فضل يوسف صانع تحقيقات استقصائية وأفلام وثائقية
— أُنتج هذا التحقيق بالتعاون مع أريج —
في مساء 25 مايو 2023، غادر كامل حميدة قريته في محافظة الشرقية (شمال شرقي العاصمة المصرية)، وهو فتىً لم يتجاوز الخامسة عشرة. في غفلةٍ من عائلته، استقلّ سيارة نقلٍ جماعيٍّ صغيرةً، رفقةَ تسعةٍ من أبناء قريته متّجهين إلى ليبيا، في خطوةٍ أولى من رحلةِ هجرةٍ غير منظمةٍ قانونياً رتّبها لهم وسيط. توجهت الحافلة الصغيرة إلى مدينة السلّوم في أقصى الشمال الغربي من الحدود المصرية، ومن ثَمّ إلى مآله المجهول.
بعد أيامٍ من التنقل خلال الدروب الصحراوية على جانبَي الحدود المصرية الليبية، وصل كامل إلى مدينة طبرق، حيث استقر في مزرعة زيتونٍ يملكها أحد أبرز مهرّبي البشر في شمال إفريقيا، المعروف منذ سنة 2017 بِاسم "أبو سلطان". وحين وطأت أقدام كامل ورفاقه المزرعة، كان المصري أ. س. سليمان قد أمضى عاماً كاملاً في إدارتها. وسليمان هذا جاء من الشرقية أيضاً إلى ليبيا تهرّباً من ديونٍ متراكمةٍ، قبل أن يتحوّل في أقلّ من عامٍ من تاجر خضراواتٍ بسيطٍ ليصبح الرجل الثاني في شبكة أبو سلطان للتهريب، وحلقة الوصل بينه وبين شبكةٍ معقدةٍ من الوسطاء تمتدّ من دلتا مصر إلى الساحل الليبي.
اقتربنا من "إمبراطورية أبو سلطان" التي تتخذ من طبرق الليبية مركزاً لإدارة أذرعها المتشعبة والممتدة إلى أعماق الريف المصري. يعتمد أبو سلطان على شبكةٍ واسعةٍ من الوسطاء الذين يسهّلون "شحن" راغبي الهجرة من مصر إلى ليبيا، ثم إدارة عمليات غسل أموال لتدوير الأرباح المتحصلة من التهريب.
يدير أبو سلطان شبكةً عنقوديةً تتبّعنا خطوطها وعلاقاتها مع القوات والسلطات الحاكمة في منطقة شرق ليبيا، حتى كشفنا عن هويته. ويستخدم تاجر البشر الليبي شبكات التواصل الاجتماعي في بناء منظومةٍ من الوسطاء والسماسرة لتهريب القُصّر والراغبين في الهجرة إلى أوروبا عبر مراكب متهالكة. كذلك، يُلبس أرباحَه كساءً شرعياً عبر عمليات غسيل الأموال.
أثناء اجتماعات المؤتمر الأول لمصر والاتحاد الأوروبي في بروكسل يوم 22 أكتوبر 2025، شدّد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي على نجاح بلده في منع الهجرة "غير الشرعية" إلى أوروبا قائلاً "لم يخرج قاربٌ واحدٌ من مصر يحمل مهاجرين غير شرعيين إلى السواحل الأوروبية منذ 2016". لكن ذلك التأكيد لا ينفي الواقع الذي ترصده وتعلنه منظماتٌ أوروبيةٌ معنيّةٌ بالهجرة في تقاريرها عن الهجرة غير المنظمة. تشهد هذه التقارير بأن أعداداً كبيرة من المصريين لا تزال تعبر المتوسط في قوارب غير مجهزةٍ، منطلقةً من ليبيا نحو أوروبا، هرباً من الظروف الاقتصادية متفاقمة الصعوبة.
كامل واحدٌ من هؤلاء الذين راودهم حلم السفر إلى أوروبا مروراً بليبيا، لكن مصيره انتهى إلى إحدى مزارع أبو سلطان. عبر شبكة أبو سلطان، هاجرَ كامل من قريته في الشرقية إلى مدينة طبرق الليبية. لكنّ الطريق إلى هناك لم يكن سهلاً. تروي والدته، أمل شحاتة، للفراتس ما سُمح لابنها بإخبارها به عن الرحلة: "شحنوهم الوسطاء في ميكروباص [حافلة صغيرة] من الشرقية، وكان أكبرهم ما عدّاش [لم يتجاوز] 18 سنة. آخِر محطة كانت السلّوم، وهناك استلمهم مهرّبين هرّبوهم من الحدود المصرية إلى داخل ليبيا".
تتطابق رواية الأم مع ما كَشفت عنه تحقيقات النيابة العامة المصرية في يوليو 2023، من مسارات التهريب الممتدة على الطريق الحدودي بين مصر وليبيا. توصلت النيابة إلى أن "ع. إ. ح." و"ص. ي. ف."، وهما من محافظة مطروح، كانا يتولّيان منذ سنة 2017 مهمة استلام المهاجرين غير النظاميين في مدينة السلّوم وتهريبهم عبر الدروب الصحراوية إلى الداخل الليبي. وهناك، يسلّمان المهاجرين إلى عناصر أخرى تنقلهم إلى مستودعاتٍ ومزارعَ تابعةٍ لرأس عصابة التهريب، أبو سلطان.
يملك أبو سلطان مزارع زيتونٍ في طبرق. ووفقاً لتحقيقات النيابة العامة المصرية التي حصلت الفراتس على نسخةٍ منها، يستغلّ أبو سلطان تلك المزارع غطاءً للإتجار بالبشر. ففيها يُجمَع المهاجرون في المرحلة الأولى من الرحلة، قبل تهريبهم إلى أوروبا. وفي هذه المرحلة يُجبَرون على العمل القسري داخل المزارع بلا أجر. أمّا في المرحلة الثانية، فيُنقلون إلى منطقة باب الزيتون شرق طبرق، حيث تبدأ ترتيبات الصعود إلى مراكب الهجرة.
زرنا باب الزيتون واكتشفنا وجود عدّة مقرّاتٍ لتجميع المهاجرين. بينها مزرعةٌ داهمتها قوات البحث الجنائي الليبية في مايو 2024، وضبطت فيها عشراتِ المهاجرين الذين كانوا يجهَّزون لرحلةٍ بحريةٍ نحو أوروبا، وإن لم تثبت صلتها بمجموعة أبو سلطان. وفي يونيو 2023، قبل زيارتنا بنحو عامٍ، صرّح رئيس فرع "جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية" في طبرق، اللواء إبراهيم الشهيبي، لوسائل إعلامٍ ليبيةٍ بأن نحو أربعة آلاف مصريٍّ ضُبطوا داخل مستودعاتٍ يستخدمها المهرّبون لنقل المهاجرين إلى إيطاليا.
وصل كامل إلى ليبيا في مايو 2023، حيث احتُجز داخل إحدى مزارع الزيتون التي يديرها أبو سلطان. بعد أيامٍ، تلقّت الأسرة اتصالاً من أحد المتعاونين مع عصابة التهريب في طبرق يطالبهم بدفع 140 ألف جنيهٍ مصريٍّ (نحو 4500 دولارٍ يومئذٍ) إلى وسيطٍ في الشرقية، مقابل السماح لكامل بالهجرة إلى أوروبا.
تقول الأمّ: "كلّموني وقالولي لازم تدفعوا الفلوس. كلّمت كامل وقلت له ارجع، قال لي: 'مينفعش أرجع لو رجعت هيقتلوني. لازم تدفعوا لي الفلوس'". ويضيف جدّه: "أيّ واحد مطرحنا كان هيعمل كده، يا ندفع يا يموت الولد".
على خطى كامل، سلك اثنان من أبناء المُزارع عيد عبد السلام الطريقَ نفسه. وصل أحدهما إيطاليا، في حين فُقِد أثر الآخر في البحر. يقول أبوهما للفراتس: "ابني إبراهيم كان عنده 17 سنة. الشباب اللي خرجوا من هنا مشيوا من غير رغبة أهاليهم [. . .]. أبو سلطان كان ليه صفحة على النت والناس بتسمع له. دفعنا له 140 ألف و400 جنيه. المندوب خدهم باليد، بس منعرفش هو مين".
الرابط المشترك بين كامل وإبراهيم وعشراتٍ غيرهم، من راغبي الهجرة الذين التقيناهم أو تحدثنا إلى أسَرهم، أنهم خرجوا جميعاً من مصر بتذكرةٍ مجانيةٍ مؤقتةٍ منحها لهم أبو سلطان حتى وصلوا ليبيا. إذ تعمل شبكة أبو سلطان وفق آليّةٍ تضمن جمع أكبر عددٍ من راغبي الهجرة في مزارعه مجاناً، ثم مساومة أسَرهم بعد الوصول على دفع مبالغ ماليةٍ ضخمةٍ مقابل إتمام الرحلة إلى الشمال أو مجرد الإبقاء عليهم أحياء. هذه الآليّة دَرّت عليه أرباحاً مزدوجة. فالمهاجرون يعملون قسراً في مزارعه بلا أجرٍ، ناهيك عمّا يجنيه من الأموال التي يدفعها أهالي المهاجرين تحت التهديد. يقول عبد السلام، الذي فقد واحداً من ابنيه في الرحلة: "في عيال راحوا ليبيا وقالوا لنا بنتعذب هناك في الأكل والنوم. المهرّبين بيعملوا كده عشان يضغطوا على الأهالي يدفعوا الفلوس".
تتطابق هذه الشهادات مع ما وثّقته تقارير المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، إذ يعذِّب المهرّبون المهاجرين غير النظاميين في ليبيا ويحتجزونهم تعسفاً. ثمّة مَشاهد بَثَّها مكتب النائب العام الليبي في مارس 2025، وتقارير حقوقيةٌ وإعلاميةٌ، تؤكد الظروفَ القاسيةَ التي يعيشها المهاجرون غير النظاميين في شرق ليبيا. فهم يُحتجَزون في مقرّاتٍ غير مهيّئةٍ، ويُعذَّبون تعذيباً ممنهجاً حتى تُسدَّد كامل المبالغ التي يطلبها المهرّبون والوسطاء.
كشفت الفراتس عبر مصدرَين عن هويةِ زعيم العصابة العابرة الحدودَ المصرية الليبية، وسرِّ نفوذه داخل الأراضي الليبية. أحد مصدرَي الفراتس مقرَّبٌ من شبكة أبو سلطان في طبرق، والآخر كان أحد قادة الجيش الليبي في الشرق. وتبيِّن التحقيقات القضائية المصرية ومصادر الفراتس أن الاسم الحقيقي للمهرّب، المشهور بكنيته أبو سلطان، هو م. س. الجحاشي (وأحياناً يَرِد الجحيشي في وثائق النيابة – وتُنطق في ليبيا الكحاشي). لكن مصادر الفراتس أضافت معلومةً لم تَرِد في تحقيقات النيابة، وهي أن الكحاشي جنديٌّ بالكتيبة 2020 في لواء طارق بن زياد. وهي الكتيبة التي تتهمها منظمة العفو الدولية بارتكاب جرائمَ واسعةٍ شرق ليبيا تحت قيادة صدام، ابن خليفة حفتر، قائد "القوات المسلحة العربية الليبية". ومن المفارقات اللافتة أن الكتيبة 2020 التي ينتمي إليها الكحاشي، أو أبو سلطان، تأسست أصلاً لمكافحة الهجرة غير المنظمة وتجارة المخدرات.
يقول مصدر الفراتس، الذي شغل حتى سنة 2014 منصباً قيادياً في قوات الجيش الليبي، إن م. س. الكحاشي كان مجنّداً يعمل تحت قيادته، أثناء تولّيه مهامّ عسكريةً في كتيبة عمر المختار. ويؤكد للفراتس أن الكحاشي – الذي غدا أبو سلطان – كان جندياً بسيطاً "لا يملك إلا راتبه"، قبل أن يحترف الإتجار بالبشر من طريق الهجرة غير المنظمة.
لكنّه يؤكد أن الكحاشي "مجرد دمية للضباط الكبار في الكتيبة 2020"، موضحاً أن "أي مسؤول بيحط واحد قدامه [واجهةً له]. المسؤول يكون بعيد والفلوس تيجي لعنده. والمسؤول هنا هم قادة الكتيبة، ولازم [المهربين] يدفعوا إتاوة للكتيبة. أنا أعرف جيداً أحدهم [المهربين] وهو مديون 25 مليون دينار ليبي لم يدفعها لكتيبة 2020. تبغى تشتغل معاهم، لازم تدفع. والأفضل يكون عسكري معاهم حتى يتحكّموا فيه، والكحاشي هذا [عسكري] له علاقات بالمدنيين، والأفضل أن يكون الوسيط بينهم". ويكشف القيادي العسكري للفراتس أن ضباط الكتيبة يشاركون في تهيئة عمليات التهريب باختيار مواعيد خروج القوارب "بعد 11 مساءً خاصة في ميناء كمبوت، وهو ميناء طبعاً تابع للكتيبة. ميقدرش المهرّب يهرّب هذه الأعداد عبر البحر والمنافذ بدون موافقة الدولة [السلطة في شرق ليبيا]".
يؤكد تقريرٌ سابقٌ صادرٌ عن المبادرة العالمية لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الحدود، أنّ لواء طارق بن زياد يُعدّ من أكثر المجموعات القتالية سوءاً في سجلّ انتهاكات قوات الجيش الليبي بشرق ليبيا. فهو يتورط في عمليات تهريب المهاجرين وحماية المهرّبين والمستودعات التي تُستخدم ملاجئَ مؤقتةً لهم.
قدّم تقريرٌ حقوقيٌّ آخَر صورةً أوضح عن الكتيبة 2020، التي وجدنا صلةً قويةً بينها وبين أبو سلطان. فوفقاً للتقرير السنوي لسنة 2024، الصادر عن منظمة رصد ليبيا المعنية بتوثيق انتهاكات حقوق الإنسان والجرائم الدولية، تُتهم الكتيبة 2020 بقيادة الضابط "ن. ح." بالتورط في إدارة عمليات تهريب البشر إلى أوروبا. تستفيد الكتيبة في عملياتها تلك من نفوذها العسكري، واستخدامها الممرات البحرية الرسمية في طبرق، ولاسيما ميناء طبرق البحري الذي تشرف عليه رسمياً.
الضابط المذكور في التقرير هو نفسه الذي يظهر في صورٍ متفرقةٍ مع أبو سلطان، تارةً بزيّه العسكري وتارةً أخرى بزيّه المدني، في علاقةٍ توحي بأن صلتهما تتجاوز حدود الزمالة. وقد قادنا حسابٌ على منصة "تيك توك"، يحمل اسم "س. ع. الكحاشي"، إلى العديد من المقاطع التي تجمع أبو سلطان بالضابط "ن. ح.".
وفي حسابٍ آخر على تيك توك يحمل اسم "القوات الخاصة"، ويقتصر محتواه على نشر مقاطع عمليات قوات الجيش الليبي في طبرق، يظهر أبو سلطان بمظاهر توحي بمكانته الخاصة بين قيادات اللواء طارق بن زياد والكتيبة 2020. ففي هذا الحساب، تظهر عدّة صورٍ له بالزيّ العسكري إلى جانب آمِر الكتيبة "ن. ب." مع قياداتٍ عسكريةٍ عليا في الجيش الليبي بطبرق. في المقابل، على حسابٍ آخر يحمل اسم "د. الكحاشي"، يظهر "ن. ب." في مجموعةٍ من المقاطع وهو يقود عملياتٍ تصفها التعريفات المصاحبة للمقاطع بأنها "مكافحة الهجرة غير الشرعية". ويكشف حسابٌ آخر منسوبٌ إلى أحد قادة الكتيبة 2020، "ص. ح."، اهتماماً لافتاً بنشر صورٍ تجمعه مع أبو سلطان.
ويؤكد القيادي السابق في الجيش الليبي بشرق ليبيا أن الكتيبة 2020 هي الغطاء العسكري لشبكات تهريب البشر في شرق ليبيا، وأنها توفّر لهم الحماية مقابل عمولاتٍ مالية.
مصدرٌ محليٌّ يقيم في طبرق، حيث مزارع أبو سلطان، أدلى للفراتس بمزيدٍ من التفاصيل. مصدرنا الذي عرف أبو سلطان عن قربٍ يقول إن نفوذ أبو سلطان لا يعود فقط لعلاقاته داخل لواء طارق بن زياد، وإنما لقدرته على بناء شبكةِ مصالح معقدةٍ تمتدّ من السلّوم إلى السواحل الليبية. وحصلت الفراتس من المصدر ذاته على صورٍ حصريةٍ آخرها في نوفمبر 2025 تُظهر أبو سلطان بلباسه العسكري، ومقاطع مصورةٍ زعم أنها صُوّرت داخل قصر أبو سلطان في حيّ التسليح بمدينة طبرق، حيث يقيم على رأس شبكته ذات الهرم التنظيمي الصارم.
يؤكد مصدرنا المحلي الذي عرف أبو سلطان عن قربٍ أن هويته الحقيقية لا يعرفها سوى دائرةٍ ضيقةٍ من المقرّبين، من بينهم تاجر الخضراوات أ. س. سليمان، الذي سبق أن أدار له إحدى المزارع في طبرق، وأثبتت تحقيقات النيابة المصرية صلته الوثيقة بأبو سلطان.
بحسب مذكراتٍ أمنيّةٍ وقضائيةٍ مصريةٍ صادرةٍ بين 4 يوليو 2023 و14 مايو 2024، تتبّعت السلطات المصرية نشاط الشبكة وكشفت عن دقّة تنظيمها وتوزيع الأدوار داخلها. توزعت الأدوار بين توفير الإعاشة وترتيب الانتقالات وتيسيرها وتحصيل الأموال، ثم عمليات غسلها لاحقاً. تتكوّن الشبكة من عدّة دوائر رئيسةٍ، أُولاها الدائرة الداخلية المكونة من مجموعةٍ صغيرةٍ من المقرّبين الموثوقين ممّن يتولّون تنفيذ أوامر أبو سلطان والتنسيق المباشر معه، ويشكّلون حلقة اتصالٍ بينه وبين الشبكة الأوسع. ثم تأتي دوائر الشبكة الأوسع المكوّنة من أربع حلقات. أعلاها دائرة الوسطاء الذين يتواصلون مع المهاجرين وعائلاتهم، ويجمعون الأموال وينظمون النقل من مصر إلى ليبيا. وتتبعها دائرة وكلاء أو مندوبين يستلمون الأموال من المهاجرين أو أسَرهم ويسلّمونها للوسطاء، ثم يتابعون التحركات الميدانية. والثالثة دائرة مرشدي الصحراء التي تقود المهاجرين عبر الممرات الصحراوية بين السلّوم وطبرق، بعيداً عن أعين قوات حرس الحدود في البلدين. تُضاف إليهم دائرةٌ رابعةٌ تعمل داخل ليبيا تختصّ في إيواء المهاجرين ونقلهم. وتضمّ أعضاءً مقيمين في طبرق وبنغازي يستلمون المهاجرين فور وصولهم، ويجمعونهم في المستودعات والمزارع، ثم ينسّقون تحركاتهم حتى مراحل ما قبل الإبحار إلى أوروبا.
قبل أن يصل الطامحون في الوصول إلى الشواطئ الأوروبية محطة ليبيا، يبدأ عمل شبكة أبو سلطان داخل الأراضي المصرية. فوسطاؤها المنتشرون في ريف الدلتا والصعيد يتلقفون الراغبين في الهجرة، أو يزيّنونها لمن لا يجدون مخرجاً من الأوضاع الاقتصادية متفاقمة الصعوبة. وهذا ما تؤكده عدّة تقارير، بينها تقريرٌ صدر في 29 إبريل 2024 عن مركز "ميكسد مايغريشن سنتر" ركّز على دور وضع مصر الاقتصادي في زيادة أعداد المهاجرين غير النظاميين.
بيّنت تحقيقات النيابة العامة في مصر أن تاجر الخضراوات المصري أ. س. سليمان يتبوّأ موقعاً وسطاً في الهرم الذي بناه أبو سلطان. فهو أعلى من الوكلاء والمندوبين، وأدنى من مستوى القيادة. فبات حلقة وصلٍ مثاليةً بين أبو سلطان ووسطاء الشبكة في مصر وليبيا، وضامناً لنجاح الخلايا العنقودية التي أنشأها رأس الشبكة، دون الكشف عن هوية من يدير المسألة برمّتها.
ووفقاً لمذكرةٍ صادرةٍ عن "الإدارة العامة لمكافحة الهجرة غير الشرعية" في وزارة الداخلية المصرية، أدار أبو سلطان شبكتَه منذ سنة 2017 بطريقة الخلايا العنقودية محدودة الصلاحيات. تعمل كلّ خليةٍ وفق تكليفٍ محدّدٍ لا تخرج عنه، عبر وسطاء موزَّعين على محافظاتٍ مختلفةٍ لا يعرف الأدنى منهم الأعلى، ويتواصلون مع مجموعاتٍ محدّدةٍ في ليبيا.
أثناء تحقيقها في عدّة بلاغاتٍ قدّمتها أسَر ضحايا الهجرة غير المنظمة عبر شبكة أبو سلطان، تأكّدَت النيابة العامة المصرية أن القيادة المركزية للشبكة تعمل من داخل ليبيا. وتأكدت أن الشبكة التابعة في مصر تُدار عن بُعدٍ، وأن وسطاء التهريب العاملين معها منتشرون في أغلب المحافظات المصرية. أما الأموال التي تُحصَّل من راغبي الهجرة أو أسَر المحتجزين لدى أبو سلطان، فتُغسل بواجهاتٍ تجارية.
ولأن وجهة تجارة أبو سلطان الأخيرة تقع على الشاطئ الشمالي من المتوسط، كان للادّعاء العام في اليونان دورٌ في الكشف عن بعض جوانب عمل شبكته. أكّدت التحقيقات اليونانية ما توصلت إليه النيابة العامة المصرية، بعد استجواب مهاجرين – بينهم مصريون – وصلوا اليونان قادمين من طبرق عبر شبكته. منها معلومة أنّ كلّ مهاجرٍ يدفع ما بين أربعة آلاف إلى سبعة آلاف يورو مقابل الرحلة. وأن المركب يحمل ما بين سبعمئة إلى ثمانمئة مهاجر. وتقترب عائدات الرحلة الواحدة من ثلاثة ملايين يورو.
كُشف عن جانبٍ من مكاسب شبكات تهريب البشر الهائلة في ورقةٍ بحثيةٍ صادرةٍ سنة 2021 عن معهد الأمم المتحدة الإقليمي لبحوث الجريمة والعدالة، بعنوان "إيليسيت فايننشال فلوز آند أسيت ريكوفري إن ذه ستيت أوف ليبيا" (التدفقات المالية غير المشروعة واسترداد الأصول في دولة ليبيا). قَدَّرت الدراسة الدخلَ السنوي في الداخل الليبي، الناتج عن أنشطة تهريب المهاجرين، بما يتراوح بين 89 إلى 236 مليون دولارٍ أُحصيت حتى حين صدور الورقة. واستند الإحصاء إلى أعداد المهاجرين الذين وصلوا إيطاليا سنة 2016.
وفي تقريرٍ نشرته مجلة أثينا للدراسات المتوسطية في أبريل 2025 بعنوان "أوبريشن صوفيا: إي ميرور أوف إي يو بوليتيكال دِسَغريمنت [. . .]" (صوفيا: انعكاس الخلاف السياسي في أوروبا على عمليات مكافحة الهجرة غير المنظمة وإنقاذ المهاجرين في المتوسط)، ذُكِر أن الأرباح السنوية من تهريب البشر من ليبيا إلى أوروبا تتراوح بين مئتين وخمسين مليون إلى ثلاثمئة مليون يورو. تلك التقديرات تتفق مع بيانات الهيئة الأوروبية للشؤون الخارجية عن حجم هذا النشاط العابر الحدود.
تعتمد شبكة أبو سلطان على إعادة تدوير أرباحها الناتجة عن الإتجار بالبشر وغسلها بطرقٍ متعددةٍ، عبر واجهاتٍ تجاريةٍ تبدو قانونية. فبينما كان كامل حميدة، ابن الخامسة عشرة، يبحر مع مئات المهاجرين مساء التاسع من يونيو 2023 من مدينة طبرق الليبية نحو إيطاليا على متن مركب صيدٍ متهالكٍ في حيازة شبكة أبو سلطان، عاد إلى مصر تاجر الخضراوات أ. س. سليمان الذي يدير مزرعة أبو سلطان في طبرق. باشر سليمان فور عودته المهمة المطلوبة، وبدأ جمع الأموال المحصَّلة من وكلاء الشبكة ومندوبيها المنتشرين في المحافظات المصرية، ليعيد تشغيلها في وكالة "و. ا. للخضراوات والفاكهة" في الشرقية. كذلك أسّس سليمان شركةً جديدةً تحمل اسم "س. للتوريدات العمومية"، تمهيداً لشراء وحداتٍ سكنيةٍ، وما ذلك إلا لغسل أموال التهريب التي حصّلها.
أبو سلطان كلّف سليمان بالمهمة، ومعه تاجرٌ من الشرقية يعاونه ويُدعى "م. بعجر". وعلى سجلٍّ يحمل ختم وكالة "و. ا."، دَوّن سليمان أسماءَ المهاجرين المحتجزين في مزارع أبو سلطان في ليبيا، أو من استقلّوا قوارب الهجرة المتهالكة. ومقابل كلّ اسمٍ المبلغ الذي دفعه ذووه عبر شبكة المندوبين المنتشرة في المحافظات. اطّلعت الفراتس على بعض هذه السجلات، بعدما قبضت السلطات المصرية على سليمان ومعاونيه وعددٍ من مندوبي الشبكة. يضمّ السجل 146 اسماً، وبجانب كلّ اسمٍ كُتب مبلغ 140 ألف جنيه، وهو ما دفعه كلّ مهاجرٍ مقابل الرحلة. أما بعجر، المعاون البارز في الشرقية، فكانت مهمّته تجميع الأموال من المندوبين وتقييدها بالتاريخ والإجمالي.
في أحد السجلات التي اطّلعنا عليها، كُتبت بخطّ اليد "فواتير" تحصيلٍ يومية. من بينها فاتورةٌ بتاريخ الاثنين 17 أبريل 2023، مدوّنٌ عليها أسماء 16 مهاجراً دَفع كلٌّ منهم 130,000 جنيه، و4 مهاجرين دفع كلٌّ منهم 140,000 جنيه، والإجماليّ 2,640,000 جنيه. وأخرى، بتاريخ الأربعاء 31 مايو 2023، دوِّن فيها الإجماليّ 22,056,000 جنيه. وثالثةٌ تاريخها غير واضحٍ، بقيمة 29,105,000 جنيه.
كان جزءٌ من الأموال يُرسَل إلى ليبيا عبر "فودافون كاش" (تطبيق لنقل الأموال مرخَّصٌ قانوناً بتحويل الأموال بين المشتركين داخل مصر وخارجها) بحسب اعترافات تاجر الخضراوات أ. س. سليمان في تحقيقات النيابة العامة المصرية. يتسلّم الأموال في ليبيا مكتبُ صرافة "ب. م." في طبرق. قال سليمان للنيابة العامة، أثناء التحقيق، إن مالك المكتب هو أبو سلطان نفسه. ولإخفاء هويته الحقيقية، سجّل سليمان رقمَ أبو سلطان على هاتفه تحت اسمٍ مستعارٍ "مطعم فتح الله".
استخدم سليمان تطبيق واتساب أداةَ تواصلٍ رئيسةً بينه وبين مندوبيه، ومع المهاجرين وأسَرهم. في إحدى الرسائل الصوتية، طالبهم بتجهيز المبالغ المطلوبة والتواصل فقط عبر الإنترنت، مبيّناً أنه سيَرسل لهم مندوباً لجمع المال. وفي رسالةٍ أخرى، كَتب لأحد الراغبين في الهجرة: "أنا هبعت [سأرسل] لكم المندوب لحدّ عندكم، واكتب لي اسم البلد والقرية بالضبط، وهبعتلك المندوب يستلم منك". وفي رسالةٍ ثالثةٍ إلى أسرة أحد المهاجرين: "أول ما يوصلوا بالسلامة هطمّنك، وأنزل أساميهم على الصفحة الجمعة إن شاء الله".
كان مندوبو شبكة أبو سلطان منتشرين من جنوب مصر إلى شمالها. لا أحد منهم يعرف عن زعيمهم أبو سلطان سوى الاسم، وتقتصر مهمتهم على إقناع المهاجرين وجمع الأموال وتسليمها للوكلاء. ويحصل كلّ مندوبٍ على خمسة آلاف جنيهٍ عن كلّ شخصٍ يقنعه بالسفر أو يحصِّل منه المال.
في الخامس من يوليو 2023، قبضت السلطات المصرية على صائغٍ يملك محلّ مجوهراتٍ في مدينة رشيد بمحافظة البحيرة، ومعه عاملٌ يقلّ عمره عن ثمانية عشر عاماً. واتهمتهما النيابة بتدوير (غسيل) أموال أبو سلطان وشراء مراكب الصيد المتهالكة بأسعارٍ زهيدةٍ لاستخدامها في تهريب المهاجرين غير النظاميين عبر المتوسط.
تتبّعت تحقيقات النيابة الأسماءَ التي أدلى بها الاثنان، ومنها اسم مندوبٍ لأبو سلطان أمام النيابة. اعترف العامل أن الصائغ أَمَرَه بتسليم نصف مليون جنيهٍ إلى مندوب أبو سلطان، المدعو "ح. البدوي". بعد القبض على البدوي، فحص قطاع الاتصالات وتقنية المعلومات بوزارة الداخلية هاتفه. وفي مذكرةٍ من النيابة العامة بتاريخ 28 أغسطس 2023، كشف تحليل الهاتفِ الفنّي عن صورٍ محذوفةٍ لمهاجرين على متن مراكب صيدٍ قَدّرت النيابة أنها استُخدِمت للترويج للشبكة. وأورد تقرير الفحص الفنّي رسائلَ صوتيةً تؤكد استلام أموالٍ وحوالاتٍ ماليةٍ وتسليمها، وسجلات اتصالٍ بمهرّبين آخرين.
في أكتوبر 2023 أحالت النيابة المصرية ستةً وثلاثين متهماً من شبكة أبو سلطان إلى المحاكمة، بتهم غسل الأموال وتهريب البشر. تنوعت خلفياتهم كما تنوعت أدوارهم، بين تاجر خضراواتٍ وبائع بيضٍ وسائقٍ ومحامٍ وصاحب مزرعة دجاجٍ وحلاقٍ وطباخٍ وصياد. وكانت الشبكة بارعةً في إخفاء أموالها داخل أنشطةٍ تبدو قانونيةً، مثل محلّ مجوهراتٍ ووكالة خضراواتٍ ومكتب صرافةٍ، وجميعها تلتقي عند رجلٍ واحدٍ، أبو سلطان.
وفي واحدةٍ من أبرز عمليات غسل الأموال، حُوّلت مبالغ ضخمةٌ لشراء مراكب صيدٍ في مدينة رشيد. ومن بينها مركبٌ يحمل اسم "المتوكل" استُخدِم في رحلة يونيو 2023، التي انطلقت من طبرق إلى إيطاليا، وعلى متنها كامل حميدة ورفاقه. غرق المركب في 14 يونيو 2023 قرب السواحل اليونانية، ولم ينجُ منه سوى مئةٍ وأربعة مهاجرين من جنسياتٍ مختلفة. بعد الحادث مباشرةً، اختفى تاجر الخضراوات أ. س. سليمان من الشرقية، وانتقل إلى مسكنٍ في حيّ العجمي بالإسكندرية. هناك، تلقّى تعليماتٍ جديدةً من أبو سلطان بتدوير جزءٍ من أموالِ رحلةِ مركبِ المتوكل في شراء عقاراتٍ بالحيّ نفسه.
وأثناء التحقيق، اعترف سليمان أمام النيابة بشراء وحدتين سكنيتين لصالح أبو سلطان بتاريخ 23 يونيو 2023، أي بعد ثمانية أيامٍ فقط من غرق المركب، على أن تسجَّل مؤقتاً بِاسم سليمان نفسه. وتؤكد مذكرةٌ من إدارة مكافحة غسل الأموال في وزارة الداخلية المصرية أن شراء العقارات كان جزءاً من عملياتٍ منظمةٍ هدفت إلى إخفاء مصدر الأموال غير المشروع.
المحامي المتخصص في قضايا غسل الأموال، مصطفى كامل الترعي، أخبر الفراتس بأن غسل الأموال هو المرحلة الثانية بعد الجريمة الأصلية، كالإتجار بالبشر أو التهريب. ويهدف إلى قطع الصلة بين الجاني ومصدر الأموال غير المشروع. ويضيف: "حتى لو كانت المبالغ صغيرةً، فإن إدخالها في نشاطٍ تجاريٍّ بغرض التمويه يُعدّ جريمة غسل أموالٍ بالمعنى القانوني".
بعد غرق مركب المتوكل، فُقد أثر كامل وجميع رفاقِه الشبابِ، القادمِ أكثرُهم من قريته الصغيرة في دلتا مصر. تحكي والدته للفراتس بصوتٍ يختلط فيه الأمل واليأس: "لمّا المركب غرقت، ما سكتِّش وقعدت أدوّر على رقم أبو سلطان. جِبْتُه من ناس كانوا متعاملين معاه، واتصلت بيه بعد الحادثة وردّ عليّ بنفسه. قلت له أنا عاوزة أعرف ابني اللي كان على المركب عايش ولا لأ. قالّي هو بخير. وقال بالأمارة اسم ابني بالكامل المكتوب عنده".
لم تكن الأمّ تعلم أن شخصية أبو سلطان الغامضة تختبئ خلف أسماءٍ مستعارةٍ على فيسبوك، وأرقام هواتفٍ ليبيةٍ متعددةٍ يصعب تتبّعها. تشير محاضر التحقيق إلى أن الأرقام التي أدلى بها وسطاء تابعون له للسلطات المصرية تجاوزت أربعة خطوطٍ ليبيةٍ مختلفة.
على فيسبوك، تنتشر عشرات الحسابات التي تدّعي صلتها بأبو سلطان. حساباتٌ بأسماءٍ، مثل "أبو سلطان الأصلي" و"محمد محمد أبو سلطان". مصدرٌ في مدينة طبرق أكّد للفراتس أن أبو سلطان عند تواصله مع الشبكة لا يستخدم هواتف محليةً ، بل يعتمد على هاتفٍ يعمل عبر الأقمار الصناعية من نوع "ثريا" لتجنّب الملاحقة. حصلنا من المصدر على الرقم الذي يقول إنه رقم أبو سلطان، وحاولنا التواصل معه أكثر من مرّةٍ دون أن نتلقّى أيّ ردٍّ حتى لحظة نشر التحقيق.
يقول عيد عبد السلام، وقد فقد أحد ابنيه اللذين هاجرا إلى ليبيا عن طريق شبكة أبو سلطان: "لما حدّ يقول إن أبو سلطان كذاب، الصفحات اللي شغالة معاه تنزل فيديوهات للشباب بعد وصولهم أوروبا، فيصدّق الأهالي إنه فعلاً بيأمّن أولادهم. بعد كده المهرّبين في ليبيا يهددوا الأهالي بأولادهم المحتجزين عندهم: يا تدفعوا الفلوس يا نقتلهم".
ظلّت هوية أبو سلطان لغزاً للمهاجرين. فخلف الاسم المستعار، يختفي شخصٌ لا يَعرف حقيقته سوى قلّةٍ من المهرّبين المقرّبين منه شرق ليبيا. هذا الغموض والانتشار الواسع على وسائل التواصل فتح الباب أمام آخرين لانتحال اسمه لجذب مزيدٍ من الضحايا. كان أحد هؤلاء الرجلَ الثانيَ في العصابة، أ. س. سليمان، الذي أدار صفحة "محمد محمد" على فيسبوك، وهي صفحةٌ تنشر بِاسم أبو سلطان وتروّج لرحلات الهجرة. وبعد يومين من غرق مركب المتوكل، كتب الحساب منشوراً يتنصل فيه من المسؤولية، قائلاً إن "الأهالي هم المسؤولون عن أولادهم". فردّ عليه حسابٌ آخر، بِاسم "أبو كريم"، يتهمه بخطف ابنه القاصر وإجباره على السفر. تواصلنا مع صاحب الحساب، وأكّد للفراتس أن عُمْر ابنه ستة عشر عاماً وأنه سافر من دون علم الأسرة عبر شبكة أبو سلطان.
لاحقاً، اختفت صفحة "محمد محمد" من فيسبوك بعد القبض على سليمان. وفي 14 مايو 2024، أصدرت محكمة استئناف طنطا حكمها بالسجن المؤبد وغرامةٍ قدرها خمسة ملايين جنيهٍ على م. س. الجحاشي، وشهرته أبو سلطان، بتهم تشكيل شبكةٍ إجراميةٍ للإتجار بالبشر وغسل الأموال واستغلال الأطفال. وحكمت بالسجن خمسة أعوامٍ مع غرامةٍ قدرها مليون جنيه على أ. س. سليمان و"م. ع. بعجر" و"ح. البدوي"، إلى جانب اثنين وعشرين مصرياً آخرين من أعضاء الشبكة.
بعد نحو شهرين من فقدان كامل حميدة وغرق مركب المتوكل، أهدى م. س. الكحاشي "أبو سلطان" لابنة أخيه مجسّمَ سيارةِ دفعٍ رباعيّ. قادتنا صفحة أحد محال الهدايا على فيسبوك إلى منشورٍ يوثّق الهدية، كان قد شاركه شقيقه آ. س. الكحاشي، الملقّب "دومة".
ومع توسيع البحث عن آ. الكحاشي، عثرنا على مقطع مصوَّرٍ منشورٍ عبر صفحةٍ تدعى "عقارات طبرق" قبل أن يُحذف لاحقاً. يظهر في المقطع آ. الكحاشي واقفاً على مقدّمة مركب هجرةٍ غير نظاميةٍ، مشرفاً على استعداده للإبحار سرّاً. وبحسب مصدرٍ محليٍّ من طبرق، فإن هذا المركب غادر فعلاً في أبريل 2025 بإدارة أبو سلطان وإشراف شقيقه آ. الكحاشي.
يُعلن آ. الكحاشي، عبر صفحتيه على فيسبوك وتيك توك، عن امتلاكه معرضاً للسيارات. غير أنه ينشر في الوقت نفسه مقاطع يظهر فيها مرتدياً زيّ القوات الخاصة، التابعة للجيش الليبي في طبرق. وفي أحد هذه المقاطع، يظهر داخل معسكرٍ عسكريٍّ في طبرق وهو يتحدث مع شقيقه أبو سلطان، وسط عددٍ من قيادات الجيش الليبي، من بينهم "ن. ح.".
ويلاحَظ أن ثلاثةً من المقاطع التي نشرها آ. الكحاشي توثّق مشاركته الرسمية في عمليات "مكافحة" الهجرة غير المنظمة، بينما يتزامن أحدها مع الفيديو الآخر الذي يظهر فيه مرتدياً زيّاً مدنياً على رأس مركب هجرةٍ غير نظاميةٍ يُشرف على إبحاره سرّاً من الساحل الليبي.
حتى موعد نشر هذا التحقيق، ما زال أبو سلطان طليقاً، فيما يواصل وسطاؤه ووكلاؤه العمل بين مصر وليبيا. ومع صدور أحكامٍ قضائيةٍ بحقّ أربعةٍ من أعضاء شبكته في برج مغيزل بمحافظة كفر الشيخ، بتهمة الانضمام إلى تنظيمٍ إجراميٍّ لتهريب البشر وغسل الأموال، إلّا أن نشاط الشبكة لم يتوقف.
أكّد أحد صيادي برج مغيزل للفراتس، في مقابلةٍ يوم 18 يونيو 2025، أن عمليات التهريب ما زالت مستمرةً. وأوضح أن أحد المندوبين نَقَل قبل أيامٍ – من وقت المقابلة – خمسةَ عشر فتىً لا تتجاوز أعمارهم أربعة عشر عاماً في "ميكروباص" واحد إلى ليبيا، تمهيداً لرحلتهم إلى أوروبا.
في أبريل 2025، عادت صفحة "محمد أبو سلطان للسفر إلى إيطاليا" على فيسبوك إلى التفاعل مجدداً، رغم حبس سليمان الذي أكدت تحقيقات النيابة العامة في مصر أنه يديرها لصالح أبو سلطان تحت اسم "محمد محمد". ونشرت الصفحة أكثر من منشورٍ يفيد استمرار نشاط التهريب. منها منشورٌ أعلن في 8 يونيو 2025 عن نجاح وصول رحلةٍ تابعةٍ لهم إلى أوروبا. تبعه منشورٌ يحوي فيديو يوثّق ما يدّعي أنه وصول قارب هجرةٍ من قوارب أبو سلطان لأوروبا، مرفقٌ به رقم هاتفٍ مصريّ. ودعا من يدير الصفحة حالياً راغبي الهجرة للتواصل معه على الهاتف المعلن. بالبحث عبر برنامج "تروكولر"، الذي يعتمد على قاعدة بياناتٍ تشاركيةٍ غير دقيقةٍ للتعرّف على هويات أصحاب أرقام الهواتف، وجدت الفراتس أن الرقم مسجلٌ بِاسم "محمد أبو سلطان". وفي برنامج آخَر أدقّ، يُظهر سجلّ الأسماء التي حُفِظت بِاسم هذا الرقم منذ بدء تشغيله، وجدنا أسماءً عديدةً مسجلةً بِاسم مالك هذا الرقم، من بينها اسم "أبو سلطان" واسم "مندوب ليبيا لإيطاليا" واسم "محمد سلطان مهرب".
آ. س. الكحاشي ينعي ضحايا المركب الغارق
آ. س. الكحاشي ينعي ضحايا المركب الغارق
في 24 يوليو 2025 أبحر مركبٌ آخر تابعٌ لشبكة أبو سلطان من شرق طبرق، لكنّه غرق قبل الخروج من حدود المياه الليبية. محمد إبراهيم، وهو أحد المهاجرين المصريين الذي سافر عبر شبكة أبو سلطان إلى أوروبا ونجح في الوصول إلى اليونان، أكّد للفراتس أن اثنين من معارفه في الشرقية كانا على متن هذا المركب وهاجرا عبر شبكة أبو سلطان إلى ليبيا، وأنهما غرقا مع آخرين قبل خروج مركبهم من حدود المياه الليبية.
الصورة الأوسع تدعم رواية إبراهيم. فحتى 16 يوليو 2025، وصل إيطاليا نحو 33116 مهاجراً عبر البحر، بزيادة 8.4 بالمئة عن سنة 2024. انطلق 29610 منهم من السواحل الليبية، أي بزيادة 66.6 في المئة عن سنة 2024، بحسب وكالة نوفا الإيطالية للأنباء. وفي الاتجاه ذاته، شهدت اليونان ارتفاعاً بنسبة 174 بالمئة في أعداد الوافدين من شرق ليبيا منذ مطلع 2025.
يأتي الارتفاع متفقاً مع التحذير الذي أوردته وكالة "إي يو كرايم" (الوكالة الأوروبية لرصد الجريمة ومكافحتها) في تقريرها لتقييم المخاطر سنة 2024. إذ أشارت إلى استحداث المهرّبين ممرّاً جديداً بين ليبيا وجزيرة كريت اليونانية، فيما عدّت منظمة "ميكسد مايغريشن" أنه بات يشكّل مسارَ الهجرة غير المنظمة الأبرزَ في شرق المتوسط.
يفسّر هذا المشهدَ أيمن زهري، الباحث في سياسات الهجرة وعضو المجلس القومي لحقوق الإنسان. فيقول للفراتس إن شبكات التهريب مستمرةٌ "لأنها جريمةٌ عابرةٌ للحدود تُدار ضمن منظومةٍ عالميةٍ تشبه تجارة المخدرات، وتقودها عصاباتٌ دوليةٌ ومافيات تستغل الأرباح الضخمة". ويضيف زهري، عضو اللجنة الوطنية لمكافحة الهجرة غير الشرعية والإتجار بالبشر، أن الخطر الأكبر يكمن في اتصالات هذه الشبكات المباشرة داخل القرى، حيث يعمل بعض الوسطاء من عائلات الضحايا أنفسهم ليُقنِعوا الشباب بأن الرحلة "آمنة وسهلة"، ما يجعل الدائرة مغلقةً لا تنكسر.
بعد مرور عامين على غرق مركب المتوكل، الذي ابتلع البحر معظمَ ركّابه وبينهم الفتى كامل حميدة، ما زالت والدته أمل تتشبّث بمكالمتها مع مَن زعم أنه أبو سلطان. وتُردّد ما سَمِعَتْه في المنام: "يا ماما، أنا موجود وجاي". وبينما تنتظر عودة ابنها، تُواصِل قوارب أخرى الإبحار من السواحل الليبية محمّلةً بأحلامِ فتيانٍ آخرين في سنّ كامل يوم ارتحل.
يخرجون من القرى نفسها، ويقعون في شِباك الوسطاء أنفسهم الذين لم توقفهم الملاحقات ولا أحكام الإدانة. فيما توصي التقارير الدولية، الحكومية وغير الحكومية، بإصلاح أحوال المصريين الاقتصادية والاجتماعية سبيلاً للقضاء على الهجرة غير المنظمة بالقضاء على دوافعها وأسبابها.
تتبدل الأسماء والمسارات، لكن الشبكات تبقى. فأبو سلطان، الذي تصفه مصادر ليبيةٌ بأنه لا يزال "عرّاب الهجرة في طبرق"، لم يُلقَ القبض عليه بعد. وما زالت شبكته تمتدّ بين مصر وليبيا، فيما تتصاعد أعداد الواصلين إيطاليا واليونان بمعدلاتٍ غير مسبوقة. وهكذا تبقى قصة الفتى كامل حميدة مرآةً لجريمةٍ لم تتوقف، وأمٍّ لم تستسلم بين حدودٍ تُغلق وبحارٍ تبتلع. ويظلّ الأمل مثل البحر لا يهدأ.
أرسلنا إلى القيادة العامة للجيش الليبي ما توصّلنا إليه من معلومات، وطلبنا توضيحاً حول ما إذا كان "م. س. الكحاشي" وشقيقه "آ. س." اللذان يعملان في الجيش قد خضعا لتحقيقاتٍ بشأن التورط في قضايا هجرة غير شرعية. لكننا لم نتلقَّ رداً، حتى موعد نشر التحقيق. وقد تأكدنا من وصول أسئلتنا عبر تطبيق واتساب إلى المتحدث باسم الجيش الليبي، الذي طلب إرسالها عبر البريد الإلكتروني، ولا نزال في انتظار الردّ.
راسلنا "آ. س. الكحاشي" عبر حسابه الرسمي على فيسبوك، وردّ في البداية طالباً التعرّف إلى هويتنا. لكنه توقف عن الإجابة بعد مواجهته بما بحوزتنا من معلوماتٍ، عن تورّطه وشقيقه في عمليات الإتجار بالبشر شرق ليبيا.
وفي الخامس من نوفمبر 2025، تواصلنا مع مدير إدارة التوجيه المعنوي بالقيادة العامة للقوات المسلحة العربية الليبية، اللواء خالد محجوب، للردّ على ما ورد في تحقيقنا. فطلب إرسال خطابٍ رسميٍّ. ومع إرسال الخطاب، لم نتلقَّ رداً خلال شهر. وفي السابع من ديسمبر 2025، عاودنا التواصل ووجّهنا إليه أسئلةً مباشرةً حول تورط الكتيبة 2020 وبعض عناصرها في عمليات تهريب البشر، إلا أنه امتنع عن الردّ وطلب مجدداً إعادة إرسال الخطاب نفسه. ومع إرساله مرّتين، لم يردّ المسؤول حتى تاريخ نشر التحقيق.
تحتفظ الفراتس بالأسماء والبيانات الحقيقية العائدة لجميع المهرّبين الوارد ذكرهم في التحقيق.
