مباشرة مع غياب النفط، دون عقود آجلة تتيح للمتداولين رهن مستقبل السعر قبل أن يتشكل. لم يكن أمام السوق إلا أن يترجم الخوف مباشرة إلى ارتفاع في أسعار الوقود. وفي 2026 اختلف المشهد، فلم يعد السوق يضع أسعار الصدمة كما تقع، بل أسعار السيناريوهات المحتملة لنهايتها.

تضافرت في هذا التسعير آليات لم تكن موجودة في السبعينيات، في مقدمتها الاحتياطيات الاستراتيجية والتصريحات السياسية، إلى جانب القرارات المفاجئة التي كسرت منطق الحرب لصالح منطق الأسعار، علاوةً على التأطير الإعلامي والمالي الذي حول الحرب إلى أزمة مؤقتة قابلة للحل.

لا يعني هذا أن النفط أصبح بمنأى عن الصدمات. فأسعار الوقود ارتفعت فعلاً، والمستهلك في أمريكا دفع ثمناً فعلياً. لكن ما يبدو أنه تغير هو آليات تحريك الأسعار في السوق الذي لا يرد على الحرب كما تنشب، بل يسعر احتمالاتها وينتظر إشارات نهايتها. وفي الفضاء الفاصل بين الواقع والتوقع، تتشكل أسعار النفط، لا في غرف مفاوضات بل في تغريدة رئيس، وفي رهانات وضعت قبل خمس عشرة دقيقة من إعلان لم يحدث بعد. وفي قرار محرر تلفزيوني باختيار عنوان جذاب من كلمتين على شاشة تراقبها الأسواق.

اشترك في نشرتنا البريدية