أطفال المهاجرين في الولايات المتحدة.. حين تتقدَّم الحدود على الطفولة

مع اتساع منظومة حماية الطفل في الولايات المتحدة، ظل احتجاز أطفال المهاجرين غير النظاميين حاضراً على تعاقب الإدارات، ليثير جدلاً قانونياً وحقوقياً حول التعارض بين سياسات الهجرة وضمان المصلحة الفضلى للطفل.

Share
أطفال المهاجرين في الولايات المتحدة.. حين تتقدَّم الحدود على الطفولة
فجوةٌ بين النص والتطبيق | تصميم خاص بالفراتس

في قصاصة مطوية ينتقل رقم هاتف الصحفية الاستقصائية ليديا تيرازاس، المراسلة في شبكة "إن بلس يونيفيجن" الناطقة بالإسبانية، بين أيدي آلاف الأسر العالقة داخل مركز ديلّي، أحد مراكز احتجاز العائلات المهاجرة في ولاية تكساس جنوب الولايات المتحدة. يتحول الرقم داخل المكان إلى ما يشبه شريان نجاة، وأملاً بإيصال أصوات أطفال محاصرة خلف جدران إسمنتية، لا يعرف القابعون بها سوى الانتظار والخوف. في الخارج، تقف ليديا ساعات وتتردد على المكان أياماً تراقب ما يحدث داخل الجدران. تتواصل مع الأسر والمحامين والمنظمات الحقوقية لنقل شهادات الأطفال وأسرهم إلى العلن.

منذ عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض في ولايته الثانية 2025، احتُجز ما لا يقل عن خمسمئة رضيع وطفل دون الثالثة بصحبة ذويهم في مراكز احتجاز المهاجرين حتى يونيو 2026. وأظهرت بيانات إدارة الهجرة والجمارك الأمريكية (المعروفة باختصار "آيس") ازدياداً ملحوظاً في عدد الأطفال المحتجزين بعمر ثلاثة أعوام أو أقل. وبين يناير ومارس سنة 2025، احتُجز ما لا يقل عن خمسة وعشرين رضيعاً وطفلاً يومياً وفق تحليل أجرته مؤسسة "مارشال بروجكت" المتخصصة في تغطية قضايا العدالة الجنائية والسجون بالتعاون مع منصة "إم إس ناو" في يونيو 2026، استناداً إلى سجلات حصل عليها "ديبورتيشن داتا بروجيكت" (مشروع بيانات الترحيل) المدعوم من اتحاد الحريات المدنية بالولايات المتحدة. ويمثل هذا الرقم زيادة بمقدار عشرة أضعاف مقارنة بالشهور الاثني عشر الأخيرة من إدارة الرئيس السابق جو بايدن، حين كان متوسط عدد الرضع والأطفال الصغار المحتجزين يومياً أقل من ثلاثة أطفال فقط على مستوى البلاد. 

واشتكى عدد من الآباء من ظروف الاحتجاز التي حاقت بأطفالهم، وتركتهم في عزلة، وأضرت بنموهم الجسدي والذهني. ولم تستجب إدارة الهجرة والجمارك الأمريكية لطلب القائمين على التحليل في التعليق على الزيادة الكبيرة في عدد الأطفال المحتجزين. واكتفت بالتعليق في بيان عبر البريد الإلكتروني أن العائلات تتلقى الغذاء والماء والرعاية الطبية المناسبة. 

تشير تلك الوقائع إلى ارتباك في منظومة حماية الطفل، التي بدت طيلة عقود مبدأً راسخاً في المنظومة القانونية الأمريكية، التي تنص في تشريعاتها وأحكامها القضائية على إعطاء الأولوية لمصلحة الطفل الفضلى مهما كانت جنسيته أو وضعه القانوني. إلا أن مراكز احتجاز المهاجرين تبرز صورة مختلفة، حيث يقبع آلاف أطفال الأسر المهاجرة داخل منظومة احتجاز وإجراءات قد تمتد من أيام إلى أسابيع، وأحياناً مُدداً أطول، تقدَّم فيها ملاحقة المهاجرين على معايير حماية الأطفال.


تعود جذور منظومة حماية الطفل في الولايات المتحدة إلى التحولات الاجتماعية والصناعية في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين. آنذاك انتشرت عمالة الأطفال في المصانع والورش. ومع تصاعد الحركات الإصلاحية المناهضة عمالةَ الأطفال دعا نشطاء ومصلحون اجتماعيون إلى تدخل الدولة للحد من استغلال الأطفال ولفرض قيود قانونية على تشغيلهم.

منذ الثورة الصناعية وحتى ثلاثينيات القرن العشرين، عمل الأطفال بالولايات المتحدة في مهن متعددة. إذ ساعد إدخال الآلات إلى تبسيط كثير من الأعمال، وأصبح الأطفال قادرين على تشغيلها بأبسط خبرة. وارتبطت عمالة الأطفال برغبة الولايات المتحدة حينئذ في بناء قطاع صناعي مستقل، فسمح للنساء والأطفال بالعمل في المصانع. وعزز الأمر عدد من الشخصيات المؤثرة في هذا الوقت، فأشار وزير الخزانة الأمريكي ألكسندر هاملتون في تقريره عن الصناعة سنة  1791، إلى أن الأطفال دون عمل يمكن أن يصبحوا مصدراً لليد العاملة الرخيصة. ودعت إعلانات منشورة في مطلع القرن التاسع عشر الأطفال بين ثمانية أعوام واثني عشر إلى العمل في مصانع القطن. وفي 1820 شكلت عمالة الأطفال 40 بالمئة من العاملين في مصانع النسيج في ثلاث ولايات أمريكية. ملّك النظامُ القانوني وقتئذٍ الآباءَ أمرَ أجور أبنائهم لتصبح جزءاً من دخل الأسرة. 

على الجانب الآخر من المحيط الأطلسي، ونتيجةً لدعوات مصلحين اجتماعيين، بدأت المملكة المتحدة، التي كان الأطفال يحيون فيها ظروفاً مشابهة، بسنّ قوانين لحماية الأطفال قبل انتصاف القرن التاسع عشر. فسنّت قوانين تُلزم أصحاب المصانع بتحديد ساعات لعمل الأطفال وتعليمهم القراءة والكتابة والإنفاق على رعايتهم صحياً خصوصاً من الأمراض الناجمة عن العمل. سعى هؤلاء المصلحون إلى رفع تكلفة عمالة الأطفال على أصحاب المصانع، إذ إن تدنّي أجور الأطفال كان الدافع الرئيس في التوسع في توظيفهم. 

في الولايات المتحدة، لم تكلّل جهود من حاولوا استصدار قوانين لحماية الأطفال بالنجاح ذاته، بسبب التركيبة السياسية والاجتماعية للولايات المتحدة التي يرتبط فيها المال بالسياسة بدرجة أكبر، بحسب دراسة "هيستوري أوف تشايلد ليبور إن ذا يونايتد ستيتس- بارت 2" (تاريخ عمالة الأطفال في الولايات المتحدة - الجزء الثاني) لمايكل شومان المنشورة في 2017. ولم ينجح مصلحو الولايات المتحدة في استصدار قوانين على مستوى الولايات (لا قوانين فيدرالية)، إلا بعد تعدد حوادث موت أطفال عديدين حرقاً أو اختناقاً في حرائق مصانع ومعامل معالجة قطن في سبعينيات القرن التاسع عشر. حينئذ صدرت قوانين محدودة على مستوى الولايات لوضع حدود دنيا متفاوتة بتفاوت الولايات لأعمار الأطفال المسموح بتشغيلهم. لاحقاً أتت قوانين حماية الطفل في الولايات المتحدة من بوابة أخرى، وهي بوابة ممارسة العنف عليهم من مقدمي الرعاية.   

ونجمت عن قضية الطفلة ماري إلين في نيويورك سنة 1874 فكرة إطار قانوني لحماية الأطفال. نالت ماري سوء معاملة جسدية، كالضرب المتكرر والحبس وسوء التغذية على مدار ستة أعوام، على يد السيدة التي تولت رعايتها. وحينئذ لم تكن هناك تشريعات للحد من العنف ضد الأطفال، فنُظر في قضيتها بدايةً وفق قوانين مكافحة القسوة تجاه الحيوانات. حتى تأسست الجمعية الأمريكية لمنع القسوة على الأطفال في 1875، المعروفة حالياً بِاسم جمعية نيويورك للتشافي.

ومع دخول القرن العشرين، بدأت الدولة في بناء إطار أكثر تنظيماً لحماية الأطفال. ففي سنة 1912 أُنشئ مكتب شؤون الأطفال، أول جهة فيدرالية مخصصة لمتابعة شؤون الأطفال والأسر. وفي سنواته الأولى ركز المكتب على جمع البيانات حول أوضاع الأطفال والأمهات، وخفض معدلات وفيات الرضع، ونشر التوعية الصحية للأسر. 

بعد الحرب العالمية الثانية، بدأت الحكومة الفيدرالية بتوزيع صلاحيات رعاية الأطفال بين وكالات متعددة. فكانت قضايا إساءة معاملة الأطفال والتبني والرعاية البديلة من اختصاص إدارة شؤون الأطفال والأسر ومكتب الأطفال، وتولت وزارة العدل قضايا استغلال الأطفال والجرائم المرتكبة بحقهم، في حين اهتمت وزارة التعليم الأمريكية بحماية حقوق الأطفال داخل المؤسسات التعليمية. وفي سنة 1946 قُلّصت مكانة مكتب شؤون الأطفال وأُوكِلت إليه أدوار أقل تنفيذية وأكثر استشارية. ومع انتقال برامج الصحة والرعاية الاجتماعية إلى مؤسسات أخرى، تراجع دوره تدريجياً للعمل مركزاً للمعرفة والسياسات المتعلقة بالطفولة. وبحلول السبعينيات قل ارتباط المكتب ببرامج الصحة، وركز على حماية الأطفال من الإهمال والعنف، والرقابة على التزام الولايات المختلفة بأنظمة الرعاية الاجتماعية.

وانتقلت الولايات المتحدة لإنشاء إطار قانوني للتعامل مع قضية العنف ضد الأطفال. وأقر الكونغرس سنة 1974 قانون منع إساءة معاملة الأطفال، الذي ربط بين التمويل الفيدرالي وضرورة وجود أنظمة إبلاغ واستجابة لحماية الأطفال في كل الولايات. ووضع القانون شرطاً للحصول على المنح الفيدرالية المخصصة للولايات. فبموجب القانون تعيّن على الولايات أن تضع إجراءات لتلقي بلاغات الإساءة أو الإهمال والاستجابة لها، وأن تضمن سلامة الأطفال. كذلك وجب أن تعتمد تعريفاً لإساءة معاملة الأطفال وإهمالهم يتوافق مع تعريف القانون. ويعرّف القانون العنف بأنه -في حده الأدنى- أيّ فعل أو امتناع عن فعل من جانب أحد الوالدين أو القائمين على الرعاية يؤدي إلى الوفاة أو إلى ضرر جسدي أو نفسي جسيم، أو إلى إساءة أو استغلال جنسي، أو أيّ فعل أو امتناع عن فعل يخلق خطراً وشيكاً بوقوع ضرر جسيم. وترك القانون تحديد العقوبات الجنائية للولايات، وألزمها -كلّاً على حدة- بإنشاء آليات للإبلاغ والتحقيق والتدخل لحماية الأطفال المعرضين للخطر.

يجدد الكونغرس الأمريكي دورياً إنفاذ القانون، مضيفاً إليه نصوص ومواد توسع نطاق الحماية التي يكفلها، وتضمن أيضاً تكيف برامجه مع التحديات المستجدة التي يواجهها الأطفال ومقدمي الرعاية لهم. وفي 2021 جُدد العمل بالقانون مع توسعة نطاق ما يُعد إساءة معاملة للأطفال أو إهمالاً لهم. فأدخلت على نصوصه مواد تُعاقب على نقل حضانة الطفل إلى شخص آخر لرعايته دون ضمان سلامته. ودعا القانون في نصوصه المعدلة والمضافة إلى مراعاة الآثار النفسية التي تتركها التجارب الصادمة على الأطفال عند التعامل مع حالات الإساءة وعند التحقيق فيها. وفرض قرار تجديد العمل بالقانون التزامات جديدة على الولايات لتحسين إدارة البيانات الشخصية للأطفال والأسر، والبيانات العامة للحالات، ومحددات الإفصاح عنها.

وبات واجباً على الولايات التي تتلقى تمويلاً فيدرالياً تقديم بيانات تفصيلية بالحالات التي تلقتها، على أن تُبلَّغ البيانات وفق معايير حمائية. أيضاً أنشأ قرار تجديد العمل بالقانون فصلاً للرعاية الصحية لمنع وفيات الأطفال الناتجة عن سوء المعاملة. وألزم الولايات بسرعة ودقة الإبلاغ عن هذه الحوادث واستخدام البيانات المجمعة لإجراء إصلاحات مؤسسية، إلى جانب تحليل المعلومات لتحديد عوامل الخطر الفردية والأسرية والمجتمعية المرتبطة باحتمالات وفاة الأطفال. وعززت التعديلات الدعم المقدم للأطفال المولودين لأسر يتعاطى واحد على الأقل من مقدمي الرعاية فيها المواد المخدرة، وحدد القانون التركيز على مساعدة الأسرة سبيلاً لدعم وحماية الطفل. وذلك من خلال خطوات منها توفير خطط رعاية وتدخل متكاملة للرضع والأمهات، وتوسيع فرص العلاج وإعادة التأهيل والدعم الصحي والسلوكي للوالدين.

وبالتوازي مع التطور التشريعي، تشكلت في الولايات المتحدة بنية مؤسساتية لحماية الطفل تضم خدمات الرعاية الاجتماعية والنيابات المتخصصة ونظام الرعاية البديلة، إلى جانب شبكة من التعاون مع المدارس والمؤسسات الصحية. ففي سنة 1980 أُقر قانون المساعدة على التبني ورعاية الطفل لوضع أسس لنظام الرعاية البديلة وحماية الأطفال. وفي 1985 تشكلت مراكز مناصرة الأطفال في حالات الإساءة. وعزز قانون التبني والأسر الآمنة سنة 1997 أولوية سلامة الطفل واستقراره الدائم في قرارات الرعاية البديلة والتبني. 

صيغت هذه المنظومة حول مفهوم أحقية الطفل في الحماية، دون أن يربط القانون هذه الحماية صراحة بالجنسية أو بأصل الوالدين. وفي المقابل، هذا الاتساع في الصياغة لم يمنع بروز تساؤلات قانونية وسياسية حول فعالية هذه الحماية عندما يتعلق الأمر بالأطفال غير المواطنين أو المنتمين إلى أسر مهاجرة، ومدى استفادتهم من الضمانات التي يوفرها القانون.


استندت منظومة حماية الطفل إلى أن سلامته أولوية تتجاوز الاعتبارات الأخرى. ومع تطبيق هذا المبدأ ظهرت اعتبارات أخرى تتعلق بالأطفال المهاجرين وأسرهم، لتتقابل كلٌّ من الحماية مع سياسات الهجرة. 

 تتعامل السلطات الأمريكية مع الأطفال المهاجرين عبر منظومة متعددة الجهات، أبرزها مكتب إعادة توطين اللاجئين التابع لوزارة الصحة والخدمات الإنسانية، وهو الجهة المسؤولة عن رعاية الأطفال غير المصحوبين بذويهم بعد توقيفهم على الحدود أو دخولهم البلاد. ويُفترض أن يوفر هذا النظام بيئة رعاية مؤقتة إلى حين تسليم الطفل إلى كفيل أو أحد الأقارب داخل الولايات المتحدة. وهو النظام المعروف باسم تسوية "فلوريس"، التي توصل إليها طرفا القضية المرفوعة سنة 1985 من مركز حقوق الإنسان والقانون الدستوري نيابة عن مجموعة من الأطفال المهاجرين ضد الحكومة الأمريكية. وطعنت الدعوى في سياسات الحكومة الأمريكية الخاصة باحتجاز الأطفال المهاجرين لفترات طويلة، وإيداعهم مع بالغين لا تربطهم بهم صلة. 

وضعت التسوية التي توصل إليها الطرفان سنة 1997 مجموعة من المبادئ الملزمة للحكومة وهيئاتها، من بينها تحديد مدة احتجاز الأطفال وإلزام الحكومة إيواءهم في أقل البيئات تقييداً، وتسريع الإفراج عنهم إلى أسر أو جهات رعاية مناسبة. بموجب هذا الإطار، يُفترض أن احتجاز الأطفال ليس إجراءً دائماً، بل حالة مؤقتة تُدار بأقل قدر ممكن من التقييد. كذلك يُفترض أيضاً أن يكون معيار مصلحة الطفل الفضلى حاضراً في كل قرار يتعلق به، سواءً في الاحتجاز أو النقل أو التسليم لأسر بديلة.

وجود الضمانات القانونية لا يعني بالضرورة تطبيقها على النحو نفسه في الواقع. فبينما تنص تسوية فلوريس على تقليل مدة احتجاز الأطفال، تشير تقارير حقوقية وقانونية إلى أن بعض الأطفال منذ تفعيل سياسات ترامب للهجرة، باتوا يقضون مدة احتجاز طويلة، خصوصاً حين الضغط المرتفع على الحدود أو عند تعقد إجراءات التحقق أو لم الشمل العائلي. وأظهر تحليل أجرته منصة "مارشال بروجكت" الصحفية المستقلة لبيانات حصلت عليها من مشروع بيانات الترحيل في ديسمبر 2025، أن إدارة ترامب احتجزت ما لا يقل عن ثلاثة آلاف وثمانمئة طفل دون الثامنة عشرة، بينهم عشرون رضيعاً. وأظهر التحليل أن أكثر من ألف وثلاثمائة طفل احتُجزوا خلال 2025 مدة تجاوزت عشرين يوماً. وبينما أكدت إدارة الهجرة والجمارك للقاضي المشرف على تنفيذ تسوية فلوريس أن هدفها الأساس هو الإفراج عن القاصرين بأسرع وقت ممكن، فإن البيانات كشفت عن ارتفاع واضح في عدد حالات الإفراج التي تمت عند حدود اليوم العشرين تقريباً. وعدّ مسؤولون سابقون في وزارة الأمن الداخلي ذلك مؤشراً على أن الحكومة تتعمد إبقاء العائلات محتجزة أطول مدة ممكنة، لزيادة فرص ترحيلها مباشرة من مراكز الاحتجاز.

ومع اتساع الإطار القانوني لحماية الأطفال، فإن الواقع يكشف أن هذه الحماية ليست بمنأى عن تأثير السياسات الأخرى. ففي سنة 2021 قلصت إدارة بايدن وقائع احتجاز الأطفال في مراكز الهجرة وأُغلق المركز المخصص لاحتجاز العائلات. إلا أن إدارة ترامب جددت العمل بهذه السياسة وأعادت افتتاح المركز، وأضافت مركز كارنز في تكساس الذي كان مخصصاً سابقاً لاحتجاز البالغين فقط، فصار مركزاً لاحتجاز الأسر المهاجرة. وفي الدعاوى القضائية المرتبطة بهذه المراكز، تحدثت عائلات عن صعوبات في الحصول على المياه المناسبة للأطفال الرضع، وتلوث الطعام، وضعف فرص التعليم، بالإضافة إلى آثار نفسية حادة ظهرت على بعض الأطفال. 

ومن ثم يأتي تطبيق القانون وحماية الأطفال داخل منظومة أوسع تحكمها أيضاً قوانين الهجرة وإدارة الحدود. وتزداد حدة هذا التعقيد في أحيان الضغط على الحدود أو عند ارتفاع أعداد الوافدين، فعندئذ تتداخل اعتبارات إدارة الهجرة والقدرة الاستيعابية لمراكز الاحتجاز والإيواء مع المعايير الخاصة بحماية الأطفال. وفي المقابل، لم تكن طريقة التعامل مع هذا ثابتة عبر الإدارات الأمريكية المتعاقبة. ففي حين اتجهت بعض الإدارات إلى تقليص احتجاز العائلات والاعتماد أكثر على بدائل مجتمعية، تبنت إدارات أخرى سياسات أكثر تشدداً ربطت بين حماية الحدود واحتجاز الأسر المهاجرة. 


إبان عهد الرئيس الأمريكي باراك أوباما، بدأ الاحتجاز العائلي يتجلى نتيجة زيادة تدفقات الهجرة من دول أمريكا الوسطى، خصوصاً السلفادور وهندوراس وغواتيمالا. كثير من هؤلاء كانوا يفرون من العنف والفقر، ويصلون إلى الحدود الأمريكية صحبة أطفالهم، أو يصل أطفال غير مصحوبين بذويهم. آنذاك وسّعت إدارة أوباما سياسة احتجاز العائلات من أجل ردع مزيد من الوافدين. وافتتحت وزارة الأمن الداخلي مراكز احتجاز كبيرة لإيواء الأمهات وأطفالهن. وخلال أشهر قليلة ارتفعت الطاقة الاستيعابية لمراكز احتجاز العائلات من نحو مئة سرير على مستوى البلاد في أبريل 2014، إلى ما لا يقل عن ثلاثة آلاف ومئة سرير.

في يونيو 2014، سُمح لوسائل الإعلام أول مرة بدخول مركز احتجاز مؤقت في مدينة نوغاليس بولاية أريزونا، كان يضم نحو تسعمئة طفل، وصلوا إلى الحدود الأمريكية دون مرافقة ذويهم. وكان المركز قد فُتح قبل أسابيع قليلة لاستيعاب الزيادة الكبيرة في أعداد الأطفال القادمين من دول أمريكا الوسطى. وجاء فتحه أمام الصحفيين بعد ضغوط من أعضاء في الكونغرس طالبوا بالاطلاع على أوضاع المحتجزين. وخلال الجولة ظهر أن المنشأة التي لم تُصمم لإيواء الأطفال تتكون من مساحات احتجاز تفصل بينها أسوار معدنية تعلوها أسلاك شائكة، مع توزيع الأطفال حسب الجنس والفئة العمرية. وبلغت طاقة المركز الاستيعابية نحو 1154 شخصاً. 

لم تمر صور الأطفال المحتجزين في منشأة نوغاليس سنة 2014 دون اعتراض. فبمجرد السماح للصحفيين بدخول المركز ونشر صور الأطفال داخل مساحات محاطة بأسوار معدنية، بدأت منظمات حقوقية، منها "هيومن رايتس ووتش" والاتحاد الأمريكي للحريات المدنية، حملة انتقادات لإدارة أوباما، إذ عدّت التوسع في احتجاز الأطفال والعائلات متعارضاً مع تعهدات سابقة من أوباما نفسه في 2009 بالحد من هذه الممارسة، كما أنه يعرِّض الأطفال لأضرار نفسية واجتماعية موثقة.

في المقابل، تمسكت إدارة أوباما برواية مختلفة عما أظهرته تلك الصور. إذ عدّت المنشآت المثيرة للجدل جزءاً من استجابة طارئة لأزمة حدودية مفاجئة، وليست نموذجاً مقصوداً لاحتجاز الأطفال. وقال وزير الأمن الداخلي في إدارة أوباما، جيه جونسون، إن الأسوار المعدنية استُخدمت لتنظيم الإيواء والفصل بين الفئات المختلفة داخل مراكز مؤقتة حتى يُنقل الأطفال إلى جهات الرعاية المختصة. المنتقدون رأوا أن هذا التبرير وفقاً لتقرير "هيومن رايتس ووتش" يفتقر إلى أدلة حاسمة تثبت أن احتجاز العائلات يشكل حقاً وسيلة فعالة لردع الهجرة. وبدلاً من توسيع الاحتجاز دعوا إلى التركيز على إصلاح نظام الهجرة الذي يعاني بطئاً شديداً وتراكماً كبيراً في القضايا، معتبرين أن تحسين كفاءة الإجراءات القانونية سيكون أكثر فاعلية من زيادة أعداد المحتجزين قبل البت في أوضاعهم القانونية. 

ومع الضغوط الحقوقية التي تصاعدت وما رافقها من دعوات للتوسع في استخدام بدائل الاحتجاز مثل سوار المراقبة، فإن مراكز احتجاز العائلات التي أُنشئت وتوسعت آنذاك استمرت في العمل حتى نهاية إدارة أوباما، ما أبقى البنية التحتية للاحتجاز العائلي قائمة وقابلة للاستخدام والتوسع في السنوات اللاحقة. فشهدت ولاية ترامب الأولى تحولاً في هذا الملف مع تبني سياسة عدم التسامح مطلقاً التي أدت إلى فصل آلاف الأطفال عن ذويهم. ومع وصول جو بايدن إلى البيت الأبيض أُلغيت هذه السياسة، واتجهت الإدارة إلى تقليص احتجاز العائلات وإطلاق برامج للمّ الشمل. وعاد الجدل مجدداً مع إدارة ترامب الثانية تزامناً مع التوسع في إجراءات الاحتجاز العائلي، وتوسيع استخدام بعض المرافق التي كانت قد أُغلقت في السنوات السابقة.


تبنّى دونالد ترامب في ولايته الرئاسية الأولى سنة 2018 سياسة عدم التسامح، التي أدت إلى فصل آلاف الأطفال عن ذويهم عند الحدود، باعتبار أن الآباء يُحاكمون جنائياً لدخولهم غير النظامي. 

وكانت سياسة ترامب تقضي بإحالة جميع المهاجرين الذين يدخلون الولايات المتحدة دخولاً غير نظامي إلى الملاحقة الجنائية، حتى إذا كانوا رفقة أطفالهم. وما إن يحال الآباء للمحاكمة، كانت السلطات تفصل الأطفال عن ذويهم وتنقلهم إلى عهدة وزارة الصحة والخدمات الإنسانية. وقد أسفرت هذه السياسة عن فصل ما لا يقل عن ثلاث آلاف طفل عن أسرهم، فيما أقرت إدارة ترامب لاحقاً بأنها لا تعلم بدقة عدد الأطفال الذين فُصلوا، بسبب ضعف أنظمة توثيق البيانات.

غدت سياسة فصل الأطفال عن الأسر واحدة من الأزمات الحقوقية في الولايات المتحدة مع تداول  صور للأطفال داخل أقفاص حديدية. وفي مواجهة هذه السياسة، رفعت منظمة الحريات المدنية الأمريكية دعوى قضائية أمام المحكمة الفيدرالية ضد إدارة ترامب، متهمة إياها بممارسة فصل غير قانوني ومجحف بحق أطفال طالبي اللجوء والمهاجرين الذين عبروا الحدود عن ذويهم. وفي 26 يونيو 2018  أصدر قاضي المحكمة الفيدرالية دانا سابرو أمراً قضائياً أولياً ألزم الحكومة بإعادة جميع الأطفال دون سن الخامسة إلى ذويهم خلال أربعة عشر يوماً، وإعادة بقية الأطفال خلال ثلاثين يوماً. وحتى أكتوبر من نفس السنة قدمت الحكومة بيانات إلى المحكمة تشير إلى أن ما لا يقل عن 2654 طفلاً مهاجراً فُصلوا عن آبائهم أو مقدمي الرعاية لهم، نتيجة سياسات إدارة ترامب. 

وأظهرت سياسة عدم التسامح المطلق التي تبنتها إدارة ترامب أن وزارة الأمن الداخلي الأمريكية لم تكن مستعدة لتنفيذها أو لإدارة تداعياتها. فقد خلص تقرير صادر عن مكتب المفتش العام بوزارة الأمن الداخلي الأمريكية في سبتمبر 2018 إلى أن الوزارة واجهت إخفاقات تنظيمية منذ بدء تطبيق السياسة، إذ قيدت أعداد طالبي اللجوء المسموح لهم بالدخول عبر المنافذ الحدودية الرسمية، لكنها استمرت في تشجيعهم على القدوم إلى الولايات المتحدة عبر المنافذ الرسمية. ووجد التقرير أن "آيس" احتجزت أطفالاً بعد فصلهم عن آبائهم مُدة طويلة داخل منشآت مخصصة للاحتجاز قصير الأمد. هذا في حين عجزت الوزارة عن تتبع الأسر المفصولة وإعادة لم شملها، بسبب قصور أنظمة تقانة المعلومات وغياب التكامل بين قواعد البيانات. وأضاف التقرير أن السلطات قدمت للآباء معلومات غير متسقة، ما أدى إلى أن كثيرين منهم لم يدركوا أنهم سيفصلون عن أطفالهم، كما عجزوا عن التواصل معهم بعد تنفيذ عمليات الفصل.

وجاء وصول جو بايدن إلى السلطة لينهي سياسة عدم التسامح مع اللاجئين والمهاجرين في يناير 2021. وبررت إدارته قرارها بأن تلك السياسة تتعارض مع مبادئ وزارة العدل، وتعهدت بإعادة لم شمل الأسر المتضررة ومنع تكرار عمليات الفصل المنهجي. وحاولت الإدارة تقديم نفسها باتباع نهج أكثر إنسانية، بخلاف إدارة ترامب التي اعتمدت على فصل الأسر لردع المهاجرين.

استبدلت إدارة بايدن سياسة فصل الأسر بتشديد إجراءات ضبط الحدود وتسريع إدارة تدفقات المهاجرين. واعتمدت إدارة بايدن على المادة 42 وهي إجراء طوارئ صحية فُرض إبان جائحة كورونا، لإدارة تدفقات المهاجرين، وأسهم تطبيقها في تنفيذ أكثر من 2.6 مليون عملية ترحيل سريع حتى 2023. لكنها امتنعت إلى حد كبير عن تطبيق هذه الآلية على الأطفال غير المصحوبين بذويهم، ما أدى إلى زيادة أعدادهم داخل مراكز الإيواء الحكومية، وبقاء بعضهم في منشآت "آيس" مُدداً تجاوزت الحد القانوني البالغ ثلاثة أيام. وفي الوقت نفسه، ركزت الإدارة على تسريع نقل الأطفال إلى كفلاء داخل الولايات المتحدة بدلاً من إبقائهم في مراكز الاحتجاز، إلا أن أعداد الوافدين ظلت أكبر من قدرة السلطات على نقلهم، ما أبقى مشكلة الاكتظاظ قائمة. ومع انتهاء العمل بالمادة 42 في مايو 2023، اتجهت الإدارة إلى تشديد قواعد اللجوء، ورفض طلبات المهاجرين الذين لم يتقدموا أولاً بطلب لجوء في دولة ثالثة مروا بها قبل الوصول إلى الولايات المتحدة.

لم تختف الانتقادات الحقوقية إبان إدارة جو بايدن، لكنها انصبت أكثر على استمرار بعض الممارسات القاسية بحق اللاجئين، وتشديد إجراءات اللجوء مع تراجع الإدارة عن سياسة فصل الأسر أو احتجاز الأطفال مُدداً طويلة. إلا أن عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض في ولايته الثانية في 2025 أعادت الملف إلى واجهة الجدل، مع عودة السياسات الأكثر تشدداً تجاه الأطفال والأسر المهاجرة.

وبحسب بيانات نشرها مشروع مارشال في يناير 2026 فإن إدارة بايدن أغلقت مركز ديلي في ولاية تكساس المخصص لاحتجاز الأسر صحبة أطفالهم في 2024، إلا أن إدارة ترامب أعادت افتتاح المركز مع ولايته الثانية في 2025. وأوضحت البيانات أنه حتى أكتوبر 2025 أي بعد عشرة شهور من ولاية ترامب الثانية، زاد عدد الأطفال المحتجزين بأكثر من ستة أضعاف مقارنة بالأشهر الأخيرة من إدارة جو بايدن. وكالة الهجرة كانت تحتجز في المتوسط نحو مئة وسبعين طفل يومياً خلال ولاية ترامب الثانية، مقارنة بنحو خمسة وعشرين طفلاً يومياً فقط خلال الشهور الستة عشر الأخيرة من إدارة بايدن. وفي بعض الأيام تجاوز عدد الأطفال المحتجزين أربعمئة طفل. 

ولم تعد عمليات احتجاز الأطفال تقتصر على الحدود، بل أصبحت ترافق حملات مداهمة الهجرة داخل الولايات المتحدة. ففي مينيسوتا احتُجز أربعة أطفال من إحدى المناطق التعليمية، كما احتُجزت طفلة تبلغ سبعة أعوام مع أسرتها في موقف سيارات مستشفى بولاية أوريغون. واحتُجز طفل في السادسة من عمره مع والدته خلال مداهمة سكنية واسعة في شيكاغو. ونقل مشروع مارشال عن محامين يمثلون أسراً محتجزة، أن كثيراً من موكليهم كانوا يلتزمون بمواعيد مراجعة سلطات الهجرة، وكانت لديهم قضايا قد تسمح لهم بالبقاء قانونياً في الولايات المتحدة، إلا أنهم احتُجزوا رغم ذلك بالمخالفة للقانون. 

دافعت إدارة ترامب ووكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك الأمريكية عن أوضاع الاحتجاز، مؤكدة أن المحتجزين "يتلقون الرعاية والخدمات الأساسية ويعامَلون بما يضمن حقوقهم القانونية".  ونفت شركة "كورسيفك" المشغلة لعدد من مراكز الاحتجاز صحة الاتهامات المتعلقة بسوء الأوضاع، وقالت إن المراكز تخضع لمراجعات دورية لضمان توفير مستوى مناسب من الرعاية والمعيشة للمحتجزين. في مقابل هذه الرواية تأتي شهادات محتجزين ومحامين ومنظمات حقوقية حول نقص الرعاية الطبية وقلة الطعام وعدم صلاحية مياه الشرب، فضلاً عن الآثار النفسية التي يتركها الاحتجاز على الأطفال.

وبينما تؤكد السلطات الأمريكية أن مراكز الاحتجاز توفر للمهاجرين ظروفاً إنسانية ورعاية مناسبة، تقدم الشهادات الميدانية التي وثقتها الصحفية الاستقصائية ليديا تيرازاس رواية مغايرة. ففي حديثها مع الفراتس قالت ليديا إن ما وثقته خلال تحقيقها الاستقصائي "أصوات من ديلي" يشير إلى أن الانتهاكات لا تمثل حالات فردية معزولة، بل نمطاً يتكرر في عدد من مراكز الاحتجاز، مع اختلافات في حدته وتفاصيله من منشأة إلى أخرى. وتستشهد بإحدى الشهادات التي جمعتها لأم طُلب منها استخدام مياه الصنبور لتحضير الحليب الصناعي لطفلها البالغ من العمر شهرين، على الرغم من الشكاوى المتكررة بشأن جودة المياه. وتروي الأم أنها كانت تضطر إلى التوسل للحصول على زجاجات مياه معبأة، ولم تكن تحصل في كثير من الأحيان إلا على كمية محدودة تكفي لتحضير الحليب. الحصول على المياه المعبأة لم يكن أيضاً متاحاً بسهولة، فكانت تباع  بسعر مرتفع يصل إلى تسعة وثلاثين دولاراً لعبوة من اثنتي عشرة زجاجة. وفي الوقت نفسه، كان الرضيع مريضاً، لكن طلبها بالحصول على دواء له قوبل بالرفض بحجة صغر سنه. ولم يُشخص الطفل إلا بعد خروجه من مركز الاحتجاز، وتبين إصابته بالتهاب الشعب الهوائية والفيروس التنفسي المخلوي. 

وعند الحديث عن الأثر النفسي طويل المدى، أكدت ليديا أن ما يُرصد لا يقتصر على مدة الاحتجاز، بل يمتد إلى ما بعدها. فيظهر لدى العديد من الأطفال أعراض قلق حاد وكوابيس متكررة ونوبات اكتئاب، ما يستدعي في كثير من الحالات تدخلاً علاجياً.

وتعزز إفادات المحامين والمنظمات الحقوقية الشهادات الميدانية عن أوضاع الأطفال داخل مراكز الاحتجاز. تقول المحامية بيكي وولوزين ضمن مقابلة مع شبكة "بي بي إس نيوز" إن الأطفال في مراكز الاحتجاز يبلغون عن ظروف غير آمنة ونقص في الرعاية الأساسية. شهادات الأطفال وأسرهم تضمنت شكاوى من تقديم طعام ملوث بالديدان والعفن، وصعوبة الحصول على مياه شرب نظيفة، إلى جانب نقص الرعاية الطبية الأساسية.

حوّل تصاعد سياسات احتجاز الأطفال المهاجرين خلال ولاية دونالد ترامب الثانية الملف من نقاش قانوني وحقوقي محض، إلى قضية برزت خلالها أصوات نشطاء وصحفيين وشخصيات عامة استخدموا منصاتهم لإعادة تسليط الضوء على أوضاع الأطفال داخل مراكز الاحتجاز، والمطالبة بالإفراج الفوري عنهم.


أنتجت سياسات الهجرة التي تطبقها إدارة ترامب موجة واسعة من الانتقادات من منظمات حقوق الإنسان، ومن داخل المجتمع المدني الأمريكي أيضاً، لتناقض ما يحدث مع خطاب الولايات المتحدة التقليدي دولةً تحمي الأطفال في المقام الأول.

من بين الأصوات البارزة التي ساهمت في تحويل القضية إلى نقاش جماهيري، ميس رايتشل مقدمة المحتوى التعليمي للأطفال، والتي استخدمت منصاتها ذائعة الصيت على وسائل التواصل الاجتماعي في التركيز على البعد الإنساني لسياسات الهجرة في أثرها على الأطفال المحتجزين، خاصة تأثير الانفصال عن الأسرة على صحة الأطفال النفسية.

في مكالمة مصورة مع الطفل ديفير هيناو خيمينيز البالغ من العمر تسعة أعوام، استمعت ريتشل إلى شكواه من الطعام الذي يسبب له آلاماً في المعدة داخل مركز الاحتجاز، واشتياقه لأصدقائه ومدرسته وحزنه لأنه قد يفقد فرصة المشاركة في بطولة ولاية نيو مكسيكو للتهجئة بعد أن تأهل إليها بفوزه في مسابقات مدرسته والمنطقة. حاولت طمأنته قائلة: "لديك موهبة حقيقية في التهجئة، أنت ذكي جداً". اعترفت ريتشل لاحقاً في مقابلة مع شبكة "إن بي سي نيوز" في مارس 2026 بأن التجربة كانت صادمة، مضيفة: "كان من غير المعقول أن أرى هذا الوجه الصغير اللطيف وأشعر وكأنني أتحدث عبر الفيديو مع طفل في السجن. لقد فطر ذلك قلبي، ولم أتخيل يوماً أن أواجه شيئاً كهذا في حياتي." وبعد المكالمة أعلنت أنها بدأت العمل مع محامين ومدافعين عن حقوق المهاجرين من أجل إغلاق مركز الاحتجاز وضمان عودة الأطفال وعائلاتهم إلى مجتمعاتهم، مؤكدة أن كل هؤلاء الأطفال يجب أن يكونوا في منازلهم. وأوضحت أن دفاعها عن الأطفال لا يرتبط بجنسية أو حدود، بل بمبدأ أن جميع الأطفال متساوون ويستحقون الحب والرعاية. ورأت أن حرمان طفل مثل ديفير من فرصة المشاركة في مسابقة التهجئة التي استعد لها طيلة أشهرٍ كان ضرباً من القسوة، ناهيك من تفويته حدثاً مدرسياً، لأنه يسلب الطفل لحظات تصنع ثقته بنفسه وإحساسه بالانتماء وحقه في تشكيل مستقبله.

ولم تتوقف جهود ريتشل عند حدود التصريحات الإعلامية أو المقابلات الصحفية، فواصلت عبر منصاتها الرقمية نشر مقاطع فيديو وشهادات لأطفال وعائلات محتجزة، لتنقل قصصهم إلى ملايين المتابعين لإبقاء القضية حاضرة في النقاش العام والضغط من أجل إنهاء احتجاز الأسر والأطفال.

ولم يقتصر الضغط على الأصوات المجتمعية، بل امتد إلى أروقة الكونغرس. قدمت عضوة الكونغرس رشيدة طليب مشروع قانون حظر الاحتجاز في المستودعات، لمنع وزارة الأمن الداخلي ووكالة الهجرة والجمارك من تحويل المستودعات إلى مراكز لاحتجاز المهاجرين. وقالت إن هذه المرافق لا تؤدي إلا إلى زيادة الانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان والصدمات التي تتعرض لها أسر المهاجرين، بما في ذلك الإهمال الطبي، والظروف غير الإنسانية، وارتفاع أعداد الوفيات. وأضافت أن التوسع في هذه المراكز يعني تمزيق المزيد من الأسر واحتجاز الأشخاص في أماكن صُممت لتخزين البضائع لا لاستضافة البشر، مؤكدة أن مشروع القانون يستهدف وقف هذا التوسع ومنع إنشاء نماذج جديدة لمراكز الاحتجاز.

ومع التحركات الحقوقية والسياسية أدّت وسائل الإعلام دوراً أيضاً. فمن خلال تحقيقات وتقارير ميدانية، كشفت مؤسسات إعلامية عن طول مُدد احتجاز الأطفال ونقص الرعاية الصحية والنفسية وبيئات احتجاز أقرب إلى المنشآت الأمنية، فضلاً عن التعقيدات التي تواجه لم شمل الأسر. وهنا تقول الصحفية الاستقصائية ليديا تيرازاس: "لاحظنا أن الضغط العام أدى إلى بعض التغييرات. فمؤخراً، أفادت العائلات بأن سعر عبوة المياه انخفض من تسعة وثلاثين دولاراً إلى عشر دولارات، كذلك ساهم تسليط الضوء على بعض الحالات في توفير مساعدة قانونية عاجلة، وانتهى الأمر بإطلاق سراح عدد آخر من العائلات". ومع أنها تحركات لم تحدث تحولاً جذرياً في سياسة الاحتجاز، لكنها أسهمت في تحقيق استجابات محدودة وشكلت بداية لضغط عام ومؤسسي متصاعد على الإدارة. 


في الحياة اليومية داخل الولايات المتحدة تدرك كثير من الأمهات أن الصراخ في وجه طفل أو تركه في ظروف غير آمنة قد يفتح الباب أمام بلاغات وتدخلات من مؤسسات حماية الطفل. لكن هذا الحرص القانوني والاجتماعي على مصلحة الطفل يتراجع عندما يتعلق الأمر بالأطفال المهاجرين، إذ يُلقى بعضهم في مراكز احتجاز مغلقة في بيئات تشبه المنشآت الأمنية، وسط شكاوى من نقص الرعاية وسوء الطعام والقلق النفسي وطول مدة الاحتجاز. 

يقع ملف احتجاز الأطفال المهاجرين في الولايات المتحدة بين خطابين متوازيين: الأول ينظر إلى مصلحة الطفل في المقام الأول بغضّ النظر عن وضعه القانوني، والثاني يتعامل مع قضية الهجرة قضيةً أمنيةً وإداريةً تُمنح فيها أولوية لتشديد الرقابة وإنفاذ القوانين حتى وإن تعارضت مع حقوق الأطفال. ومع اختلاف الإدارات الأمريكية في سياسات احتجاز الأطفال، إلا أن بنية النظام الأساس بقيت قائمة. وهذا ما يجعل الإشكال أعمق من كونه خلافاً سياسياً. في هذا السياق، تأتي أهمية الشهادات التي يرويها أطفال وأسر وصحفيون لكشف الفجوة بين النص والتطبيق.

اشترك في نشرتنا البريدية