عبدالله مشعان العنزي
محرِّر بياني في مجلّة الفِراتْس
سقط جهاز التحكم بالتلفزيون ذات يوم مني سنة 2008 فقادني ذلك إلى مشهد امرأةٍ ذات ملامح شرق أسيوية تؤدِّب صغيرتها بالعصا وتوبِّخها على اللعب مع أولاد النبلاء، قبل أن يهرع الأب إلى الطفلة ويحتضنها مشفقاً. ظننت لوهلةٍ أن ما أراه مشهدٌ من المسلسل الياباني "أوشين" الذي أُنتج سنة 1983 وعُرض مترجَماً في عدة بلدان عربية، إذ لم تصلنا دراما شرق آسيوية غيره، فيما أذكر. لكني تذكرت أن بيئة أوشين لم تكن موغلةً في القدم هكذا، كذلك فإن ثياب الممثلات مختلفة قليلاً عن الكيمونو الياباني، وضفائرهن الملتفَّة على رؤوسهنّ ليست مثل لِمَّة أوشين وأخواتها. مع ختام الحلقة تبيَّن أن المسلسل كوري جنوبي بعنوان "داي جانغ غيوم" (جوهرة القصر).
ولما كنت أفضِّل الدراما التاريخية على ما سواها، اعتلقتُ منذئذ بمتابعة سلسلة أعمالٍ دراميةٍ تحكي تاريخ كوريا القديم، وخاصةً تلك التي حملت توقيع المخرج إي بيونغ هون، عرَّاب تيارٍ جديدٍ من الدراما التاريخية يخاطب الجمهور الكوري على اختلاف أعمارهم وجنسَيْهم بلغةٍ أسلس وصورةٍ أكثر حيوية. هو المخرج الذي اجتازت أعماله الدرامية منذ مطلع الألفية حدود كوريا الجنوبية إلى الجوار الآسيوي ثم أرجاء العالم في سنواتٍ قليلة.
لم يكن بيونغ هون ناقلاً حصرياً للثقافة الكورية إلى الخارج عبر الدراما، غير أنه تميَّز عن سواه بأنسنته التاريخ، وقلب نموذج الدراما التاريخية من حصص متلفزة جامدة تتبنى رواية سلطوية، إلى أداة تثقيف وإمتاع معاً. وهذا ما غاب عن صنَّاع الدراما الآخرين الذين تسابقوا على الانتشار وتصدير صورة سطحية براقة عن الشعب الكوري. لذا يعزى كثيرٌ من الفضل إلى إي بيونغ هون في رفع مستوى صناعة الدراما التاريخية الكورية "ساغوك"، لتصبح رافداً مهماً في المدِّ الثقافي المسمِّى "هاليو"، وهو اسم الموجة الكورية الجنوبية التي بات البعض يختصرها في عناصر ثقافية استهلاكية تتصل بالطعام وموسيقى "كي بوب" وما اصطلح على تسميته "الجمال الكوري". هذا المصير نفسه الذي توقعه بيونغ هون متشائماً منذ سنوات.
تُغفل تلك الصورةُ الشائعةُ عن موجةِ المد الكوري ما تنطوي عليه من إنتاجٍ فنيٍ وثقافيٍ منطلقٍ من كوريا الجنوبية، لكنه يهتم بإبراز قيم الكوريين وتاريخهم دون التوقف عند الوضع السياسي القائم الذي يفصل بين الكوريتين. يعتمد هذا التيار الدراما التاريخية واحدة من أدواته الرئيسة، ما يضع المخرج إي بيونغ هون في مكانة بارزة، واحداً من أهم مؤسسي ذاك التيار ومبدعيه ذوي البصمة المُجدِّدة الذين خاطبوا بأعمالهم الداخل الكوري والعالم.
تولَّد مصطلح الموجة الكورية من الإعلام الصيني، للإشارة إلى الظاهرة المتكونة مع حضور الأعمال الكورية الجنوبية المرئية والمسموعة في الصين وشرق آسيا منذ تسعينيات القرن العشرين. وشهدت نجاحاً إقليمياً لأعمال درامية منها مسلسل "بيوريون ناي غاسيومي" (النجوم في قلبي) سنة 1997، و"سارانغيي مووغيلراي" (ما الحب؟) الذي سجَّل حين عرضه سنة 1997 ثاني أعلى نسبة مشاهدة في تاريخ التلفزيون الحكومي المركزي الصيني "سي سي تي في". وبعدها بسنوات قليلة سلب مسلسل "غيوريونغا" (أغاني الشتاء) ألباب اليابانيين، لاسيما النساء اللاتي احتشدت بضعة آلاف منهن لاستقبال بطل المسلسل الكوري في مطار ناريتا الدولي باليابان سنة 2004.
أثَّرت الظاهرةُ الجديدة وقتئذ سياسياً، إذ هدم مدها الثقافي الناعم حائط الحظر المفروض على كوريا الجنوبية من جيرانها، الذين قرَّبتهم منها الجغرافيا وأبعدتهم الحروب، وخاصة الجار الأكبر الصين. ساهمت الموجة في تضاعف عدد السياح القادمين إلى كوريا الجنوبية، وثلاثة أرباعهم تقريباً من دول شرق آسيا. وارتفعت أعدادهم من ثلاثمئة ألف زائر سنة 1998 إلى أحد عشر مليوناً وثمانمئة ألف سنة 2014، وفقاً لما جاء في "راوتلِدج هاندبوك أوف كونتِمبوراري ساوث كوريا" (دليل راوتلِدج المرجعي لكوريا الجنوبية المعاصرة) الصادر سنة 2022.
على مدى أكثر من ربع قرنٍ، تطورت الموجة الكورية متجليةً في فنونٍ شتى منها الأعمال التلفزيونية والسينمائية والموسيقى والموضة والتجميل والطهي، ومتخذةً هيئة دفعاتٍ لكلٍّ منها ما يشكلها ويميزها. وفقاً لدليل راوتلِدج المرجعي، فإن الموجة الكورية الأولى استمرت بين سنتَي 1997 و2007. وتميزت برواج المسلسلات والأفلام الكورية الجنوبية، مثل مسلسل"داي جانغ غيوم" سنة 2003. وكانت فئة المشاهدين في سن الثلاثينات والأربعينات في شرق آسيا هي أكثر الفئات ترحيباً بها.
حظيت الأعمال الفنية المنتجة حينئذٍ بدعمٍ حكوميٍ كوريٍ مدروسٍ، إذ كانت العاصمة الكورية الجنوبية سيؤول تنفض عن كاهلها غبار عقودٍ من الاستبداد مطلع الألفية، بعد انتخاب السياسي المدافع عن حقوق الإنسان رو مو-هيون رئيساً للدولة في 2002. وأخذت كوريا الجنوبية المتبنية سياسةَ التقارب مع جارتها الشمالية حينها تتداول الإرث الثقافي سلعةً اقتصادية.
في تلك الموجة عينها، كسرت سينما كوريا الجنوبية نطاقها الجغرافي الضيق، وظهر جيل مخرجي الموجة الجديدة، وأبرزهم جون بونغ هو وبارك تشان ووك، الذين وضعوا لغة جديدة لسينما اتسمت بخطابها الإنساني. قدم المخرجان قصصاً من الواقع الكوري خاطبت كثيراً من مواطني الدول النامية التي كانت تمر بتحولات اقتصادية واجتماعية متسارعة مطلع الألفية. فنجحت أفلام منها "أولد بوي" (الفتى الكهل) سنة 2003، و"ماذر" (أم) سنة 2006 و"سالينوي تشيوغ" (ذكريات جريمة قتل) سنة 2003.
أما الموجة الكورية الثانية فبدأت منذ سنة 2008 ولم تزل حتى تاريخ صدور الدليل المرجعي سنة 2022، وربما حتى زمن كتابة هذه المقالة. وتميزت بالشعبية الجارفة لموسيقى البوب الكورية والألعاب الرقمية والرسوم المتحركة، التي اجتازت حدود كوريا الجنوبية وانتشرت في أمريكا الشمالية وأوروبا والعالم العربي وآسيا. ومن ذلك شهرة أغنية "غانغنام ستايل" سنة 2012، وأغاني فرقة "بي تي إس" لاحقاً. وتواصلت في هذه الموجة صناعة الأفلام السينمائية المتميزة والخطاب السياسي والإنساني الصريح، مثل أفلام "سنوبيرسر" (حفار الجليد) سنة 2013، و"باراسايت" (الطفيلي) للمخرج جون بونغ هو الفائز بجائزة الأوسكار سنة 2020.
تزامنت هذه المرحلة مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، وظهور شبكات من المعجبين "الفاندوم" الذين كونوا مجتمعات عالمية على فنانين أو فرق موسيقية أو مسلسلات أو ألعاب معينة.
ومع ارتفاع مد الموجة الكورية، بات فنانوها قادرين على التخلي عن الدعم الحكومي في بعض جوانبها، إذ تحول ذلك المد دجاجةً تبيض ذهباً. فوفقاً لدراسة لدوبو شيم من جامعة سونغ شين للنساء سنة 2008 بعنوان "ذا غروث أوف كوريان كلتشرال إندستريز أند ذا كوريان ويف" (نموّ الصناعات الثقافية الكورية والموجة الكورية)، كانت صادرات كوريا الجنوبية من الأفلام تتجاوز بقليل مئتي ألف دولارٍ سنة 1995، لكنها قفزت إلى نحو ثمانية وخمسين مليون دولار بحلول سنة 2004. وكذلك فقد تضاعفت صادراتها من الأعمال التلفزيونية من خمسة ملايين وخمسمئة ألف دولار سنة 1995 إلى واحد وسبعين مليون وأربعمئة ألف دولار سنة 2004. مع ذلك، ترى دوبو شيم أن الحكومة "تنافق" إذ تعلن عن تخصيصها دعماً مالياً لتعزيز الصناعة الثقافية، في حين أن الإنفاق الحقيقي ضئيل جداً بالمقارنة مع قطاعات أخرى تتلقى دعماً على رأسها التقنية.
لكنَّ صبغ الموجة الكورية بصبغة الوطنية الثقافية حوَّلها إلى شكل من أشكال السعي إلى الهيمنة مغلَّف بقناع القوة الناعمة، كما تقول روزالي كيم في كتابها "هاليو!: ذا كوريان ويف" (هاليو!: الموجة الكورية) الصادر سنة 2022. إذ تقرأ كيم الموجة انبعاثاً طارئاً لميل كوري قديم للتوسع على حساب الأمم المجاورة، ما يجعلها تتمثل موقفاً فكرياً يقوِّض مبادئ التنوع الثقافي والقوى الناعمة.
حققت الموجة الكورية في الداخل إحياءً للشعور القومي بعمق التاريخ والحضارة الكورية، وفي العالم حصدت اعترافاً بتميز الثقافة الكورية وشخصيتها المستقلة عن جيرانها من حضارات شرق آسيا. وتمثل شهادة على أن الكوريين عثروا أخيراً على صوتهم الخاص، بعد قرون من الانعزال والتبعية. بدأت بتبعية القرار الكوري للسلالات الحاكمة في الصين بين القرنين الخامس عشر والتاسع عشر، تلتها حقبةٌ من الخضوع للاحتلال الياباني بين 1910 و1945، ثم عقود من الحكومات الوطنية الاستبدادية.
ويأتي تميز الصوت الكوري المستقل في زمن اضمحلال الحدود بين الدول والثقافات لصالح الثقافات الغربية المهيمنة. لكن هذ التوجه الكوري الجديد ما هو إلا تيارٌ ثقافيٌ بديلٌ يصبّ في هويةٍ متخيَّلة. فكثيراً ما صدَّرت إنتاجات الهاليو – خصوصاً المدعومة من الدولة – صورة كورية مبنية على جماليات المظهر. فالوجوه جميلة واللباس تقليدي والمناظر طبيعية والمباني تراثية، تقدم صورة ملطفة للواقع الاجتماعي المرير الذي عاناه الكوريون في القرون الماضية — ولا زالت آثاره تظهر في مجتمعهم – من طبقية وفقر وتمييز. وضُخَّمت صورة البطل الكوري الخارق الذي ينال مراده بجهده الفردي. كانت أعمال المخرج إي بيونغ هون، رافداً مؤسساً لتلك الصورة المتخيلة.
استخدمت أعمال بيونغ هون التاريخ الكوري لبناء صورة عن كوريا متسامحة، ذات تاريخ ناصع خال من التراتبية والاضطهاد المبني على الطبقة. وكان لمرجعيتها المتجذرة في قيمٍ مشتركةٍ بين شعوب شرق آسيا حتى عهودٍ قريبة، دوراً في رواج تلك الصورة المتخيلة. لكن الناظر في أعماله التاريخية – التي دشَّنت الموجة الكورية الأولى – سيجد فيها اختلافاً في المحتوى والرؤية عما أنتجه هو نفسه في الموجة الكورية الثانية وما بعدها. وهذا يتفق مع مسيرته التي تشهد بتطوره الدائم الذي تأسس على شعور وطني عميق بمسؤولية الفن.
بعد أعوامٍ من تخرّجه في كلية الزراعة بجامعة سيئول الوطنية، وسلسلةٍ من الإخفاق في الاستقرار على عملٍ، اجتاز إي بيونغ هون سنة 1970 اختبار توظيفٍ مفتوحٍ لمخرجي صفٍّ ثانٍ في هيئة مونهوا للإذاعة والتلفزيون، المعروفة باختصار "إم بي سي". حينذاك كان نجم صناعة السينما في كوريا الجنوبية قد انطفأ مع نهاية العصر الذهبي الأول الممتد في عقدي الخمسينيات والستينيات. إذ أنهته الرقابة الحكومية على المحتوى، والتراجع الاقتصادي بسبب الأنظمة العسكرية الشمولية التي قادت الحكم منذ نهايات الستينيات. على ذلك، أصبح جهاز التلفزيون وسيلة الترفيه المنزلي المفضلة لدى الكوريين الجنوبيين، وأصبحت الدراما التاريخية المتلفزة من المواد المرئية المفضلة شعبياً.
في السبعينيات كانت كوريا الجنوبية بالكاد قد مضى عليها عقدان منذ الحرب التي دامت بين سنتي 1950 و1953 مع شقيقتها الشمالية. أعقبت الحربَ سنواتٌ من الفساد والاستبداد أنهتها ثورة إبريل التي قادها الطلاب في 1960. لكن أنفاس الحرية لم تدُم سوى أشهر معدودة، إذ قاد الجنرال بارك تشون هي انقلاباً عسكرياً استولى به على الحكم مطيحاً بالجمهورية الديمقراطية الثانية. فظلت كوريا نحو عقدين في قبضة حكمه المُطلق.
لكن على مساوئ انقلاب تشون هي، أسس عصره طفرة صناعية غيرت من الوضع الاقتصادي لكوريا. غير أنه زعم أن هامش الديمقراطية المتاح سيقف حجر عثرةٍ في طريق هذه النهضة، فأمر سنة 1972 بحلِّ البرلمان وتعليق الدستور. واستُفتي استفتاءً شعبيّاً على دستورٍ جديدٍ، سُمِّي دستور "يوشين" (الإحياء)، عمق الحكم الاستبدادي وأتاح به تشون هي لنفسه حكماً غير محدود المدة، فيما عُرف بالجمهورية الرابعة بكوريا الجنوبية.
امتثالاً لدستور يوشين، اضطرت محطات البث في كوريا الجنوبية إلى رسم معايير لمحتوى برامج "لا توهن الشعور الوطني، ولا تناقض العادات الحميدة والنظام المجتمعي"، وتتجنب "المحتوى الهابط أو التشاؤمي أو غير الأخلاقي". وتشدد تلك المعايير أيضاً على تفادي موضوعات الخيانة الزوجية والتفكك الأسري، فضلاً عن اتِّقاء المساس بالأشخاص أو تصنيف الناس حسب لهجاتهم ومناطقهم. وفي سنة 1976 سُنَّ قانون سياسات الإعلام التثقيفي الوطني، الذي نصَّ على جدولة برامج تثقيفيةٍ اجتماعيةٍ يوميةٍ بين الساعة السابعة والتاسعة مساءً. تطلَّب ذلك إنتاج أعمالٍ دراميةٍ تثقيفيةٍ تُشِيع منظوراً وطنياً عن التاريخ بحصةٍ لا تقلّ عن نصف ساعةٍ يومياً. وفي هذه اللحظة الرقابية القومية الخاصة، وجد بيونغ هون موطئ قدم في صناعة الإنتاج الدرامي.
بعد بدايةٍ متعثرةٍ في أقسام تلفزيون إم بي سي، تمكن إي بيونغ هون من إخراج أول أعماله منفرداً في مسلسل "113 مكتب التحقيقات" سنة 1974، وبعده بستة أشهر مسلسل "الصف الثالث". ثم جاء إخراجُه أول مسلسلاته التاريخية "آمهينغيوسا" (المفتش الملكي السرّي)، بالتزامن مع بدء البث الملوَّن في كوريا الجنوبية سنة 1981، ومثَّل المسلسل منعطفاً مهماً في حياته المهنية. إذ قال عنه في حوارٍ لموقع "تشوسون" الإلكتروني سنة 2011: "اكتشفتُ سحر إخراج الدراما التاريخية. فقد وجدتُ أن دمج شخصياتٍ تاريخيةٍ في الدراما أمرٌ رائعٌ إذ يحرِّر تلك الشخصيات من الجفاف والملل".
كان عقد الثمانينيات يشهد مخاضاً عسيراً في توسيع كوريا الجنوبية هامشَ الحريات السياسية والمدنية. اضطربت البلاد بعد اغتيال تشون هي سنة 1979، ثم استيلاء تشون دو هوان على السلطة سنة 1980 بدعمٍ من الجيش الذي قمع انتفاضة غوانغجو في العام نفسه، لتسقط البلاد في حجر مستبدٍّ جديد. فعلى مدى أكثر من ثلاثين عاماً منذ زوال الاحتلال الياباني، لم يحظَ الكوريون الجنوبيون بأكثر من ثلاثة أعوامٍ لم يتنفسوا فيها هواء الاستبداد.
فرضت السلطة الجديدة احتكار وسائل الإعلام وقنوات البث الإذاعي والتلفزيوني في المحطات المملوكة كلياً أو جزئياً للحكومة. في سنة 1983 أنتجت محطة كي بي إس الحكومية مسلسلاً تاريخياً بعنوان "غاكوك" (التأسيس) يصوِّر إطاحةَ القائد لي سونغ غيي (الملك تايغو لاحقاً) بالملك يو، آخر ملوك سلالة غوريو التي استمر حكمها لكوريا الموحدة وقتئذ من سنة 918 إلى 1392، وتأسيسه مملكة جوسون في أواخر القرن الرابع عشر. رأى كثيرون في المسلسل تلميحاً وتلميعاً لعهد الجمهورية الخامسة التي دشَّنها قائد الانقلاب، وشرعنةً لإجهاضه "ربيع كوريا" المتمثل في انتفاضة غوانجو في مايو 1980. وفي سياقٍ مشابهٍ، في مارس 1983 بدأت محطةُ إم بي سي المنافِسة عرض مسلسلٍ عن عصر سلالة جوسون التي حكمت شبه الجزيرة الكورية من 1392 حتى 1897. ورامت الشبكة مشروعاً درامياً متعدد المواسم، ومستنداً على الوثائق التاريخية الرسمية المحفوظة من عهد جوسون، وكَلَّفت إي بيونغ هون بإخراجه.
أُنُتجت سلسلة "خمسمئة عام من جوسون" في أحد عشر جزءاً، بمجموع 538 حلقةً عُرضت بين سنتي 1983 و1990. ودشنت اسم بيونغ هون عملاقاً من عمالقة الدراما التاريخية الكورية، إذ أخرج جميع أجزاء السلسلة باستثناء الموسمين السادس والسابع.
حاولت السلسلة أن تستبين أهمَّ ملامح حكم ملوك سلالة جوسون واستعرضت السلسلة المحطات المهمة في حكم السلالة. فبدأت في الجزء الأول تصوير سيرة مؤسسها الملك تايغو المتوفى سنة 1398، بعد قضائه على سلالة غوريو، وترسيخه شجرة الحكم في ذرِّيته. ويسلِّط الجزء الثاني الضوء على الملك سيجونغ، وإليه ينسب ابتكار "هانغول"، وهو نظام الكتابة الصوتي الخاص بالكوريين، ليتميزوا به عن نظام "هانجا" الترميزي المستورد من الصين، الذي كان معتمداً في كوريا منذ قرون. في الجزأين الثالث والرابع، تبرز أدوار نساء البلاط الملكي في طموحهنَّ للارتقاء والسيطرة وتدبيرهن المكائد.
أما الجزء الخامس فيضع المملكة في إطارٍ إقليميٍ مفصليٍ، إذ يحكي قصة حرب إيمجين التي دارت بين سنتي 1592 و1598. أراد اليابانيون في تلك الحرب غزو إمبراطورية مينغ (الصين) مروراً من أراضي جوسون (كوريا) حليفة الصينيين. ونال هذا الجزء نسب مشاهدةٍ أعلى مما سبقه، وأظهر براعة أسلاف الكوريين في المعارك البحرية باستخدام سفن "السلحفاة" المدرَّعة. غير أن الجزأين السادس والسابع شهدا عزوفاً جماهيرياً، تصادف مع غياب المخرج إي بيونغ هون عنهما.
بعودته مع الجزء الثامن، استعاد المخرج للسلسلة شيئاً من شعبيتها عندما أضفى عليها جانباً عاطفياً فأخرج قصة الملك سوكجونغ المتوفى سنة 1720، وصوَّر تنافس ملكته إنهيون مع محظيَّته الأولى أوك جيونغ على قلبه وسلطانه. أما الجزء التاسع فيعرض قسوة الملك يونغجو المتوفى سنة 1776 في إعدام ابنه ولي العهد، بسبب ارتكابه جرائم قتل، فحبَسَه في صندوق أرزٍّ ليموت جوعاً بعد أيام، وبطش وزيره هونغ غوكيونغ بالمعارضين. وتطرَّق الجزء العاشر لانتشار المسيحية الكاثوليكية في شبه الجزيرة الكورية أواخر القرن الثامن عشر، حين كانت ديانةً محظورةً رسمياً في بلدٍ انعزاليٍ يدين أكثر سكانه بالبوذية والشامانية آنذاك. أما الجزء الحادي عشر والأخير فيحكي تعاظم النفوذ الخارجي، وخاصةً الياباني، في مملكة جوسون في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، إلى أن انتهت دولة جوسون سنة 1897. ثم أعلِنَت "الإمبراطورية الكورية" كياناً سياسياً مدعوماً من اليابان، لكنها لم تدم سوى 13 عاماً، انتهت بالاحتلال الياباني المباشر.
وخلافاً لما درج عليه صناع أعمالٍ دراميةٍ تاريخيةٍ سابقةٍ، لم يجنح بيونغ هون في نصوص هذه السلسلة إلى الأَسْطَرة والمرويات الشعبية. فاستعان بخبرة الكاتب شين بونغ سيونغ في التاريخ لينهل من مَعين الوثائق والمخطوطات الرسمية، وجلّها من حوليَّات سلالة جوسون. وهي سجلات عالية المصداقية دوِّنت من سنة 1392 إلى 1863 وتتناول الشؤون السياسية والاقتصادية والاجتماعية وتفاصيل الحياة اليومية في البلاط الملكي وغيرها. وتتطلب هذه الحوليات جهداً كبيراً في تفسير نصوصها نظراً لقدم لغتها. تجلَّى هذا في كثيرٍ من حوارات المسلسل إذ تجري على ألسنة الشخصيات عباراتٌ بحروفها من بطون الكتب والسجلات التاريخية، يتخلَّلها أحياناً صوت الراوي لسرد خلفية الأحداث. دارت معظم الوقائع والمشاهد بين شخصياتٍ رفيعة الشأن داخل القصر الملكي، من ملوكٍ وأمراء ونساء ووزراء ونبلاء وحاشيةٍ، مع استثناء جزء حرب إيمجين لتطلّبه تصوير كثيرٍ من مشاهد المعارك الخارجية. وصوِّرت كثيرٌ من المشاهد في مراكز تصوير خافتة الإضاءة، فيما بدا ممثلو الشخصيات المسنَّة باللحى الاصطناعية البيضاء وكأنهم خارجون من منمنماتٍ تالدة.
يقول إي بيونغ هون في سيرته المهنية الصادرة سنة 2009 بعنوان "كوموي وانغوغيول سيوولا" (شَيِّد مملكة أحلامك): "عندما كنتُ أصور الجزء الثامن من السلسلة، متناولاً سيرة الملكة إنهيون، كانت المشاهد بسيطةً ومقتضبة. يلتقي الملك سوكجونغ أوَّل مرَّةٍ بعقيلته الأولى. يسألها 'مَن أنتِ ومِن أين جئتِ؟'، فتجيبه 'أنا أوك جيونغ يا صاحب الجلالة'، ثم يصطحبها معه". ومع أن الشائع حينئذٍ تمثيل الدراما كما دوِّنت في السجلات التاريخية، إلا أن المخرج شعر بأن المشهد ينقصه الكثير ليناسب واحدةً من أشهر قصص الحبِّ في تاريخ ملوك جوسون. ليبدأ من تلك الالتفاتة طريقاً لتغيير شكل الدراما التاريخية الكورية "ساغوك".
حتى أواخر الثمانينيات، كانت برامج التلفزيون في كوريا الجنوبية تستهدف غالباً الفئات الأكثر ملازمةً للمنازل، لاسيما ربات البيوت والمتقاعدين. ومع التحول الديمقراطي في البلاد، أخذت بقية شرائح المجتمع الكوري الجنوبي، وخاصةً الشباب، تنال نصيباً أكبر من ذي قبل في الدراما الواقعية التي تتناول المشاكل الاجتماعية المعاصرة. وقتئذ، تراجع عدد الأعمال الدرامية التاريخية المُنتَجة، أما ما أُنتج منها فاصطبغ بالنَفَس القومي الأبوي، والتركيز على قصص أبطال الحرب في التاريخ الكوري، كما في مسلسل "يونغوي نومول" (دموع التنين) الذي عُرض بين سنتي 1996 و1998. وتزامن ذلك مع استراحة إي بيونغ هون من الإخراج أوائل التسعينيات وتوجّهه إلى العمل المكتبي منتجاً في إم بي سي.
لكن حتى في فترة اعتزاله، حرص إي بيونغ هون على متابعة الأعمال الدرامية المحلية والأجنبية. إذ راعَه نجاحُ مسلسل "هيديوشي" الياباني، الذي أنتجته قناة إن إتش كي اليابانية سنة 1996. يصوِّر العمل التاريخي بسردٍ دراميٍ متنوع الأصوات سيرةَ الساموراي تويوتومي هيديوشي المولود سنة 1537، الذي وحَّد اليابان بعد عقود من الاحتراب الأهلي وغزا مملكة جوسون في حرب إيمجين.
نال المسلسل نسبة مشاهدةٍ معتبَرةً في اليابان فاقت 30 بالمئة. لاحظ إي بيونغ هون أن صانعي "هيديوشي" استخدموا توطئةً تاريخيةً في مطلع كلِّ حلقةٍ، مدعومةً بالرسومات التوضيحية ولقطاتٍ من الواقع المعاصر. لكنّهم في السرد الدرامي، ضحَّوا بشيءٍ من الدقة التاريخية لفائدة الحبكة وسيرة البطل الذي يرتقي من قاع المجتمع إلى ذرى السلطة. عندما وجَّه مراسل صحيفة "ماينيتشي شيمبون" سؤالاً لمخرج "هيديوشي" عن سرِّ نجاح المسلسل، أجابه: "لأنه جذب كثيراً من تلاميذ المدارس المتوسطة والثانوية". دقَّ هذا الجواب كالناقوس في رأس إي بيونغ هون وهو يقرأه، مستحضراً صورة المتقاعدين الجالسين قبالة التلفاز في ساعة الدراما التاريخية الكورية، فيما يفرّ باقي أفراد الأسرة كلٌّ إلى شأنه. ومن ساعتها انتبه إلى أهمية استحواذ دراما التاريخ على لُب جيل النشء، وأن تتحلَّل من بعض القيود في سبيل ذلك. وعزز من تصوره مصارحة جارحة من ابنته التي كانت طالبة حينئذٍ، بأن أعماله التاريخية السابقة باردة ومملَّة ولم تعجبها هي ولا أيّاً من أصدقائها، لذا ناشدَته ألّا يَعاود الكرَّة. هنا انتبه المخرج ثانيةً إلى الهوَّة ما بين الدراما التاريخية وبين الشباب والنساء، التي جسَّرها اليابانيون في مسلسل "هيديوشي" لكنها لم تزل قائمةً في كوريا الجنوبية، وصمم أن تكون عودته بعد عقد من التوقف عن الإخراج، مختلفة. فاتجه تفكيره إلى الابتعاد عن دراما الملوك، وعزم على أن يكون أبطال أعماله التاريخية التالية على ملحمة سلالة جوسون، من عامة الشعب.
حرص إي بيونغ هون على تطوير ألوان أزياء "الهانبوك" التقليدية للشخصيات، مراعاةً لاهتمام الجيل الجديد بتفاصيل المظهر. وكانت الأزياء الشعبية فيما سبق من أعمال تاريخية تقتصر على ألوان محدودة هي الأبيض والأسود والرمادي والبنّي. لكنه وجد بالبحث أن ملابس العامة في عصر جوسون كانت تُخضب أيضاً بأصباغ طبيعية منها أخضر اليشم والأزرق وأصفر الخردل. لذا ألبس شخصيات مسلسل "هيو جون" أكثر من أربعين لوناً مختلفاً للأزياء المدنية. أما الأزياء الرسمية وما يلبس على الرأس داخل البلاط ولأصحاب الوظائف فهي محددة الأشكال والألوان، كلٌّ بحسب رتبته، بدءاً من الملك وانتهاءً بالخدم.
في دراسة منشورة في مجلة الجمعية الكورية للأزياء والنسيج سنة 2008، تُحلِّل تطوّر القيمة الرمزية للأزياء في مراحل الدراما التاريخية التي أنتجتها محطة إم بي سي، صنَّفت الباحثتان لي كيوم هي ونامكيونغ يون سون أربع مراحل لتطوير أزياء الدراما التاريخية. في البدء (ما قبل الثمانينيات) كانت الملابس جزءاً من التصميم الداخلي فحسب. وفي المرحلة الثانية (الثمانينيات) حملت الملابسُ قيمة تعليمية إذ عُدَّت نماذج مستنسخةً بناءً على بحوثٍ تاريخية. ثم في المرحلة الثالثة (التسعينيات) كان للملابس قيمٌ مظهرية مرتبطة بذوق المنتجين. أما في المرحلة الرابعة (مع مطلع الألفية) فقد أخذت الأزياء تكتسب قيماً تسويقية على أنها منتجات ثقافية، وهذا ما بشَّرت به رؤية إي بيونغ هون لتصدير الثقافة الكورية.
أثناء بحثه في المصادر من أجل مسلسل "هيو جون"، ليجلوَ النظام التعليمي الطبي للنساء "يوينيو" في مملكة جوسون، عثر إي بيونغ هون على فقرة عن الطبيبة "داي جانغ غيوم" في أطروحة دكتوراه عن التعليم الطبي. إذ تنقل السجلات عن الملك جونغجونغ المتوفى سنة 1544 قوله: "جانغ غيوم أدرى بعلّتي. لا حاجة لي بطبيب آخر".
سُرَّ المخرج بهذه المعلومة المفاجئة أيما سرور. إذ كيف لامرأة في عهد جوسون أن تكون طبيبة، ناهيك عن أن توكل بتطبيب الملك، خاصةً إذا اعتبرنا صرامة الطبقية والمؤسسية والأبوية في ذلك العصر. ومن هذا الاقتباس المسطور في وثيقة تاريخية، ولدت فكرة مشروع إي بيونغ هون القادم "داي جانغ غيوم"، المسلسل المعروف أيضاً بعنوان (جوهرة القصر).
وقعت أحداث "داي جانغ غيوم" نظرياً قبل أحداث "هيو جون" بنحو نصف قرن. ولأن كلتا الشخصيتين مشتغلتان بالطبّ، حارَ إي بيونغ هون في البدء، إذ لم يرد صناعة جزء ثان من "هيو جون"، لئلا يقع في فخّ التكرار. فأشار عليه مساعده بأن يضيف إلى الطبِّ عنصر الطعام، إذ "المعدة بيت الداء" كما قالت العرب. استحسن إي بيونغ هون الفكرة، وصاغ القسم المتخيل من حياة جانغ غيوم. فتكون طفلة يتيمة تتربَّى مع أترابها في القصر حيث يُهيّأن وصيفاتٍ في المطبخ الملكي. ثم تُبعَد عنه مع معلِّمتها بعد سنواتٍ بمكيدة، قبل أن تتعلَّم العلاج بالأعشاب وتعود إلى القصر ممرِّضة فطبيبة تنال ثقة العائلة المالكة.
قدَّم إي بيونغ هون نظرة جديدة عن النساء في مملكة جوسون. إذ لم يسبق أن عرضت دراما تاريخية تشغل فيها النساء مجتمعاً بالزخم الذي ظهرن به في "جوهرة القصر". استطاع المخرج تغيير الأنماط المعهودة لنساء القصر الملكي، على قلَّة مساحة أدوارهنَّ سابقاً، إذ كثيراً ما صُوِّرن في أعمال ساغوك سابقة جرياً على نمطين رئيسين. الأول، ما يعرف في الغرب بنمط "لا فيم فاتال" (اللعوب المهلِكة) التي تستغلّ مكرها ومفاتنها للإيقاع بالرجال.
والثاني، نمط "هيونمو-تشيو" أي الزوجة الصالحة والأم الحكيمة، ضمن هامش درامي محدود. وعوضاً عن هذا، صدَّر جوهرةُ القصر التنافسَ بين الوصيفات في المطبخ الملكي على اختلاف رتبهن وأدوارهن، بلا وجوهٍ أُعمِلَت فيها جراحات التجميل. وحتى لمن لم يألفوا المطبخ الكوري من قبل، كانت مشاهدة جيش النسوة وهنَّ يعددن المائدة الكورية مع الموسيقى الملحمية المصاحبة نزهة للنظر وتجربة ثقافية فريدة بحد ذاتها.
وعلى خطى "هيو جون"، نجح مسلسل "داي جانغ غيوم" في جذب المشاهدين الكوريين من مختلف الأعمار صغاراً وكباراً. فبعد أن سَجَّل "هيو جون" متوسط نسبة مشاهدة محلية بلغ 48.3 بالمئة، سجل "داي جانغ غيوم" 46.3 بالمئة، ليحتلّا المركزين الأول والثالث على التوالي في قائمة أعلى المسلسلات التاريخية نسبَ مشاهدة في تاريخ التلفزيون بكوريا الجنوبية حتى الآن، حسب موقع "ويكي تري" الإلكتروني. وبحلول سنة 2011 عُرض المسلسلان في حوالي تسعين دولة حول العالم. ونشرت وكالة أنباء "مهر" الإيرانية على موقعها باللغة الإنجليزية في 20 يونيو 2007 أن جوهرة القصر هو الأكثر شعبية في إيران يومئذ، وفق استبيان لهيئة الإذاعة والتلفزيون.
تتجلَّى المفارقة في أن تاريخ جوسون الممتدّ قروناً من سياسة الانعزال عن العالم، حتى عُرفت بنموذج "مملكة الراهب" قد استُخدِم مادةً ثقافيةً للتفاعل الإقليمي والانتشار العالمي منذ مطلع الألفية الثالثة. لكن سائر أعمال إي بيونغ هون لم تخلُ من التطرق إلى علاقة جوسون مع الجيران.
فيُظهر الصينيين حلفاء يتسمون بفوقية يحاول البطل الكوري تحدِّيها بمهارته، إن كانت بالطب أو الطبخ أو الرسم أو التجارة. وهذا عائد إلى وضع مملكة جوسون التي استمدَّ حكامها دعمهم وشرعيتهم من إمبراطورية الصين، ناهيك عن التبادلات الثقافية والاقتصادية بينهما. أمَّا اليابانيون فيصوَّرون في الغالب غزاةً أو ألدَّ الخصام كما عرف من تاريخهم مع الكوريين.
ذات يومٍ تلقَّى إي بيونغ هون بطاقة بريدية من متابع ياباني كتب فيها "لم أكن أعلم بأن الثقافة الكورية بهذا الجمال. شعرتُ بالخجل الشديد لأننا غزونا مكاناً كهذا". كذلك راسله على منصة فيسبوك طالبٌ من رومانيا أخبره أنه كان يخطط للدراسة في إيطاليا، لكنه غيَّر وجهته إلى كوريا الجنوبية بعدما شاهد أحد مسلسلاته. كان المخرج يكابد قراءة الرسائل والردَّ عليها بالإنجليزية، لكن الرضى يغمره لشعوره بالنجاح في تغيير صورة بلده ولنجاح أعمال كورية جنوبية عرضت في الخارج، على ما بين البلدان من اختلافات ثقافية.
فقال في مقابلة مع موقع "إيدايلي" الكوري نشرت سنة 2015: "إنها مسألة عالمية. فكي ينسجم مشاهدوك عبر الحدود معك، لا بد أن يَألَفوا قصتك. الجمهور شرق العالم وغربه يتفاعل مع قصص عن نموِّ الشخصية وكفاح البطل في اجتياز الصعاب وكسر القيود. وعندما دمجنا في الدراما أطر الطعام والصحة كان لها بالغ الأثر عالمياً". وحقاً كان للطعام والصحة إسهام مستمر في الموجة الكورية الثقافية عالمياً، إذ إن المطبخ الكوري وصناعة التجميل من روافد هذه الموجة، بمعيَّة فنون السينما والدراما المعاصرة وموسيقى البوب.
كان إي بيونغ هون طفلاً في عامه الثاني عندما تحرَّرت بلاده من الاحتلال الياباني المديد مع نهاية الحرب العالمية الثانية. ثم ما لبثت أن اندلعت الحرب بين شطري كوريا سنة 1950. لم تمهل الحرب ذلك الطفل أكثر من يومين حتى سرقت منه أباه، الذي خرج يتفقد المنطقة لكنه لم يرجع أبداً. واضطرت الأمّ المكلومة للنزوح بأطفالها الأربعة بعد عامين من سيئول إلى تشونغتشونغ، ثمّ الاستقرار في مدينة إنتشون حيث يعيش أبواها. اجتالت الحربُ الدائرةُ عقولَ الأطفال، إذ لم يعرف بيونغ هون وأقرانه في الحيّ سوى ألعاب مستوحاة من الحرب، ولم يكونوا يحلمون بكرة القدم ولا سواها من الألعاب التي عرفتها الأجيال اللاحقة.
يصف بيونغ هون كيف كانت جدَّته تناديه مؤنِّبةً من وراء الباب: "لقد استنفدتَ زيت السراج، أطفئه فوراً ونَم". كان يتظاهر بالامتثال لجدَّته. غير أنه يسدل دثاراً على نافذة حجرته ليحجب الضوء، مستأنفاً قراءة قصص ألغاز كونان دويل صحبة أخته الكبرى كعادتهما كلَّ ليلةٍ، غير آبهَيْن بمَرّ الساعات. وفي الغداة كانت قدماه تسابقانه إلى مكتبةٍ صغيرةٍ بجوار متنزه جايو في مدينة إنتشون قرب العاصمة سيئول، ليستعير ما تيسَّر من الكتب بما استطاع ادِّخاره من مالٍ قليلٍ، ما لم ينقلب إلى مهوى فؤاده الآخر، دار السينما.
في كتابه الذي يستعرض سيرته المهنية "كومي وانغوغ إيل سي اورا" (شَيِّد مملكة أحلامك) سنة 2009، صرَّح المخرج بأن الأفكار التي نهلها من الروايات خدمته كثيراً في صناعة الدراما لتصوير تاريخ الممالك الكورية. يقول بيونغ هون : "إن مشاهدة فيلمٍ تُخلِّف في ذهني صوراً أرغب في محاكاتها، لكن قراءة كتابٍ تُتيح لي رؤية زخمٍ من الصور". وعندما تولَّى بيونغ هون إخراج سلسلة "خمسمئة عام من جوسون" عكف طيلة ثمانية أعوامٍ على قراءة ما يربو على ثلاثمئة مجلدٍ من الحوليات (السجلات السنوية) المُدونة في زمن سلالة جوسون.
انعكست طفولة إي بيونغ هون في ملامح من الدراما التي أخرجها. فكثيراً ما يتجرع البطل أو البطلة مرارة اليتم في بداية المسلسل. وتفرد أحياناً مساحة رحبة للأمِّ التي تحمل أعباء أولادها، كما كانت أمّه. كذلك فإن القدرات الفائقة للبطل أو البطلة لا تغنيهم في جملة مواقف عن دعم المخلصين من المحيطين بهم. هكذا تتميَّز أعمال إي بيونغ هون بمنحها صوتاً أعلى للفئات المهمَشة وأرباب المهن المندثرة أو غير المقدَّرة، بتصوير حيواتهم ومشاعرهم اليومية. ويولي المخرج أهمية لبناء الشخصيات في أعماله، إذ يقول في حوار مع موقع "يس 24" الإلكتروني سنة 2009 إنه كلما توفرت سجلات تاريخية عن الشخصيات، صعُب تشكيل الشخصية وتقيَّدت حرية المؤلف في التحكم بمسارها، والعكس بالعكس.
في دراسة منشورة في مجلة "دايجونغ سيوسا يونغو" (دراسات السرد الشعبي) سنة 2017، عن طرائق تطوير الشخصيات في الدراما التلفزيونية، قسَّم الباحثُ يانغ جين مون شخصياتِ مسلسل "هيو جون" إلى حقيقية وخيالية. أما الحقيقية فكان أبرزها البطل هيو جون ومعلّمه الطبيب يو أوي تاي. تعضد الشخصياتُ الحقيقية مصداقيةَ المسلسل، وتغري المشاهدين بتقبّل العمل قصةً حقيقيةً، في حين توظَّف الشخصيات الخيالية لتعويض البعد العاطفي والنفسي المفقود في الدراما التاريخية التقليدية. ويضيف الباحث أنه بينما تُحرِّك الشخصياتُ الحقيقية الإطارَ السرديّ للمسلسل، توضع الشخصيات الخيالية في مسارات لعرض أفكار المخرج بالحبكات الفرعية وتحويل العمل من دراما تاريخية جادة وكثيفة إلى دراما خفيفة وسريعة الإيقاع، تثقيفية ومسلِّية معاً.
كذلك استخدم إي بيونغ هون أساليب جديدة على الكوريين في بناء شخصيات الدراما التاريخية، وهي: الخيال التاريخي الملحمي، ومنهج الشد والإرخاء، وعصرنة رواية البطل. وقد عدَّد هذه الأساليبَ وبيَّنها جو تشانغ يون، أستاذ الصحافة والسينما بجامعة سيئول للنساء، في دراسته الانطباعية عن عالَم إي بيونغ هون كاتباً درامياً، المنشورة في دورية "هانغوغ بانغسونغ هاكبو" (المجلة الكورية للبث والاتصال) سنة 2011.
أما الخيال التاريخي الملحمي، فإن إي بيونغ هون يبني أعماله عادة على حبكة مزدوجة. واحدة تحكي قصة نجاح شخصية تاريخية، وأخرى تصوِّر علاقة عاطفية ملحمية. في مسلسل (التاجر) مثلاً كان سانغوك يشق طريقه واحداً من أهمِّ تجار البلاد، في حين يكنّ مشاعر عاطفية تجاه دانيونغ ابنة خصمه اللدود المتبنَّاة. وأما الشد والإرخاء، فمنهج إخراجي يستخدمه بالتناوب في الحلقة الواحدة. فمن منظور سردي يشتد التوتر مع مسيرة البطل للنجاح واجتياز الصعاب، في حين ينخفض التوتر مع العلاقات الاجتماعية والعاطفية المحيطة بالبطل. وهذا حال يي سان كل حلقة ما بين التعامل مع خصومه السياسيين وبين علاقته مع صديقة طفولته (محظيَّته لاحقاً) سونغ يون. وأما عصرنة رواية البطل، فذلك أن البطل في أعماله غالباً من عامة الشعب، ويحصد النجاح بالموهبة والاجتهاد، وتصاغ شخصيته مزيجاً من عَلَم تاريخي وإنسان عادي. ففي حالة الطبيبَيْن هيو جون وجانغ غيوم، ورد اسماهما في السجلات التاريخية بلا ريب، لكن تفاصيل قصّتَيْ صعودهما غير معلومة بدقَّة. لذا يصورهما المخرج، كما يصوِّر باقي أبطاله، إنسانَيْن يغشاهما ما يغشى عامة الناس من مشكلات فردية ومجتمعية.
إن متعة إخراج الأعمال الدرامية التاريخية، حسب رأي إي بيونغ هون، تكمن في عمق الشخصيات وتنوعها. فهو يرى أن الأعمال الدرامية الحديثة تصعِّب تصوير الشخصيات، فكثير منها ينحصر في دوامة ورثة الشركات ومثلثات الحب وما صنع الحدَّاد بين الحموات والكنات. في حين تستطيع الدراما التاريخية، على محدودية إطارها، أن تصور بجرأةٍ أنماطاً لا تحصى من الشخصيات بأفراحها وأحزانها وكفاحها.
حضر إي بيونغ هون ضيفاً ومناقشاً في منتدى إعادة دراسة الدراما التاريخية الذي نظَّمته مؤسسة تاريخ شمال شرق آسيا بالتعاون مع جمعية المخرجين المنتجين بسيئول في 22 يونيو 2011. يومئذٍ عرض الباحث جو تشانغ يون ورقة بحثية بعنوان "أنواع الخيال الثلاثة في الدراما التاريخية: من الأمة القوية إلى ما بعد الأمة"، عرض فيها ثلاثة أنواع سردية طغت على مراحل مختلفة من إنتاج الدراما التاريخية في كوريا الجنوبية. ينطلق جو من أنه لا مراء في أن الدراما التاريخية تُعنى ضرورةً بأحداث وشخصيات حقيقية، إنما الخلاف في مدى تدخّل الخيال في سبكها.
تبرز الورقة أن السرد التاريخي التوثيقي كان هو المسيطر على الدراما المنتَجة ما قبل التسعينيات. وهو السرد المكرّس الشعورَ القومي الجارف، ملتزماً ما دوّن في الحوليات والوثائق التاريخية الرسمية، مثلما في سلسلة "خمسمئة عام من جوسون". ثم أتى بعده السرد التاريخي السائغ، متحرراً من قيد التوثيق، ومتمحوراً حول أبطال من قادة البلاد، وغلبت فيه الاحتمالية التاريخية على خيال الكاتب. هذا السرد يمثل الفكرة الأبوية عن الأمة، وقد استخدم في أعمال نجحت جماهيرياً في التسعينيات مثل (دموع التنين)، أي في فترة اعتزال إي بيونغ هون.
أما السرد التاريخي التخيلي، الذي يشهد الباحث بأنه الأكثر شعبية منذ بداية الموجة الكورية الثقافية، فتندرج تحته أعمال إي بيونغ هون في طوره الإخراجي الثاني. ولا يعني بالتخيلي هنا الجنوح في الخيال وإنما إحاطة الشخصيات الرئيسة بشبكة من العلاقات والأحداث من خيال المؤلف، مع الحفاظ على السياق العام الموثق تاريخياً. وبهذا يسد الفراغ الناشئ عن شح المصادر عن شخص البطل.
ثمة أمثلة على ذلك، منها استثمار المخرج مسلسل "دونغ يي" في ذكر منظمات الحقوق المدنية السرية التي نشطت في عهد الملك سوكجونغ الذي حكم نحو 45 عاماً انقضت في 1720. عملت هذه المنظمات على الثورة على الواقع الطبقي في مملكة جوسون. ووجد المخرج أن السبيل الأمثل لربط جماعة "غيومغي" (أخوية السيف) السرية بالقصة الدرامية، يكون بخلق رابطة دم، إذ لم تعلم البطلة أن أباها كان قائد الجماعة السرية سابقاً. ثم تمضي بها الأحداث بالتدرج في مدرسة الموسيقى بالقصر الملكي إلى أن تصبح المحظيّة الثانية للملك وأمّاً لخليفته. خطَّط المخرج لذلك مستفيداً من قلَّة المصادر التاريخية عن السيدة تشوي (دونغ يي)، محظيَّة الملك سوكجونغ الثانية، فهي تنحدر من طبقة اجتماعية دنيا، خلافاً للملكة وللمحظية الأولى.
وكذلك الأمر في مسلسل "يي سان" (رياح القصر)، إذ سئل المخرج في لقاءٍ لموقع "هاني" الكوري سنة 2008 عن سبب اختياره شخصية أحد ملوك جوسون بطلاً للقصة، مع إعلانه سلفاً طيَّ صفحة دراما الملوك منذ سنوات عديدة. فقال إنه في البداية بحث عن شخصية من العامة في سياق مهني جديد، بعدما تناول الطب والطبخ فيما سبق، ففكَّر في سيرة الرسام كيم هونغ دو المتوفى سنة 1806 وقرأ لأجل ذلك خمسة عشر كتاباً. لكن زميله كاتب النص أخبره بأن الناس يهتمّون بأمور المال والصحة والطعام أكثر من الفنون، بل قد يجدونها مملة. لذا صرف نظره إلى سيرة الملك جونغجو الذي حكم حتى سنة 1800 بتغييرٍ محدودٍ مقارنةً مع التاريخ المدوَّن، وبما يستوفي جوانب الملك الإنسانية والعاطفية التي تعذَّر تجسيدها قبلاً في "خمسمئة عام من جوسون".
لكن، ما كاد يصرف النظر عن تناول قصة الرسام كيم هونغ دو، حتى عُرضت شخصيته سنة 2008 في مسلسل بعنوان "بارامْوِي هواوُن" (رسَّام الريح). فوجئ المشاهدون بتصوير شخصية الرسام شين يون بوك فتاةً متنكرةً في زيِّ رجلٍ لتُقبَل في مدرسة الرسم، وهو تضليلٌ تاريخيٌ للنشء يعارضه إي بيونغ هون، حتى وإن كان العمل مقتبساً من رواية منشورة. فالتطرف في الخيال يجرِّد الدراما التاريخية من طابعها التثقيفي. لذا يرفض إي بيونغ هون وصف أعماله بالدراما التاريخية "التوليفية" إذ إن هذه تتجاهل الدقة التاريخية، في حين أنه يحاول ما استطاع ألا يحيد عن التاريخ الموثق.
ولا يقتصر أثر السرد التاريخي التخيلي في أعمال إي بيونغ هون الدرامية على سدِّ الفجوات في جدار التاريخ الفردي فحسب، بل يشمل تاريخ الأعراف والمعتقدات أحياناً. ففي أعماله ضمن السياق الطبِّي التاريخي (هيو جون، وجوهرة القصر، وطبيب الخيول) يعرض المخرج تحدياً للتراتبية الاجتماعية والمحظورات الثقافية في مملكة جوسون. فيحمل أبطالُ هذه الدراما لواءَ سواسية المعرفة الطبية وحيادها بين البشر، فيما يرمز له الباحث كاي كيون ليو بمصطلح "الكونفوشية التوليدية" في دراسته "سوتشرينغ ذا نيشن إن ساوث كوريان هيستوريكال تيليفيجِن ميديكال دراماز" (رتق جراح الأمّة في الدراما التلفزيونية التاريخية الطبية الكورية الجنوبية)، المنشورة في "جورنال أوف ميديكال هيومانيتيز" (مجلة الإنسانيات الطبية) سنة 2020.
تسليماً بتساوي حرمة الجسد بين البشر مادةً تشريحيةً، فإن إي بيونغ هون يتبنَّى في تلك الأعمال سرديةً تجديديةً (الكونفوشية التوليدية حسب اصطلاح الباحث)، فيوطِّن العلمَ المعاصرَ ضمن التقاليد الطبية الكورية وفلسفات الاستشفاء الكونفوشية التي رسَّخها نظام جوسون التراتبي الإقطاعي والأطر المعرفية الجامدة للكونفوشية المؤسساتية. فالفلسفة الطبية الكونفوشية قائمة جوهرياً على جعل الجسد يستشفي بنفسه، مع التداوي حسب الحاجة. وفي سالف العصر كان شق الجسد بالمبضع محرَّماً، وإن كان الغرض نبيلاً، إذ إن الصبر على المرض كان يُعد جزءاً من الاستجابة للطبيعة والقدر.
وبالعودة إلى الباحث جو تشانغ يون فقد نوَّه بالسرد التاريخي التخيلي في مسلسلات إي بيونغ هون من حيث استخدامه سياقات اجتماعية معينة مثل الشارع والسوق. إذ إن تلك السياقات توفر فضاءً ثانوياً مضافاً على الفضاء الرئيس، أي القصر الملكي، من أجل تنحية القومية والأبوية إلى خلفية المشهد قليلاً، لتبقى علاقات القوى المتفاوتة بين البشر في ذلك العصر محوراً أساساً للدراما التاريخية.
لكن تلك الثورية الملحوظة باستخدام التخييل في أعمال إي بيونغ هون، لا تخلُ من مآخذ فنية، سجلها ولاحظها محبو أعماله قبل نُقَّاده.
مما انتُقِد على مسلسلات إي بيونغ هون تكرّر أنماط الشخصيات وعناصر الحبكة فيها على نحوٍ يسهل التكهن به لمن تابع أعماله. إذ تنحو منحى السيرة الشعبية لأبطال من خلفية مهمشة، يتغلبون على الصعاب حتى يبلغوا مرادهم. وغالباً ما يكون البطل أو البطلة يتيم الأبوين أو أحدهما، ويدعمه أصدقاء مخلصون يتسمون بالظرافة. كذلك تتكرر في أعماله قصص حبٍّ يعسر حلّها غالباً بسبب الفارق الطبقي أو وجود طرف ثالث. ويبرز البطل دائماً في مهنة أو موهبة يتعلمها من الصفر، ويظهر مهاراتٍ يبزّ أقرانَه فيها فتكون سبباً في حسدهم وإعجاب ذوي الشأن وسبيلاً إلى ترقِّيه مجتمعياً.
ولا يرى المخرج بأساً بتكرار العناصر البنيوية الملحمية ما دام يحث الخطا نحو هدفه الرئيس، وهو إشاعة الثقافة الكورية، قائلاً بأن الأهمَّ في أعماله تسليط الضوء على سياقٍ تاريخيٍ جديدٍ كلِّ مرَّة. فحسب رأيه لم يكن أكثر من 5 بالمئة من الكوريين يعرفون "سوراغان" (المطبخ الملكي) قبل مسلسل "داي جانغ غيوم" المعروض سنة 2003 ولا "دوهواسيو" (أكاديمية الرسم الملكية) قبل مسلسل "يي سان" المعروض في 2007. كذلك الأمر في مسلسل "زهور السجن" المعروض 2016، إذ يسترجع معالم سجن جيونوكسيو ونظام "أوجيبو" لحقوق الإنسان، الذي يتيح مساعدة العامة أمام القضاء في القرن السادس عشر.
ثمة من يشبّه بنية دراما إي بيونغ هون بألعاب الفيديو التي يتعيَّن على اللاعب فيها اجتياز المراحل واحدة تلو أخرى. ويعتقد المخرج بأن ما يميز أعماله الدرامية طبيعتها المشابهة للعبةِ تقمص الأدوار، وأن مما يعزز شعبيتها محلياً وعالمياً تعلّقها باهتمامات البشر مثل الطبخ، وحبكة المسلسل العامة التي تبقى مظلَّة تتفيأ تحتها الحبكات الفرعية. ويؤكد على استيعاب ذلك ضمن بنية الدراما السردية مشتملةً على المقدمة والتصعيد والذروة والخاتمة، وهي عناصر بنيوية مألوفة منذ المسرح الإغريقي وحتى سينما هوليوود. كذلك يرى أن الوتيرة الهوليوودية السريعة لسير الأحداث، ومنعطفات الحبكة الحادة، وانتصار الخير على الشر في النهاية مما يميِّز أعماله الدرامية الكورية عن الجيران في الصين واليابان.
قلَّما يلاحظ من الناحية البنيوية في مسلسلات إي بيونغ هون تكرار تأخير المسافة الزمنية بين حلِّ العقدة والخاتمة. فالمألوف أن تشتمل الحلقة الأخيرة من أي عمل درامي على الحلِّ والخاتمة معاً. لكن إي بيونغ هون يمنح أبطاله نشوة استرداد الثأر أو بلوغ المرتبة العليا فيما يُظنّ أنه نيل المبتغى ونهاية الحكاية، ليفاجأ المشاهد بأن الأمور لم تنته بزوال الشخصية الشريرة أو نجاح البطل، إذ تزجي القصَّة مزيداً من الحلقات في اختبار جديد للبطل، وهو معترك السلطة الأخلاقي. فما كاد أن رُقِّي هيو جون وداي جانغ غيوم إلى درجة طبيب الملك، حتى وجد كلٌّ منهما نفسه على الأثر نحلةً في عشّ دبابير، وسط محاولات التأثير عليهما من حاشية الملك والمتنفذين في القصر، وهو ما يخالف مبادئهما ويفوق احتمالهما، كما قال النبيّ يوسف (رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْه).
على أنه من مؤسسيها الكبار ممن كان لهم الأثر في لفت أنظار العالم إلى ثقافة كوريا وخصوصيتها وطعامها وطبابتها وفنونها القديمة المتواصلة إلى يومنا هذا، لكن إي بيونغ هون يرفض الانجراف مع المبالغين في الاحتفاء بمدِّ الموجة الكورية.
في مقابلة مع موقع "سبورتس سيئول" في ديسمبر 2019، قال بيونغ هن إنه وإن كانت الدراما التاريخية دافعاً رئيساً في موجة "هاليو" الثقافية الكورية، إلا أنها شهدت تراجعاً في التأثير والوصول. ويعزو ذلك التراجع للتنافس المحموم على نسب المشاهدة وتغيّر وسائل العرض، مع دخول ميزة منصات العرض مثل يوتيوب ونتفليكس. أسفر ذلك برأيه عن عدم تمكن أي مسلسل درامي تاريخي كوري من النجاح عالمياً منذ "جومونغ" سنة 2007. وتحدث بيونغ هون عن "الحاجة الماسة للتغيير"، كما جدّد هو في حينه بدءاً من "هيو جون" سنة 1999. ونقل عنه موقع "إيدايلي" في وقتٍ سابقٍ قوله: "الموجة الكورية ثقافة. لكن ينبغي أن نتكيف مع التغيرات. فإذا جنحنا في اتجاهٍ واحدٍ، فربما تكون العواقب وخِيمة [. . .] علينا خلق حسٍّ بأن الموجة الكورية جزءٌ من ثقافةٍ آسيويةٍ أشمل. هكذا يمكنها أن تدوم".
في حديث مع موقع "كي هان" الكوري في سنة 2007، انتقد المخرج المبالغة في أجور الممثلين حتى تضاعفت بنحو ثلاثة إلى ستة أمثال منذ إنتاج (جوهرة القصر) سنة 2003، مما قد يترك أثراً سلبياً على الموجة الكورية، إذ إن ثمرتها يجنيها الممثلون فحسب ولا تستفيد منها الصناعة وشركات الإنتاج كما ينبغي. أوضح المخرج بأن نحو 80 بالمئة من تكاليف الإنتاج يذهب أجوراً لممثلي الأدوار الرئيسة، مما يضطر المنتجين إلى استخدام ممثلين قليلي الأجر والموهبة لملء الأدوار الثانوية. وهو ما حدث في مسلسل "جومونغ" مثلاً عندما صوِّرت مشاهد المعارك بما لا يزيد عن خمسين رجلاً. وينذر هذا بانخفاض في جودة الأعمال ومن ثمَّ قد يقصِّر من عمر الموجة الكورية، حسب رؤية إي بيونغ هون. كذلك فارتفاع تكلفة الإنتاج سيفضي إلى ارتفاع أسعار التصدير، مما يثني المحطات في اليابان والصين وتايلاند وغيرها عن استيراد مزيد من الدراما الكورية.
يتداوى إي بيونغ هون بنبات الجنسنغ الأحمر الكوري منذ سنوات عديدة. بعدما انكسر لوح كتفه أثناء تصوير جوهرة القصر، واضطر إلى تقطيب رأسه باثنتي عشرة غرزة بسبب إصابةٍ نالته حين تصوير "يي سان"، واستجاب أخيراً لتوسلات زوجته باعتزال الوقوف خلف الكاميرا نهائياً منذ 2016.
أدرك المخرج تغير المشهد الدرامي بتسارعٍ منذ طوره الإخراجي الثاني. واتضح له أن البيئة لم تعد مواتية لتحقيق نسب مشاهدة قياسية. وأقرَّ في مقابلة مع موقع "نيوز 1" الإلكتروني سنة 2016 بأن: "وصول نسبة مشاهدة عملٍ ما إلى 15 بالمئة في هذه الأيام يعدّ نجاحاً. لكن جمهور الشباب لا يشاهدون الدراما الأرضية في ساعات بثّها الاعتيادية، لذا يُتوقع أن تنخفض نسب المشاهدة. لقد اشتدت المنافسة بين القنوات على هذه النسب، ولهذا أشعر بالقلق".
لم يكن قلقه نابعاً من نسب المشاهدة وتكاليف الإنتاج فقط. فاليوم، تبدو دراما إي بيونغ هون التي أخرجها مع مطلع الألفية قديمة الطراز إذا ما قورنت بموجة "ماكجانغ" (المنتهَى) الجديدة، التي استعرت نارها في الدراما التاريخية جالبةً معها القصص الصادمة والسادية والمشاعر الحادة والانتقامية والقفز عبر الزمن والأداء الهزلي بإسراف. وفوق ذلك، أضحت الدراما التاريخية ميداناً لتجريب نظريات التاريخ البديل والقراءات المغايرة لما سبق من تاريخ مدوّن، وهو ما يعارضه بيونغ هون تماماً المؤمن بقيمة التمسك بعرض التاريخ المدون بلا تحريف.
في آخر مشهد من "خمسمئة عام من سلالة جوسون"، تُسدل الستارة على عبارة "التاريخ ليس محض سجلٍ لماضٍ ميّتٍ وإنما هو ظرفٌ حيٌّ". عبارة وقف عندها مليّاً إي بيونغ هون قبل غيره، ثم عزم على إخراج تاريخ كوريا من صومعة الراهب ليصنع منه مادة معرفية ترفيهية للكوريين وموجة ثقافية ممتدة في العالم.
