حسن حافظ صحفي متخصص في التأريخ العمراني للمدن

أقمت في إمبابة امتداداً لعائلتي التي انتقلت من قرية القطا شمال الجيزة إلى الحي في ستينيات القرن الماضي، ضمن موجات هجرة واسعة من الأسر القادمة من قرى الدلتا وشمال الجيزة. استقرت تلك الأسر في الحي وامتداداته، خصوصاً منطقة المنيرة الغربية، التي تحولت تدريجياً من أراضٍ زراعية إلى تجمعات سكنية بالبناء غير الرسمي والهجرة الداخلية. هنا تزوج الآباء وكبر الأبناء وتشكلت شبكة اجتماعية صنعت هوية إمبابة وملامحها الشعبية. هذا التكوين الاجتماعي الذي ترسخ عبر عقود لم يبق ثابتاً أمام التغيرات العمرانية المتسارعة. فعلى مدار أكثر من عام، تحديداً من أكتوبر 2023 وحتى نوفمبر 2024، تابعتُ الصور والنقاشات المتداولة داخل مجموعات سكان إمبابة على فيسبوك. وقد شارك المتحدثون صوراً لعلامة حرف "إكس" أحمر رسمه موظفو الحي على واجهات بعض المنازل.

لم يجهل السكان معنى الرمز أو دلالاته، فقد سبق أن ظهر قبلاً على جدران البيوت في شوارع  الحي العتيق الضيقة غرب النيل، وتكرر في أحياء كثيرة في طول البلاد وعرضها، قبل أن تصل الجرافات وتمتد الطرق والجسور وتختفي البيوت القديمة. لم يكن الخوف هذه المرة من قرب هدم منازلنا وحسب، بل من احتمال اقتلاعنا وسكان الحي من بيوتنا لإفساح المجال أمام عمران جديد موجه لطبقات أثرى، على ضفاف النيل التي احتضنت لعقود العمال والموظفين والمهاجرين الريفيين الذين صنعوا تاريخ إمبابة الاجتماعي.

وظلت الشكوك والتوجسات تساور الكثيرين حتى ديسمبر 2024، حين أعلنت الحكومة إعادة تخطيط مناطق عزيز عزت وحكر توكل وميت كردك على مساحة 351 فداناً (الفدان يساوي 4200 مترا تقريباً)، وهي المنطقة المعروفة باسم "إمبابة التاريخية"، ونقل جزء من سكانها إلى مناطق بديلة. وكان هذا الإعلان لحظة انتقال من القلق إلى صيغة رسمية للتهديد العمراني. فقد تحدث الإعلانُ عن "الأهداف التنموية المنشودة" و"رفع الكفاءة العمرانية"، ولم يكشف حدود الإزالة أو مصير السكان، ما فتح الباب أمام استدعاء قصصٍ شهدتها مناطق أخرى مطلة على النيل. من ذلك تفريغ منطقة مثلث ماسبيرو وهدمها سنة 2022، وهي المنطقة المطلة على النيل قرب ميدان التحرير بالقاهرة، وبناء أبراج ضخمة وأنشطة استثمارية مكانها. ومن ذلك أيضاً المساعي الحكومية المستمرة لطرد أهالي جزيرة الوراق الواقعة بين القاهرة والجيزة، وبناء مجتمع عمراني جديد يضم مرسى يخوت وأبراج سكنية وفنادق فخمة ومهبط طائرات مروحية.

قد لا تكون إعادة تخطيط حي إمبابة مجرد مشروع عمراني جديد فحسب، بل إنها تمس تاريخ حي تشكلت بيئته الحضرية في عقود من الهجرة الريفية مطلع القرن العشرين والتحولات الاقتصادية والسياسات الحكومية المتعاقبة. وقد ازدادت مع الوقت معاناة البنية التحتية والخدمات، ما أدى إلى تدهور اجتماعي سياسي انفجر في أحداث إمبابة سنة 1992، حين فرضت الجماعة الإسلامية – وهي تنظيم سياسي مسلح انتهج العنف منذ منتصف السبعينيات حتى نهاية التسعينيات – نفوذها على أجزاء من الحي وانتهت بمواجهة عنيفة مع الدولة. غير أن عقود ما بعد المواجهة لم تحمل حلولاً جذرية لمشكلات السكن والخدمات، بل كرَّست صورة إمبابة أحد أكبر أحياء القاهرة الشعبية وأكثرها كثافة وفقراً، وفي الوقت نفسه واحداً من أكثرها تعرضاً لمشروعات "التطوير".

بهذا باتت إمبابة مرآةً لأزمة السكن في مصر، ونافذة لفهم علاقة الدولة بالمدينة وسكانها. وبينما أنتظر، مثل مئات الآلاف من سكان الحي، مصير البيوت التي وُسمت بعلامات الإزالة، يبدو الحي على أعتاب فصل جديد يُعاد رسمه بقرارات حكومية. في صراع مفتوح بين حق السكان في مدينتهم، ورغبة الدولة في إعادة إنتاج واجهة النيل بصورة أكثر ربحية وأناقة.

بسبب قربها من نهر النيل، شكلت إمبابة قبلة للقوافل والأسواق التجارية، ما جعلها أكثر ضواحي القاهرة تعقيداً وتحولاً عبر التاريخ. بدأت إمبابة قريةً قديمة اسمها الأصلي "نبابة"، ثم عُرفت لاحقاً باسم "أنبوبة" و"إنبابة"، إلى أن استقر اسمها على "إمبابة". ويذكر المؤرخ محمد بك رمزي في كتابه "القاموس الجغرافي للبلاد المصرية منذ عهد قدماء المصريين إلى سنة 1945" الصادر سنة 1953، أن قاعدة مركز إمبابة بشمال الجيزة كانت في الأصل جزيرة يحيط بها النيل قبل أن يصلها الطمي ببرِ الجيزة.

وتكوَّنت المنطقة من تجمع أربع قرى متجاورة شكلت "إمبابة القديمة". وهذه القرى هي منية تاج الدولة التي حُرفت إلى "تاج الدول"، ومنية كرداك التي أصبحت "ميت كردك" وهي منطقة الكيت كات حالياً. ومنية أبو علي المعروفة اليوم باسم "كفر الشوام"، والرابعة كفر الشيخ إسماعيل نسبة إلى الولي الصوفي إسماعيل الإمبابي. وهذا بالإضافة إلى جزيرة إمبابة.

وقد ارتبط ازدهار إمبابة بازدهار القاهرة في العصور السابقة على الحداثة، بظهور حي بولاق ميناءً نهرياً للمدينة منذ القرن الثالث عشر. وأصبحت إمبابة محطة نهائية للقوافل القادمة من الإسكندرية والصعيد، حيث كانت البضائع تُنقل منها بالمراكب إلى بولاق ثم إلى القاهرة. وتعززت مكانة إمبابة التجارية مع وجود الشيخ إسماعيل الإنبابي، المتوفي سنة 1399، الذي حوَّل الاحتفال بالمولد النبوي إلى مهرجان شعبي وسوق تجارية ضخمة "يرحل إليها من الأطراف". وهذا حسبما ورد في وصف تقي الدين المقريزي في كتابه "درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة"، في الطبعة المنشورة سنة 2002. وارتبط اسم الإنبابي في المخيال الشعبي أيضاً بحكايات كرامات، منها عبوره النيل بفرشه منديله فوق مياهه، ما يعطي انطباعاً عن صعوبة الحركة بين ضفتي النيل آنذاك.

ظلت إمبابة حتى نهاية القرن الثامن عشر تحتفظ بأهمية استراتيجية بوابةً غربيةً للقاهرة ومحطةً رئيسةً على طرق التجارة والعبور عبر النيل. وظهرت محورية هذا الموقع بينةً في محاولة المماليك التصدي للحملة الفرنسية بقيادة نابليون بونابرت في يوليو سنة 1798. غير أن معركة إمبابة، المعروفة أيضاً باسم "معركة الأهرام"، انتهت بهزيمة المماليك وتشتت قواتهم، ما أتاح لنابليون عبور النيل والسيطرة على القاهرة.

وترسخت مكانة إمبابة في القرن التاسع عشر مع انتهاء خط سكك حديد الصعيد عند محطتها، فصدر قرار حكومي سنة 1884 بنقل ديوان مركز أوسيم والمصالح الحكومية إلى إمبابة، ثم حمل المركز اسمها رسمياً منذ سنة 1896، بحسب محمد بك رمزي. وقد ارتبط هذا التحول الإداري بتغير محوري في تاريخ الحي. إذ يذكر المؤرخ أمين سامي باشا في كتابه "تقويم النيل" الصادر سنة 1916، أن الإدارة المصرية سعت إلى تفادي مشقة نقل البضائع والركاب بين محطة إمبابة وبولاق بالمراكب الشراعية أو المعديات البخارية، فصدر قرار إنشاء جسر إمبابة سنة 1890 لربط خط قطار الصعيد بالوجه البحري لأول مرة.

ومع زيادة الحركة التجارية، عُمل على تطوير الجسر سنة 1912 واستمر حتى سنة 1925. وكانت ظروف الحرب العالمية الأولى، بين سنتي 1914 و1918، وتعطل الاستيراد من الشركة البلجيكية المنفذة المشروعَ، سبباً في تأخير الانتهاء منه. وبهذا زيدت قدرة الجسر على التحمل ليستوعب قطارات الدرجة الأولى التي تزن 131 طناً، بعدما كان الجسر القديم لا يحمل أكثر من 72 طناً. كذلك ازدوج خط السكك الحديدية، وأصبح الجسرُ عند افتتاحه أكبر جسر في إفريقيا، وفق ما أورده أمين سامي في كتابه الآنف الذكر.

مشاهد من جسر إمبابة القديم والجديد على النيل، مجلة المصور عدد 9 ديسمبر 1924.

مشاهد من جسر إمبابة القديم والجديد على النيل، مجلة المصور عدد 9 ديسمبر 1924.

ساهم جسر إمبابة في ترسيخ موقع المنطقة حلقة وصل بين القاهرة والوجهين البحري والقبلي، وسهَّل حركة الانتقال بين بولاق وإمبابة بفضل مسارات السيارات وممرات المشاة. وهو ما عزز ارتباط إمبابة مع وسط القاهرة ومحطة مصر في ميدان باب الحديد، المعروف حالياً بميدان رمسيس.

تجاوز أثر هذا الربط حركة النقل والتنقل إلى النشاط التجاري، فترسخت مكانة إمبابة الاقتصادية باستضافة سوق ضخمة اتسعت تدريجياً مع الزمن. وقد رصدت مجلة "كل شيء والدنيا" في عددها الصادر بتاريخ 16 أغسطس 1933 مشاهد السوق، حيث اختلط باعة الخضراوات والفاكهة بتجار الطيور والجمال وممارسي الطب الشعبي. حتى إن المجلة خصصت غلافها لصورة عملية خلع ضرس لإحدى الريفيات. كذلك استضافت إمبابة سوق الجمال القادمة من السودان وإثيوبيا، وعُرف هذا التجمع التجاري باسم "سوق الجمعة" أو"سوق إمبابة"، الذي تحول لاحقاً إلى أحد أكبر أسواق القاهرة الشعبية. وظلت هذه الأسواق قائمة حتى سنة 1995 حين نُقل سوق الجمال والسلع القديمة إلى قرية برقاش شمالي الجيزة.

طبيب وحلاق شعبي في سوق إمبابة ينزع ضرس إحدى القرويات | مجلة كل شيء والدنيا

طبيب وحلاق شعبي في سوق إمبابة ينزع ضرس إحدى القرويات | مجلة كل شيء والدنيا

سوق الحمير بإمبابة من عدد مجلة "كل شيء والدنيا" الصادر في 16 أغسطس 1933

سوق الحمير بإمبابة من عدد مجلة "كل شيء والدنيا" الصادر في 16 أغسطس 1933

سوق الجمال التاريخي بإمبابة سنة 1993 قبل سنتين من نقله إلى قرية برقاش شمالي الجيزة | غيتي للصور

سوق الجمال التاريخي بإمبابة سنة 1993 قبل سنتين من نقله إلى قرية برقاش شمالي الجيزة | غيتي للصور

وإذا كانت الأسواق أظهرت مكانة إمبابة الاقتصادية، فإن موقعها على تخوم القاهرة أضفى عليها أدواراً اجتماعية أخرى لا تقل حضوراً في تاريخها. كانت إمبابة مقصداً للباحثين عن السهر واللهو بعيداً عن أعين الرقابة، فانتشرت فيها بيوت الدعارة. وعندما صدرت لائحة بيوت العاهرات في 15 يوليو سنة 1896 لتنظيم تراخيص هذه البيوت، طبقتها مديرية الجيزة في إمبابة سنة 1898. وكانت مصر في فترة الاحتلال البريطاني تشهد ازدهاراً ملحوظاً في نشاط البغاء، بحسب ما أورده أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر بجامعة قناة السويس عماد هلال في دراسته "البغايا في مصر" الصادرة سنة 2001. ومع أن الكاتب ركز على منطقة وسط القاهرة بوصفه المجال الرئيس لهذا النشاط، إلا أن إمبابة على ما يبدو كانت مركزاً طرفياً فيه.

ومع ازدهار الحياة الليلية في الأزبكية وعماد الدين وظهور المسارح والصالات والملاهي، شهدت إمبابة، نشاطاً مشابهاً جعلها مقصداً للباحثين عن الترفيه والسهر. وتوِّج هذا النشاط بافتتاح ملهى "الكيت كات" سنة 1928، الذي وصفه الباحث البريطاني المتخصص في فن المسرح رفاييل كورماك في كتابه "منتصف الليل في القاهرة" الصادر سنة 2024، بأنه "مكان ليلي أسطوري منحط لنخبة القاهرة".

ويشير كورماك إلى أن جورج كالوميريس، صاحب فندق ناشونال وسط القاهرة، أنفق بسخاء على الملهى حتى أصبح من أفخم أماكن السهر في المدينة. وقد أُقيم على أرض الثري السويسري هنري ماير، الذي عاش في مصر منذ نهاية القرن التاسع عشر حتى منتصف القرن العشرين تقريباً، ولا تزال بعض بيوته الفاخرة قائمة حتى اليوم وتشغلها حالياً منشآت النادي السويسري. ويذكر الصحفي عادل سيف في كتابه "مسارح وملاهي القاهرة الخديوية" الصادر سنة 2025، أن تسمية "الكيت كات" جاءت امتداداً لظاهرة عالمية حملت فيها ملاهٍ عديدة في لندن ونيويورك الاسم نفسه. وقد تألقت في هذا الملهى الراقصة الاستعراضية حكمت فهمي، التي ورد في مذكراتها الصادرة سنة 1990 أنها تجسست لألمانيا النازية باستدراج الجنود البريطانيين، قبل القبض عليها ضمن خلية تجسس.

جنود بريطانيون في مصر، 1931-1933 | ويكيميديا

جنود بريطانيون في مصر، 1931-1933 | ويكيميديا

وتعود إلى تلك المرحلة عدة مبانٍ ذات طراز معماري مميز، تُظهر أنَّ إمبابة كانت آنذاك مقراً لطبقات متوسطة وعليا انتشرت بينها البيوت الفاخرة. وقد تُركت المنطقة في العشرينيات والثلاثينيات، شأنها شأن كثير من مناطق الريف في دلتا مصر وصعيدها، لتنمو بصورة طبيعية وفق ظروفها وإمكاناتها بلا تدخل تنموي من الدولة. وقد تغير هذا المسار مع تفاقم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية في البلاد.
حتى تعداد سنة 1927، لم يكن عدد سكان إمبابة، بما في ذلك جزيرة الوراق، يتجاوز اثني عشر ألف نسمة. وقد جاءت التحولات السكانية لاحقاً نتيجة مباشرة للأزمة الاقتصادية التي ضربت الريف المصري عقب الحرب العالمية الأولى، واستمرت تداعياتها حتى أزمة الكساد العالمي سنة 1929. وهو ما أدى إلى تدهور واسع في الأوضاع المعيشية وتفاقم الفقر وانهيار أسعار القطن بحدة.

وبحسب كل من رئيس الجمعية المصرية للدراسات التاريخية أحمد الشربيني في دراسته "الكساد العالمي والريف المصري" المنشورة سنة 1996، وأستاذ التاريخ الحديث بجامعة المنصورة علي شلبي في كتابه "أزمة الكساد العالمي الكبير وانعكاسها على الريف المصري" الصادر سنة 2006، دفعت هذه الظروف موجات من أبناء الريف إلى الهجرة نحو المدن.

يقول الشربيني إن القاهرة سجلت زيادة سكانية بلغت 22.8 بالمئة بين سنتي 1927 و1937، وشهدت الجيزة التي تضم إمبابة قفزة أكبر وصلت إلى 39.7 بالمئة في نفس الفترة. وهي زيادة وصفها الشربيني بالمذهلة.

تزامنت هذه الهجرة مع تفاقم أزمة الإسكان التي انفجرت في الأربعينيات، وظهور البناء العشوائي حزاماً يطوِّق القاهرة. يوضح المهندس المعماري توفيق أحمد عبد الجواد في مقاله "مشكلة المساكن في مصر وعلاجها" المنشور بمجلة "العمارة" سنة 1950، أن الأزمة تعود إلى تراكمات الحرب العالمية الثانية وتوقف البناء لسنوات. وينسبها كذلك إلى ارتفاع معدلات النمو السكاني ونقص مواد البناء.

القاهرة 1925 | ويكيميديا

القاهرة 1925 | ويكيميديا

وكانت إمبابة من المناطق التي ظهرت فيها هذه التحولات، إذ استقبلت جزءاً من موجات الهجرة الريفية لتبدأ فيها مظاهر البناء غير المنظم. ويُظهر تعداد سنة 1947 ظهور تجمعات سكنية خارج محيط المباني في منطقة تاج الدول شمال إمبابة، التي عُرفت لاحقاً باسم "المنيرة". ولم يُنظر إلى هذه الظاهرة شأناً عمرانياً محضاً، فقد طرحت الصحافة بالتزامن إشكاليات الأزمة السكنية، محمِّلةً الحكومات في الحقبة الملكية – من سنة 1922 إلى سنة 1953 – مسؤولية تعمّقها. إذ ركزت على الإسكان الفاخر الموجه للنخب على حساب الشرائح المتوسطة ومحدودة الدخل.

يرى أستاذ العمارة والتخطيط بجامعة القاهرة هشام خيري في دراسته "الإسكان في القاهرة الملكية" ضمن كتاب "القاهرة الملكية" الصادر سنة 2026، أن الدولة لم تولِ ملف الإسكان الاهتمام الكافي إلا مع تفجر الأزمة في الأربعينيات. فقد اتجهت إلى إنشاء أحياء راقية مثل مصر الجديدة والمعادي وجاردن سيتي والزمالك، بينما ظل الإسكان المتوسط وشريحته الدنيا خارج الأولويات، وهو ما عمَّق اختلال العدالة السكنية في القاهرة.

يضيف خيري أن جذور أزمة الإسكان غير المخطط تعود إلى العشرينيات نتيجة تدهور أوضاع الريف، إلا أن الحرب العالمية الثانية وما رافقها من تحول القاهرة إلى مركز عسكري لقوات الحلفاء، أدى إلى تضخم سكاني كبير لوجود الجنود واستقدام العمال. وقد زاد ذلك الضغط على المعروض السكني ورفع تكلفته. وفي ظل هذه الظروف، حسبما يقول، اتجه كثير من الوافدين الجدد إلى أطراف المدينة بحثاً عن سكن منخفض التكلفة، فكانت إمبابة من أبرز هذه المناطق لقربها من القاهرة وسهولة الوصول إليها من جسر إمبابة.

القاهرة 1925 | ويكيميديا

القاهرة 1925 | ويكيميديا

ومع تفاقم أزمة الإسكان، بدأت الدولة المركزية تنظر إلى إمبابة مساحةً محتملةً لتجريب حلول سكنية للعمال. فطُرح مشروع إسكان العمال في إمبابة، الذي تضمن إنشاء نحو ألف وحدة سكنية داخل مدينة حدائقية، ببيوت مكونة من أربع حجرات ومطبخ وحمام، في مبانٍ من طابقين. وقد كُلِّف المعماري علي المليجي بتنفيذ المشروع الذي بدأ سنة 1947 واكتملت مرحلته الأولى سنة 1950، بإيجار شهري لم يتجاوز جنيهين، أي ما يعادل نحو 15 بالمئة من راتب العامل آنذاك. وجاء هذا ضمن سياق قانون الإيجارات رقم 121 لسنة 1947.

ووفقاً لما ذكره الباحث المعماري محمد الشاهد في كتابه "الحداثة الثورية: العمارة وسياسات التغيير في مصر 1967 - 1936" الصادر سنة 2020، اختير موقع المشروع شمال إمبابة القديمة بنحو ثلاثة كيلومترات، مع التفكير في ربطه بخط "ترام" القاهرة لتعزيز اتصاله بمركز المدينة. وتزامن ذلك مع بدايات توسع عمراني وصناعي في المنطقة، شمل إنشاء مستشفى حميات إمبابة سنة 1943، وتأسيس مصنع الشوربجي سنة 1947 الذي امتد على مساحة ستة أفدنة ونصف. إلى جانب عدد من المنشآت الصناعية التي شكلت نواة لمنطقة صناعية على أطراف القاهرة الغربية. كذلك شهدت الفترة نفسها افتتاح مطار إمبابة، الذي خُصص للتدريب والطيران، في موقع بعيد آنذاك عن الكتلة العمرانية وقريب من الأراضي الزراعية.

هذه التطورات لم تكن سوى مقدمة لتحول أكبر شهدته إمبابة في العقود اللاحقة، بدأت بفترة حكم الرئيس جمال عبد الناصر. وذلك مع توسع الدولة في التصنيع والخدمات وتحول الحي تدريجياً من أطراف شبه ريفية إلى مدينة عمالية وخدمية مكتظة وأحد أبرز مراكز الجذب السكاني في القاهرة الكبرى.

القاهرة 1925 | ويكيميديا

القاهرة 1925 | ويكيميديا

1954 - 1970

في فترة مرحلة حكم عبد الناصر بين عامي 1954 و1970، نُقلت المطابع الأميرية إلى ساحل إمبابة داخل مجمع ضخم أُقيم على أرض مشتل التنظيم. كذلك افتُتحت صوامع إمبابة سنة 1962، إلى جانب "مصنع الكراسي"، أحد المعالم الصناعية التي حافظت على حضورها في الذاكرة الشعبية المصرية. ثم نُقلت الشركة المصرية العامة للورش "الترسانة" من بولاق إلى إمبابة سنة 1967.

وتوسعت الدولة في إنشاء المؤسسات الطبية المتخصصة، فافتُتح المعهد القومي للجهاز الحركي العصبي ومعهد السمع والكلام سنة 1967، والمركز القومي لأبحاث الحساسية والصدر سنة 1968. وأسهمت هذه المشروعات في تعزيز جاذبية إمبابة، لتتحول إلى مقصد لآلاف المهاجرين من الدلتا والصعيد الباحثين عن العمل والاستقرار، بالتزامن مع ظهور أحياء جديدة استوعبت هذا التوسع السكاني والعمراني.

في مارس 1954، أطلقت حكومة عبد الناصر مشروع المساكن الشعبية في عدد من أحياء القاهرة، وكانت إمبابة من أبرز مواقع التجربة، إذ عُرفت هذه المنطقة لاحقاً باسم "مدينة التحرير". ومع أن الدعاية الرسمية تحدثت آنذاك عن بناء عشرين ألف وحدة سكنية في ثمانية أشهر، إلا أن الباحث المعماري محمد الشاهد يذكر في كتابه "الحداثة الثورية: العمارة وسياسات التغيير في مصر" الصادر سنة 2020، أن الوثائق الرسمية تثبت أن ما أُنجز حتى سنة 1962 لم يتجاوز 4066 وحدة سكنية.

ومع نهاية الستينيات، عادت الدولة إلى إمبابة بمشروع جديد للإسكان الشعبي في منطقة أرض عزيز عزت، عُرف باسم "مساكن ناصر"، وضم 1140 وحدة سكنية و16 محلاً للخدمات. وكانت المنطقة في الأصل تجمعاً من العشش أزيلت لإقامة مجمعات سكنية بديلة خُصصت لإيواء السكان المتضررين من حالات الإزالة وإعادة التخطيط العمراني سنة 1968.

ويكشف تعداد سنة 1960 حجم التحول الذي شهدته إمبابة في ثلاثة عقود فقط. فقد بلغ عدد سكان بندر إمبابة، بما يشمله من المدينة التاريخية وامتداداتها الجديدة 136,429 نسمة، أي أكثر من أحد عشر ضعفاً عن تعداد 1927، لتصبح أكبر أحياء الجيزة سكاناً.

وظهرت في تلك الفترة أسماء أحياء جديدة منها "المساكن الشعبية" و"المنيرة أول" و"المنيرة ثاني" و"عزبة عبد النعيم"، المعروفة باسم "عزبة الصعايدة". كذلك ظهرت أحياء "مدينة العمال" و"مطار إمبابة" إلى جانب الأحياء التاريخية القديمة ومنها تاج الدول وكفر الشوام وكفر الشيخ إسماعيل وميت كردك (الكيت كات).

وفي هذا السياق السكاني المتسارع، ومع اتساع القاعدة الصناعية والخدمية، تحولت إمبابة إلى مدينة تعمل وفق إيقاع يومي منتظم. فمنذ ساعات الصباح الأولى كان العمال والموظفون يتوجهون إلى المصانع والهيئات الحكومية والمستشفيات، ويتركون أبناءهم في المدارس التي انتشرت تباعاً لخدمة الأسر الجديدة. ولا يزال بعض أبناء الحي يتذكرون تلك المرحلة الذهبية في تاريخ الحي، على نحو يبدو متناقضاً مع الصورة الحالية للحي الذي يُعد أحد أكثر مناطق القاهرة الكبرى ازدحاماً وفوضوية. وقد كان مصنع الشوربجي، الذي تحول بعد التأميم سنة 1961 إلى "شركة النصر للغزل والنسيج – الشوربجي"، أحد أبرز معالم تلك المرحلة، مركزاً للحركة اليومية. 

ومع ذلك، فالنمو الذي شهدته إمبابة في الستينيات حمل في داخله بذور أزمة جديدة. إذ أدى تحويل المنطقة إلى مركز جذب للمهاجرين من الريف والباحثين عن العمل إلى ضغط متزايد على القاهرة الكبرى، خاصة بعد موجات النزوح من مدن القناة عقب حرب يونيو 1967. في وقت لم تكن فيه البنية التحتية قادرة على استيعاب هذا التوسع السكاني السريع.

ومع عجز الدولة عن توفير السكن الكافي، بدأ القادمون الجدد في إقامة تجمعات سكنية خارج الإطار الرسمي على أطراف الأحياء الرسمية، مستفيدين من قوانين استثنائية سمحت بمد المرافق الخدمية إلى المباني المخالفة مع أنها تعارض قوانين تقسيم الأراضي والبناء. ويشير الباحث في تحليل سياسات السكن والعمران يحيى شوكت في دراسته "القرارات والتشريعات العمرانية: الواقع والتحديات" الصادرة سنة 2020، إلى أن قانون تقنين مخالفات البناء الصادر سنة 1956 المؤقت، الذي مُدد ثلاث مرات في عهد عبد الناصر، ساهم في ترسيخ هذا الواقع.

في تلك الأثناء، بدأت الكتلة العمرانية لإمبابة تتمدد غرباً نحو الأراضي الزراعية المحيطة بمدينة العمال ومدينة التحرير، بحسب ما رصده أستاذ جغرافيا المدن والتخطيط الإقليمي محمد فتحي مصيلحي في كتابه "تطور العاصمة المصرية والقاهرة الكبرى" الصادر سنة 1988. وظهرت المنيرة بقسميها إحدى أولى بؤر البناء غير الرسمي، وهي المناطق التي أصبحت لاحقاً من أبرز ملامح التحول العمراني والاجتماعي في إمبابة.

وتتبلور أهمية هذه التحولات في أنها لم تقتصر على الامتداد الجغرافي، بل شملت إعادة توزيع السكان وأنماط السكن داخل الحي نفسه. وقد اتضحت آثاره فترة السبعينيات، ما يعيد التفكير في سياسات فترة الرئيس عبد الناصر في ظل غياب لدور الإدارة المحلية أو مشاركة السكان في رسم مستقبل منطقتهم. 

1981 - 1970

في السنوات الأولى من حكم الرئيس محمد أنور السادات مطلع السبعينيات توقفت مشروعات الإسكان الحكومي بسبب توجيه الموارد إلى المجهود الحربي الذي انتهى بحرب أكتوبر 1973. ثم اتجهت الدولة لاحقاً إلى سياسة الانفتاح الاقتصادي والتقارب مع الغرب، متخلية عن جانب كبير من النهج الاشتراكي والتصنيعي الذي ميز عهد عبد الناصر. وعلى الأثر بدأت عملية تقليص دور القطاع العام وخصخصة بعض المصانع، بالتوازي مع انسحاب الدولة من ملف الإسكان الشعبي، تاركة السوق والقطاع الخاص يتحكمان في قطاع السكن دون تدخل لضبط الأسعار أو ضمان البعد الاجتماعي للإسكان. وهكذا تحولت الشقة السكنية تدريجياً من حق اجتماعي إلى سلعة تخضع لمنطق العرض والطلب.

ظهرت هذه السياسات بينةً في إمبابة، خاصة مع استمرار موجات الهجرة من الريف. فقد بلغ عدد سكان إمبابة التاريخية وامتداداتها الحديثة نحو 325 ألف نسمة في تعداد 1976. أي أن عدد السكان تضاعف تقريباً في ستة عشر عاماً فقط، وتستمر إمبابة في موقعها السابق الأعلى كثافة سكانية في محافظة الجيزة.

ومع غياب التخطيط الرسمي، بدأ القادمون الجدد في بناء مساكنهم بأنفسهم غرب إمبابة التاريخية، في امتدادات شملت المنيرة وأرض الجمعية وعزبة الصعايدة. وبحسب محمد فتحي مصيلحي في كتابه عن تطور العاصمة، نشأت هذه المناطق فوق الأراضي الزراعية وعلى امتداد الترع والمساقي، بالجهود الذاتية.

صورة جوية لإمبابة سنة 1977، ويلاحظ كثافة البناء في المنيرة | كتاب "صناعة الإسكان والتشييد في مصر"

صورة جوية لإمبابة سنة 1977، ويلاحظ كثافة البناء في المنيرة | كتاب "صناعة الإسكان والتشييد في مصر"

يضيف الكاتب أنه في الوقت نفسه ظهر تجار تقسيم الأراضي، الذين اشتروا قطع الأراضي الزراعية من أصحابها ثم أعادوا تقسيمها إلى شوارع ضيقة وقطع صغيرة بيعت للوافدين الجدد. وقد اكتفت الدولة لاحقاً بالتعامل مع الأزمة بتقنين بعض المخالفات السكنية، فيما ظل الخطاب الرسمي والإعلامي يختزل هذه المناطق في وصف "العشوائيات".

وهكذا فقدت إمبابة تدريجياً في سنوات قليلة ملامح الحي المخطط. وبينما حافظت المناطق القديمة المطلة على النيل – من الكيت كات حتى مدينة العمال والتحرير – على قدر من التنظيم والخدمات نتيجة الاهتمام الحكومي السابق، تمددت المناطق الغربية، خصوصاً المنيرة الغربية، بصورة مختلفة تماماً. فهناك تُرك السكان للبناء الذاتي والتكدس والإحباط، مع غياب الخدمات الأساس.

1981 - 2011

كان التفاوت المكاني ووتيرة النمو السكاني في الحي سمتين غالبتين  في العقد التالي، وظهر أثرهما جلياً في البيانات الرسمية تلك الفترة. إذ كشف تعداد سنة 1986 أن عدد سكان إمبابة ارتفع إلى 483,642 نسمة، بينما استحوذت المنيرة وحدها على 283,807 نسمة، أي أكثر من نصف سكان الحي.

في كتابه "القاهرة: نسيج الناس في المكان والزمان ومشكلاتها في الحاضر والمستقبل" الصادر سنة 2000، يرى أستاذ الجغرافيا السياسية بجامعة عين شمس محمود رياض أن السكن غير المخطط في إمبابة كان امتداداً مشوهاً للريف المصري. فالقادمون من القرى فقدوا علاقتهم بالأرض والزراعة وتحولوا إلى عمالة هامشية وحرفيين وأُجراء. وأصبحت الورش والأنشطة الحرفية، وفق ما يقول، متداخلة مع الكتل السكنية في مختلف أنحاء الحي، نتيجةً لتراجع التصنيع الرسمي وتصفية عدد من مصانع القطاع العام أو خصخصتها. وهو برأيه ما عمَّق معدلات الفقر والبطالة، خصوصاً في المنيرة الغربية.

دقت الصحافة ناقوس الخطر مبكراً منبهةً على هذا التدهور. ففي 27 فبراير 1986 نشر الصحافي علي ياسين تقريراً في صحيفة حزب الوفد بعنوان: "أين تقع المنيرة الغربية؟"، في إشارة إلى تجاهل المسؤولين لمنطقة يعيش فيها مئات الآلاف بلا خدمات حقيقية.

وقدم المعماري محمد محمود السيوفي تشريحاً لأوضاع المنيرة الغربية في دراسة نشرتها مجلة عالم البناء سنة 1985 عن بناء المدينة العربية بعد زيارة ميدانية للمنطقة. وقد رصد السيوفي كيف ظهرت المساكن غير القانونية بين منتصف الستينيات ومنتصف السبعينيات فوق نحو ثلاثمئة وثمانين فدان من الأراضي الزراعية، مع انتشار الوحدات الصغيرة التي لا تتجاوز ستين متراً، وشوارع ضيقة لا يزيد عرضها على أربعة أمتار.

وأشار السيوفي إلى أن المنطقة كانت تضم مدرسة واحدة فقط تخدم نحو مئة وخمسين ألف نسمة، مع احتياجها إلى ما بين عشرين مدرسة إلى ثلاثين. وانتشرت المساجد المبنية بالجهود الذاتية داخل الطوابق الأرضية أو فوق أراضٍ مشتركة بين السكان. كذلك لفت السيوفي إلى غياب شبكات المياه والصرف الصحي، واعتماد الأهالي على نقل المياه من مصادر المياه العمومية، واستخدام خزانات بدائية للصرف تُفرغ دورياً. ومع هذه الصورة القاتمة، خلص السيوفي إلى أن هذه الأحياء، على قسوة ظروفها، نجحت في توفير سكن منخفض التكلفة للفقراء، في وقت عجزت فيه الدولة عن تقديم بديل مناسب لهم.

خريطة المنيرة الغربية سنة 1985، وكثافة البناء غير الرسمي واضحة | محمد السيوفي، مجلة عالم البناء

خريطة المنيرة الغربية سنة 1985، وكثافة البناء غير الرسمي واضحة | محمد السيوفي، مجلة عالم البناء

حمَّل السيوفي حكومة الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك، الذي تولى السلطة من 1981 إلى 2011، مسؤولية تعميق أزمة المناطق غير المخططة. وقد اعتبر أن الدولة واصلت الانسحاب التدريجي من دورها الاجتماعي، وانحازت بتزايد إلى الفئات الأعلى دخلاً، بينما تُركت أحياء مثل إمبابة لمواجهة أزماتها المتراكمة وحدها. قد لا يكفي تفسير الأزمة من زاوية السياسات السكنية وحدها لفهم أسباب التوسع الهائل في المناطق غير الرسمية. 

1992 - 1993

أدى التفاوت التنموي الحاد بين القاهرة وبقية الأقاليم المصرية إلى تركّز فرص العمل والاستثمار والخدمات في إقليم القاهرة الكبرى، ما جعل الهجرة إليه الخيار الوحيد تقريباً أمام ملايين الباحثين عن فرصة عمل أو مسار للترقي الاجتماعي. وفي المقابل، أخفقت الحكومات المتعاقبة في بناء مراكز اقتصادية موازية قادرة على موازنة جاذبية العاصمة وتخفيف الضغط عنها. لذا لعله لم يكن مستغرباً أن يقبل آلاف الوافدين العيش في ظروف قاسية داخل مساكن شُيدت خارج أي تخطيط رسمي. ووصل الأمر في بعض المناطق إلى السكن في "عشش" من الصفيح والخشب، كما حدث في المنطقة المعروفة باسم "عزبة الصفيح" المجاورة لشريط السكك الحديدية التي مثلت أحد أكثر نماذج التهميش قسوة في المنيرة الغربية.

ومع استمرار التوسع العمراني العشوائي وغياب الخدمات الأساس، تراكم الإحباط والغضب بين السكان الذين ظلوا يسمعون وعود التطوير دون أن يروا أثراً حقيقياً لها على أرض الواقع. ومن هنا شكلت سنة 1992 نقطة فارقة في تاريخ إمبابة. ففي ذلك العام برز اسم الحي في صدارة الأنباء المحلية والعالمية، في وقت كانت الدولة المصرية تقود مواجهات مع الجماعات الإسلامية المسلحة في أنحاء البلاد، استمراراً لمواجهة بدأت منذ اغتيال الرئيس السادات في أكتوبر 1981. 

ففي الأزقة والشوارع الضيقة المكتظة بالمباني العشوائية، التي بنيت بجهود الأهالي على وقع تغاضي الدولة على مدار عقود، بسطت الجماعة الإسلامية نفوذها في إمبابة، وتحديداً في منطقة المنيرة الغربية. وقد برز اسم الشيخ جابر محمد علي ريان قائداً لما عُرف في الأوساط الإعلامية والشعبية باسم "جمهورية إمبابة الإسلامية". ردَّت الدولة على حراك الجماعة الإسلامية بحشد أمني كبير انتهى باعتقال الشيخ جابر وكثير من رجاله.

في ديسمبر 1992 دفعت الحكومة بنحو ستة عشر ألفاً من قوات الأمن المركزي بقيادة ألفي ضابط نحو إمبابة، في أكبر عملية أمنية شهدتها العاصمة آنذاك. وقد تناول الباحث الفرنسي في التوسع الحضري في مصر والهند إريك دينيس هذه المواجهة في دراسة صدرت سنة 1994، عنوانها "لا ميز أون سين دي زاشوايّات [. . .]" (صناعة صورة العشوائيات [. . .]) مشيراً إلى أن العملية اتسمت باستخدام واسع للقوة وحملات اعتقال عشوائية. ونقل عن منظمات حقوقية أن كثيراً من سكان المنيرة رحبوا في البداية بتدخل الدولة لإنهاء سطوة الجماعة الإسلامية، لكنهم سرعان ما انقلبوا على هذا الموقف بعد أن تحولت الإجراءات الأمنية إلى ما اعتبروه عقاباً جماعياً للسكان.

وتوضح أستاذة العلوم السياسية بالجامعة الأمريكية بالقاهرة دايان سنجرمان في دراستها "حصار إمبابة: الآخر في الداخل وتجريم السياسة" المنشورة ضمن كتاب "القاهرة المتنازع عليها" سنة 2023، أن نفوذ الجماعة الإسلامية لم يقم على تقديم الخدمات الاجتماعية فحسب كما فعلت تنظيمات أخرى مثل جماعة الإخوان المسلمين أو جمعية أنصار السنة المحمدية. بل فرضت الجماعة نفسها سلطةً محلية لفض النزاعات والتحكم في المجال العام باستخدام الترهيب والعنف. وتشير الدراسة إلى ممارسات شملت التضييق على النساء والمسيحيين، واستهداف بعض الأنشطة التجارية والترفيهية – مثل نوادي الفيديو – وفرض إتاوات على بعض أصحاب المحال.

الانتشار الأمني في إمبابة أثناء مواجهات سنة 1992 مع الجماعة الإسلامية | غيتي للصور

الانتشار الأمني في إمبابة أثناء مواجهات سنة 1992 مع الجماعة الإسلامية | غيتي للصور

على وقع الأحداث بدا أن الدولة وجزءاً من الرأي العام بدأوا يدركون أن عقوداً من التهميش والإهمال أنتجت واقعاً لم يعد ممكناً تجاهله أو التعامل معه بالأدوات الأمنية وحدها. بيد أن المواجهة مع الجماعة الإسلامية لم تتحول إلى مشروع شامل لمعالجة جذور الأزمة العمرانية والاجتماعية في إمبابة أو غيرها من الأحياء المهمشة، إنما رسخت شعوراً بالخوف من الأحياء الشعبية. 

وفقاً لإريك دينيس في دراسته عن العشوائيات، أخافت صدمة المنيرة الغربية والهجوم الإعلامي الرسمي على الأحياء غير الرسمية ووصمها بأنها ملاذات بائسة للمجرمين والإرهابيين، قطاعات من النخبة المصرية. لجأت هذه النخب إلى السكن في مجمعات سكنية مسورة على أطراف العاصمة الصحراوية طوال عقد التسعينيات، هرباً مما اعتبروه ترييفاً للمدينة.

ويلفت الباحث في هذا السياق إلى مفارقة، فالقاهرة مع صدمة إمبابة لم تكن مدينة تميل بطبيعتها إلى العنف السياسي أو الاجتماعي. لذا لم تبذل السلطات سوى جهودٍ رمزية لتطوير العشوائيات بعد السيطرة على المنيرة الغربية والقضاء على تنظيم الجماعة الإسلامية،. بل إن حكومة مبارك عادت إلى أنماط الإهمال طويل الأمد التي سمحت باستمرار ظاهرة العشوائيات التي بدأت في الستينيات.

ويفترض دينيس عدم رغبة مبارك في تطوير العشوائيات بسبب محدودية الموارد وتجنب المخاطر. لكنه يعود ليشكك في هذه الفرضية، مذكراً بأنه منذ السبعينيات حصلت الحكومة على مساعدات كبيرة في مجال التنمية الحضرية من جهات مانحة دولية كانت على دراية بالمخاطر الكامنة في أحياء العاصمة المصرية وتحدياتها.

وكانت صحيفة "الجمهورية" القومية قد نشرت في يوليو 1986 خبراً عن قرض من البنك الدولي بقيمة خمسة ملايين وتسعمئة ألف جنيه لتطوير المنيرة الشرقية والجيزة القديمة. وهو ما لم يُرَ أثره بيناً على الأرض في إمبابة ولا غيرها من واقع الأهالي. فحكومة مبارك، بعد أن سيطرت على المنيرة الغربية وقضت على وجود المسلحين، لم تعمل أكثر من رصف الطرق الرئيسة في الحي لتأمين سرعة الوصول الأمني حال تجدد الأزمة.

وأظهرت تغطيات الصحف في التسعينيات وبدايات الألفية استمرار المشكلات نفسها، من تدهور البنية التحتية وتأخر شبكات المرافق والخدمات. ففي مايو 1993 نشرت صحيفة الأخبار، تحقيقاً صحفياً عن انقطاع المياه في منطقة المنيرة الغربية مدة ثلاثة أشهر.

1997 - 2011

وفي سبتمبر 1997 تناولت الصحف، ومنها صحيفة الوفد، أزمة غرق أجزاء من المنيرة الغربية بمياه الصرف الصحي. وحتى مع دخول الألفية، نشرت صحيفة حزب الوفد سنة 2004 تقريراً انتقد استمرار تجاهل المنطقة وغياب الحلول الجذرية لمشكلاتها المزمنة. وفي تلك الفترة كانت إمبابة قد بدأت تواجه تحدياً من نوع مختلف.

تردي الأحوال المعيشية في الأجزاء المهملة من إمبابة قبل ثورة يناير 2011 | غيتي للصور

تردي الأحوال المعيشية في الأجزاء المهملة من إمبابة قبل ثورة يناير 2011 | غيتي للصور

مع صعود ما عُرف بحكومة رجال الأعمال في السنوات الأخيرة من حكم مبارك قبل ثورة 25 يناير 2011، بدأ الحديث عن مشروعات لإعادة تطوير أجزاء واسعة من إمبابة، تضمنت استغلال أراضٍ ومواقع مميزة في استثمارات عقارية وتجارية كبرى.

وكان إغلاق مطار إمبابة سنة 2001 أحد أبرز ملامح التحدي الجديد. فمع تمدد الكتلة العمرانية حول المطار وفقدانه جدواه التشغيلية، أصبحت أرضه التي تزيد عن مئتين وعشرين فداناً محوراً لخطط إعادة التطوير. وأثار ذلك مخاوف واسعة بين السكان الذين تخوفوا من أن تتحول مشروعات التطوير إلى غطاء لإخلاء مناطق سكنية وإعادة تخصيص الأراضي للمستثمرين. وقد شهدت المنطقة آنذاك احتجاجات وتحركات شعبية اعتراضاً على أي خطط قد تؤدي إلى تهجير السكان أو تغيير طبيعة الحي لصالح الطبقات الغنية.

رداً على الاحتجاجات، أنشأت حكومة مبارك حديقة عامة على جزء من أرض المطار، وبنت مجموعة من المساكن المخصصة لإعادة توطين الأسر المتوقع إزالة مساكنها. إلا أن هذه الوحدات ظلت لفترة طويلة شبه خالية من السكان، واستمر الجدل على استغلال المستثمرين الأراضي المميزة بالحي حتى جاءت ثورة يناير 2011 وأوقفت كثيراً من المشروعات التي أثير حولها الجدل آنذاك.

2011 - 2026

تراجع مشروعات التطوير الكبرى بعد الثورة لم يجمِّد التحولات التي كانت تعيد تشكيل الحي تدريجياً. ففي الفترة بين تراجع الحديث عن تطوير الحي بعد 2011 وتجدده بدايةً من سنة 2022، تغير وجه إمبابة وتراجعت معالمها التاريخية، واختفت كثير من رموز الحي التي ارتبطت بذاكرته الجمعية.

وعن هذا التغير، يذكر الصحفي عادل سيف في كتابه "مسارح وملاهي القاهرة الخديوية" أن كازينو الكيت كات مثلاً، الذي كان قد أُغلق سنة 1955 بعد شكاوى متكررة من السكان والمصلين المجاورين له، هدم وأقيم مكانه مسجد خالد بن الوليد. كذلك اختفت السينما الصيفية المجاورة وتحولت إلى مخزن تجاري، لتتوارى صفحة كاملة من الحياة الثقافية والترفيهية التي ميزت المنطقة عقوداً.

وشهدت الواجهة النيلية تحولات مشابهة. فالعوامات السكنية والترفيهية التي شكَّلت جزءاً من المشهد النهري لإمبابة منذ الستينيات أزيلت تدريجياً وصولاً إلى حملة الإزالة الواسعة سنة 2022، ضمن خطط إعادة استثمار الواجهة النيلية وتطويرها لأغراض تجارية وسياحية.

ضفة النهر في إمبابة، وتظهر العوامات السكنية قبل إزالتها سنة 2022

ضفة النهر في إمبابة، وتظهر العوامات السكنية قبل إزالتها سنة 2022

أما القاعدة الصناعية التي ساهمت في صنع هوية إمبابة في الخمسينيات والستينيات، فقد تراجعت. أُغلق مصنع الكراسي وتحولت أرضه إلى أبراج سكنية، وفقد مصنع الشوربجي أجزاء واسعة من أراضيه لصالح مشروعات عقارية.

وأسهمت حالة الانفلات الأمني التي أعقبت ثورة يناير 2011 في تسريع وتيرة التحولات العمرانية داخل الحي. فقد هُدمت أعداد من البيوت الفاخرة والمباني التاريخية التي تعود إلى النصف الأول من القرن العشرين، وحلَّت محلها أبراج مرتفعة لا تتناسب مع الشوارع الضيقة والبنية العمرانية القديمة للمنطقة.

في المقابل، شهدت إمبابة تحولاً سكانياً تمثل في تراجع دورها مقصداً رئيساً للهجرة الريفية. فبعد عقود من استقبال موجات متتالية من الوافدين من الدلتا والصعيد، بدأت تظهر حركة هجرة عكسية، خصوصاً بين أبناء الطبقة الوسطى الذين تمكنوا من تحسين أوضاعهم الاقتصادية بالعمل في القطاع الخاص أو الخليج. واتجه كثير منهم إلى مناطق التوسع العمراني الجديدة في غرب الجيزة، مثل فيصل والشيخ زايد ومدينة السادس من أكتوبر وحدائق الأهرام. ويُظهر تباطؤ نسب النمو السكاني مقارنة بفترة ما قبل التسعينيات هذا التحول. إذ ارتفع عدد سكان إمبابة من 523،265 نسمة سنة 1996 إلى 598,882 نسمة سنة 2006، ثم إلى 632،597 سنة 2017.

مع ذلك، لا تزال إمبابة واحدة من أكثر مناطق القاهرة الكبرى كثافةً سكانية، مع هيمنة الأنشطة الحرفية والورش الصغيرة والاقتصاد غير الرسمي على قطاعات واسعة من سكانها. ومنذ 2016 شهدت المنطقة بعض مشروعات البنية التحتية الكبرى، مثل إقامة محور مروري يخترق مطار إمبابة ويصل إلى الطريق الدائري المحيط بالعاصمة. وإنشاء الخط الثالث لمترو الأنفاق الذي استتبع تطوير بعض الشوارع الرئيسية في إمبابة مثل شوارع البوهي والقومية والوحدة. لكن هذه التدخلات كانت محدودة التأثير على مشكلات السكن والخدمات وجودة الحياة في المناطق الأكثر كثافة.

ومع إطلاق حكومة الرئيس عبد الفتاح السيسي سلسلة من مشروعات إعادة تطوير المناطق الشعبية مع دخول العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين، عاد القلق مجدداً إلى قطاعات من سكان إمبابة. فالتجارب السابقة في مناطق أخرى، مثل مثلث ماسبيرو، عززت المخاوف من أن تتحول خطط التطوير إلى عمليات إعادة تشكيل عمراني تقلص وجود السكان الأصليين وتزيد الأنشطة الاستثمارية والعقارية الأكثر ربحية. وزادت هذه المخاوف مع استمرار النزاع على مستقبل جزيرة الوراق ومشروعات تطويرها.

ويتصاعد خوف أهالي الحي الشعبي مع ظهور علامات الإزالة على بيوت المنيرة الغربية المطلة على شارع المطار، بحجة توسيع الشارع لإقامة محور مروري جديد. وينتظر أهالي إمبابة التاريخية وتحديداً الجزء الذي يشمل منطقة الكيت كات وحكر توكل وأرض عزيز عزت وتاج الدول، مصير التطوير الذي أعلنت تفاصيله دون الكشف عن خرائط المشروع أو مخطط الإزالة المتوقع. يترقب الأهالي انتشار علامات حمراء وخضراء على بيوت هذه المناطق، ولايعرفون أياً منها تعني إزالة مساكنهم، وإن كانت تحمل نذير خطر من نوايا الحكومة التي يشعرون أنها لا تستهدف مصلحتهم.

ربما يُفسر وصف أستاذ علم الاجتماع ودراسات الشرق الأوسط بجامعة إلينوي آصف بيات في كتابه "الحياة سياسة: كيف يغير بسطاء الناس الشرق الأوسط" الصادر سنة 2014 ، حالة إمبابة. فالأحياء غير الرسمية، عند بيات، ليست مجرد فضاءات للفقر أو الجريمة أو التطرف، كما تصورها أحياناً السلطة ووسائل الإعلام، إنما ساحات يومية لنضال المهمشين من أجل البقاء وانتزاع حقهم في المدينة. ومن مفهومه عن "اللا حركات الاجتماعية"، ينجح أناس عاديون، بلا قيادات أو تنظيمات كبرى، في تغيير واقعهم بتراكم أفعال صغيرة ومتفرقة تفرض نفسها في النهاية على الدولة والمجتمع. وهنا تبدو إمبابة واحدة من أكبر تجليات هذه "اللا حركات". فالسكان الذين وفدوا إليها لم ينتظروا الدولة كي تمنحهم حق السكن أو الخدمات أو العمل، بل انتزعوا هذه الحقوق تدريجياً. بنوا بيوتهم بالجهود الذاتية، ومدوا المرافق إلى أحيائهم، وحولوا الشوارع والفراغات إلى أسواق وورش ومصادر للرزق. وبهذا لم تكن المدينة هبة من السلطة، بقدر ما كانت ثمرة جهد يومي طويل بذله أناس عاديون سعوا فقط إلى حياة أكثر كرامة.

واليوم مع تواتر الأخبار عن تسارع الخطط الحكومية لحصر الأماكن التي يشملها التطوير بإمبابة والبدائل السكنية المقترحة للأهالي، إلى جانب آليات التعويضات المالية، وضع مئات الآلاف من سكان الحي وأنا منهم في حالة من الترقب القلق. فالأهالي لا يرفضون مشاريع التطوير لذاتها، بل لخشيتهم أن لا تساعد في تحسين أحوالهم المعيشية. 

يبدو أن الحكومة ماضية في طريقها دون الإنصات للسكان، ليظهر حي إمبابة صورة لتحولات أوسع شهدتها القاهرة نفسها. من مدينة سعت الدولة في منتصف القرن العشرين إلى دمج سكانها عبر التصنيع والإسكان الشعبي، إلى مدينة تتزايد فيها أهمية الاستثمار العقاري وإعادة تشكيل الفضاء العمراني وفق اعتبارات تجارية وسياحية.

وإذا كان سكان إمبابة قد نجحوا في فرض وجودهم وانتزاع حقهم في السكن والعمل والحياة في عقود من التهميش والإهمال، فإن التحدي اليوم لم يعد بناء المدينة من الهامش، بل الحفاظ على مكان داخلها. وبين وعود التطوير ومخاوف الإقصاء، تقف إمبابة مرة أخرى عند مفترق طرق تاريخي يتحدد به مستقبلها، وأيضاً شكل العلاقة بين السكان والمدينة والدولة.