زيد اسليم
كاتب وصحفي
"تذكّروا، عندما تولّينا زمام الأمور لم تتجاوز نسبة الإنتاج المحلي في الصناعات الدفاعية 20 بالمئة، أما اليوم فقد بلغت 80 بالمئة [. . .] بلادنا التي كانت مشاريعها الاستراتيجية تُهمل في مراحلها الأولى، شهدت للمرة الأولى إنجازها وتنفيذها، وحوّلنا مشاريع حيويةً كانت تُعدّ مستحيلةً إلى واقعٍ ملموسٍ، ونجحنا في كسر التبعية للدول الأجنبية في الصناعات الدفاعية".
بهذه الكلمات لخّص الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، في حفل تسليم مدافع "هاوتزر فيرتينا" محلية الصنع سنة 2023، مسار الصناعات الدفاعية التركية من مرحلة القيود والمنع والارتهان للخارج إلى مرحلة الإنتاج المحلي وتوسيع هامش الاستقلال التقني. فقدّم التحول انتقالاً من استيراد السلاح إلى تصنيعه، ومن التبعية إلى السعي نحو الاكتفاء الذاتي وبناء قدرةٍ دفاعيةٍ وطنيةٍ مستقلة.
حتى غدت الصناعات الدفاعية جزءاً من روايةٍ أوسع حول السيادة والقرار الوطني وتعريف موقع تركيا داخلياً وخارجياً. ووراء ذلك ذاكرةٌ جمعيةٌ طويلةٌ حفزت الدولة التركية للسير في هذا الاتجاه، من محاولاتٍ لم تستمر لإنتاج السلاح محلياً في العقود الأولى من قيام الجمهورية، مروراً بفترة ما بعد الحرب العالمية الثانية عندما فرض تدفق المساعدات العسكرية الأجنبية على تركيا الاعتماد على منظوماتٍ مستوردة. وحتى اللحظة الفارقة مع حظر السلاح الذي فُرض على أنقرة بعد أزمة جزيرة قبرص مع اليونان سنة 1974.
كشف تراكم الأحداث التاريخية، لاسيما منذ الأزمة القبرصية، محدودية قدرة الدولة التركية على صيانة الترسانة أو تعويضها بصورةٍ مستقلةٍ، فتواصلت جهود البناء المؤسسي في سبيل تحقيق اكتفاءٍ ذاتيٍ في الصناعة الدفاعية.
غير أن التحول الأبرز تبلور مع بداية الألفية الجديدة، حين أُدرجت الصناعات الدفاعية ضمن رؤيةٍ استراتيجيةٍ لتعزيز هامش القرار الوطني في بيئةٍ إقليميةٍ متقلبة. وبهذا قد لا يُفهم صعود الصناعات الدفاعية التركية المعاصرة بمعزلٍ عن تراكمٍ طويلٍ من التوترات والهواجس السيادية. فالمشروع الحالي يُعدّ امتداداً لبنيةٍ ذهنيةٍ وطنيةٍ ترى في الاستقلال العسكري ركيزةً للاستقلال السياسي، وهو مشروعٌ ساهم في بناء هُويةٍ وطنيةٍ جديدةٍ ترتكز على الصناعات الدفاعية.
ترتبط العلاقة بين المجتمع التركي ومؤسسته العسكرية بالسياق التأسيسي للجمهورية ذاتها. فقد قاد مصطفى كمال أتاتورك حرب الاستقلال التركية بين سنتي 1919 و1922، إلى جانب نخبةٍ من رفاقه العسكريين، فتمكّنوا من دحر قوات الحلفاء وإفشال ترتيبات معاهدة سيفر التي وقعتها الدولة العثمانية سنة 1920 مع الحلفاء بعد هزيمتها في الحرب العالمية الأولى، وكانت تقضي بتقسيم الأناضول. ومع إعلان الجمهورية في أنقرة سنة 1923، تَشكّلت النخبة الحاكمة في معظمها من شخصياتٍ ذات خلفيةٍ عسكريةٍ، مما أضفى على الدولة الناشئة منذ اللحظة الأولى طابعاً مؤسسياً يتقاطع فيه السياسي بالعسكري تقاطعاً شرطياً.
أصبح الجيش حارساً للنظام الجمهوري ومبادئه التأسيسية "مبادئ أتاتورك الستة"، وهي الجمهورية والوطنية والقومية واقتصاد الدولة والعلمانية والثورية. وبهذا كان ثلث أعضاء الحكومة الجمهورية الأولى من كبار الضباط، مما رسّخ حضور الجيش في المجال العام فاعلاً سياسياً مؤثراً. وهو ما تنوّه له جنان توبتشو، أستاذة الأدب في جامعة دارمشتات الألمانية، في مقالها "سلف أبوينتد غارديانز أوف سِكيولرزم" (أوصياء العلمانية المعيّنون ذاتياً) سنة 2008. فتقول إنّ أتاتورك وخلفاءه اعتمدوا على المؤسسة العسكرية لضبط المجال الداخلي وضمان استقرار الدولة الناشئة، ولاسيما في مواجهة التمردات التي اندلعت في بعض المناطق المحافظة اعتراضاً على الإصلاحات العلمانية والاجتماعية.
ومع ترسيخ بنية النظام العقائدية، اكتسب دور الجيش بعداً مؤسسياً أوضح. ففي سنة 1937 أُدرجت المبادئ الستة لأتاتورك في الدستور، لتغدو الإطار الرسمي لهوية الدولة الجمهورية. وبات يُنظر إلى القوات المسلحة فاعلاً مؤتمناً على حماية أسس النظام الفكرية والسياسية. وعبّر أتاتورك عن هذه الرؤية في خطابه في مدينة قونيا سنة 1931 حين أشار إلى أن "الأمة التركية تحب جيشها وتعدّه حارساً لمُثُلها العليا".
وتوضح توبتشو أنه بالتقادم ترسّخ في الوعي الجمعي أن القوات المسلحة تصون المبادئ العلمانية والقومية من التهديدات الداخلية، بَلْهَ اضطلاعها بمسؤولية حماية الحدود من الأخطار الخارجية. وعليه كان ضرورياً أن تؤسس تركيا صناعةً عسكريةً محليةً تحدّ من الارتهان للخارج، على محدودية الموارد المالية والتقنية في العقود الأولى للجمهورية.
بدأت ملامح التوجّه للانتاج الدفاعي محلياً تتشكل قُبيل انتهاء حرب الاستقلال، حين أُنشئت مديرية المصانع الحربية سنة 1921 لتتولى إعادة تأهيل ورش الذخيرة والمرافق الصناعية الموروثة عن الدولة العثمانية. وبحلول سنة 1924، أقامت الحكومة ورشاً لإصلاح الأسلحة والمدافع ومصانع للذخيرة في أنقرة. وافتُتح في السنة ذاتها حوض ترسانة غولجوك لتشييد السفن الحربية وصيانة الطراد "ياووز" الموروث من بحرية الدولة العثمانية.
سنة 1925 شهدت بروز نقطة تحوّلٍ مبكرةٍ في مسار التصنيع الدفاعي التركي. جاء ذلك مع إطلاق أول مشروعٍ عسكريٍ مستقلٍ ببادرةٍ من شاكر زمرة، رجل الأعمال والمحارب السابق في حرب الاستقلال، الذي أنشأ في منطقة القرن الذهبي في الجانب الأوروبي من إسطنبول مصنعاً لإنتاج الذخائر والقذائف. ليُعدّ بذلك أول منشأةٍ صناعيةٍ عسكريةٍ مملوكةٍ للقطاع الخاص في تاريخ الجمهورية. تمكّن المصنع في العشرينيات من إنتاج قنابل يدويةٍ وقذائف أعماقٍ وذخائر خفيفةٍ لتلبية احتياجات الجيش التركي.
وتأسست شركة "طياري فه موتور تورك كو" (طيارة ومحرك التركية) بدعمٍ حكوميٍ ومشاركة مستثمرين وطيارين سنة 1926، فكانت محاولةً مبكرةً لإطلاق صناعة طيرانٍ محلية. وعلى إغلاقها سنة 1928 إلا أنّها مثّلت أول تجربةٍ مؤسسيةٍ في هذا المجال.
توالت مجهودات القطاع الخاص حتى الثلاثينيات من القرن العشرين. فبرز نوري باشا كيليجيل الذي أسس مصنعاً للأسلحة الخفيفة والذخائر في إسطنبول، وضمّ خطوط إنتاجٍ للمسدسات وقذائف الهاون والذخيرة. لتكون تجربته من أكثر تجارب القطاع الخاص تقدماً في مجال الصناعات الدفاعية. وأسهمت تجربة كيليجيل في ترسيخ فكرة إمكان قيام صناعة سلاحٍ وطنيةٍ بإدارةٍ خاصةٍ، حتى وإن ظلّت معتمدةً جزئياً على بيئةٍ سياسيةٍ داعمة.
أما في ميدان الطيران، فتجسدت أبرز المبادرات في مشروع الصناعي نوري دميراغ، الذي أنشأ سنة 1936 مصنعاً للطائرات في إسطنبول. فأنتج المصنع نماذج محليةً أبرزها طائرات التدريب "نو د 36" (اختصاراً لنوري دميراغ 36) وبلغ عددها سنة 1940 أربعةً وعشرين طائرةً، حسبما يحكي دمير في مقالته. بالتوازي، دعمت الدولة قطاع الطيران عبر جمعية الطيران التركية التي أنشأت مصنعاً في أنقرة سنة 1941، فبدأ سنة 1944 إنتاج طائرات تدريبٍ وشحنٍ خفيفةٍ وطائراتٍ شراعيةٍ، فضلاً عن افتتاح مصنعٍ لمحركات الطائرات سنة 1945.
جاء جهد التصنيع المحلي إبان سنوات الحرب العالمية الثانية متوازياً مع تقديم الولايات المتحدة وبريطانيا كمياتٍ ضخمةً من الأسلحة والمعدات للقوات التركية ضمن برامج المعونة. فقد زودتها واشنطن خلال الحرب مثلاً بمساعداتٍ عسكريةٍ قيمتها حوالي خمسة وتسعين مليون دولار.
مع نهاية الحرب سنة 1945 وبداية الحرب الباردة، واجهت الصناعة الدفاعية التركية الناشئة تحدياتٍ كبيرةً رغم نجاحاتها الأولية. فقد انهالت المساعدات العسكرية الخارجية على أنقرة في إطار "مشروع مارشال"، الخطة الاقتصادية الأمريكية التي قضت بمساعدة البلدان الأوروبية على إعادة إعمار ما دمرته الحرب وبناء اقتصاداتها من جديد. وهكذا جُيّرت موارد الدولة بعد 1950 نحو إعادة الإعمار وتحسين الاقتصاد المدنيَّيْن، مع تغيّر الأولويات السياسية في عهد الحزب الديمقراطي بقيادة رئيس الوزراء عدنان مندريس، فأدى ذلك إلى تهميش ملف التصنيع العسكري. ثم جاءت عضوية تركيا في حلف الناتو سنة 1952 لتعزز اعتماد الجيش التركي على العتاد الغربي الحديث عوض الاستثمار في التصنيع المحلي.
انتهت تلك المرحلة التأسيسية دون قيام صناعةٍ دفاعيةٍ مستدامة. لكن الإرث الذي تركته رسّخ في الوعي السياسي التركي ضرورة تحقيق اكتفاءٍ ذاتيٍ دفاعيٍ، وهو الهدف الذي تأجل إحرازه إلى عقودٍ لاحقة. خصوصاً مع بقاء معاهدة سيفر الموقعة بعد الحرب العالمية الأولى حمولةً رمزيةً وعاطفيةً تذكّر الأمة التركية بماضٍ من الهشاشة وحالةٍ من التهديد تقتضي الاعتماد على الذات.
نصّت معاهدة سيفر على تقليص مجال الدولة العثمانية الجغرافي، وفرض ترتيبات وصايةٍ وانتدابٍ أجنبيٍ، فضلاً عن تصوّراتٍ لإقامة كياناتٍ قوميةٍ على أجزاء من الأناضول. ومع أن حرب الاستقلال أفضت إلى إسقاط تلك الترتيبات واستبدالها بمعاهدة لوزان سنة 1923، إلا أنّ معاهدة سيفر تحوّلت إلى رمزٍ دائمٍ لفكرة تقسيم الوطن على يد قوىً خارجيةٍ، وصار إرث المعاهدة النفسي والسياسي يُعرف بمصطلح "متلازمة سيفر".
تتحدث أستاذة العلوم السياسية في جامعة باريس الثانية، دوروتيه شميد، عن معاهدة سيفر في دراستها سنة 2015 "توركي: ذا سيفرز سِندروم [. . .]" (تركيا: متلازمة سيفر [. . .]) فتقول إنّها لا تزال تمثل نقطة انطلاقٍ لردّ فعلٍ قائمٍ على الخوف في المخيال التركي ينبت من هاجس الخيانة والقلق.
تشير المتلازمة إلى شعورٍ مزمنٍ بالحصار، وقناعةٍ بأن قوىً أجنبيةً تسعى إلى تقويض الدولة أو اقتسام أراضيها. وكانت شميد قد شرحت في مقالةٍ أخرى بعنوان "توركي: لو سِندروم دو سيفر" (تركيا: متلازمة سيفر) سنة 2012، بأن هذه الحالة نمطٌ من الإدراك الأمني القائم على تصور أمةٍ تحت الحصار. إذ يُعاد تأويل التحديات الداخلية والخارجية عبر عدسة المؤامرة والتقسيم. وبهذا أصبح استحضار شبح "سيفر جديدة" أداةً رمزيةً لإنتاج سرديةٍ دفاعيةٍ تُعظّم الأخطار الوجودية وتؤكد ضرورة اليقظة المستمرة، وغدت جزءاً من البنية الذهنية لدى صانع القرار التركي.
1974
ومن هذا شكّل التدخل العسكري التركي في قبرص سنة 1974 منعطفاً حاسماً في تطوّر الإدراك التركي لأهمية مسألة الاعتماد على التسليح الذاتي. جاءت العملية في أعقاب انقلابٍ مدعومٍ من اليونان استهدف ضمّ الجزيرة، وهو ما عدّته تركيا تهديداً مباشراً لأمن القبارصة الأتراك ومعادلات التوازن الإقليمي. غير أن ردّ الفعل الأمريكي والغربي جاء حاداً بفرض الكونغرس، وتحت ضغط اللوبي اليوناني، حظراً على تصدير الأسلحة والمعدات العسكرية إلى تركيا بدءاً من فبراير 1975، بحجة استخدام أنقرة عتاداً أمريكياً في العملية.
استُقبل القرار في تركيا بامتعاضٍ عميقٍ، وعُدّ تجسيداً لتحيّزٍ سياسيٍ ضد المصالح القومية التركية. وقد أعاد الحظر إلى الواجهة ذكرياتٍ سابقةً زعزعت الثقة بالعلاقة مع واشنطن. وأول إشارات تراجع الثقة كانت سنة 1960 أثناء أزمة الصواريخ الكوبية، حين اختارت الولايات المتحدة إزالة صواريخها من تركيا مقابل سحب الاتحاد السوفييتي شحنة الصواريخ المتجهة لكوبا. وهو ما ترك انطباعاً لدى الأتراك أن الأمريكيين لا يرون في أنقرة حليفاً موثوقاً. والإشارة الثانية كانت سنة 1964 عندما حذّر الرئيس ليندون جونسون أنقرة من مغبة التدخل العسكري في قبرص واستخدام أسلحةٍ أمريكيةٍ هناك، مع تصاعد المواجهة بين القبارصة الأتراك واليونانيين. آنذاك رأت تركيا في الرسالة انتقاصاً من سيادتها وحرية قرارها الأمني.
1975
جاء حظر 1975 ليعزز سرديةً في الخطاب التركي مفادها أن القوى الغربية قد تنحاز إلى خصوم أنقرة الإقليميين عند تقاطع المصالح. وكذا كشف الحظر عن هشاشة البنية الدفاعية التركية. فقد واجهت القوات المسلحة صعوباتٍ في الحصول على قطع الغيار والذخائر اللازمة لمنظوماتها أمريكية الصنع. وأدركت أنقرة أن الارتهان لمصدرٍ واحدٍ في التسليح يمكن أن يتحوّل إلى نقطة ضعفٍ استراتيجيةٍ، كما يوضح جهاد يايجي، رئيس أركان البحرية السابق، في مقالته "الحظر المفروض على تركيا دفعها إلى تعزيز صناعاتها الدفاعية" المنشورة على منصة الجزيرة مباشر سنة 2022. ويذكر يايجي أنّ تركيا ردّت على الحظر باتخاذ خطواتٍ سياديةٍ، فوضعت القواعد الأمريكية في البلاد تحت سيطرةٍ وطنيةٍ سنة 1975، وألغت اتفاقية التعاون الدفاعي الموقعة سنة 1969، في رسالةٍ سياسيةٍ مفادها رفض الإملاءات الخارجية.
1975
وترى عائشة أوزَر، الباحثة في العلاقات الدولية في جامعة مرمرة، في كتابها "ذا رايز أوف ذا توركِش ديفِنس إندَستري" (صعود الصناعة الدفاعية التركية) المنشور سنة 2019، إن أزمة 1974 مثّلت لأنقرة لحظة إدراكٍ حاسمةً لخطورة غياب الاكتفاء الذاتي في مجال الدفاع.
وفي السنة ذاتها أُسست شركة أسيلسان بدعمٍ من الجيش، لتكون نواة مشروعٍ أوسع لتوطين التقنيات العسكرية، وتوسعت الاستثمارات في مجالات الذخائر والصيانة والاتصالات الدفاعية. ومع الوقت تحوّل شعار "اصنع سلاحك بنفسك"، الذي أطلقته جمعية البحرية التركية سنة 1965، إلى توجّهٍ استراتيجيٍ انعكس في سياسات دعم البحث والتطوير وإنشاء شركاتٍ دفاعيةٍ وطنيةٍ أخرى.
1980
هكذا ارتفعت نسبة المكوّن المحلي في المنظومات العسكرية وتنوّعت مصادر التسليح. غير أن الهدف المركزي ظلّ تحقيق قدرٍ من الاكتفاء الذاتي يضمن حرية القرار. وقد ساعد هذا التحرك واقع الانقلابات العسكرية، لاسيما في سنتي 1960 و1980، إذ عاد شعار تقوية الجيش إلى واجهة الخطاب السياسي ليكون مبرراً للوصاية العسكرية على المجال المدني. فبعد انقلاب 1980 مثلاً، وعلى المناخ السياسي المقيد في عهد رئيس الوزراء تورغوت أوزال، اتجهت أنقرة إلى تعزيز البنية المؤسسية للصناعات الدفاعية. ومثّل إنشاء مؤسسة دعم الصناعات الدفاعية وتطويرها سنة 1985 خطوةً مفصليةً نحو تنظيم هذا القطاع على أسسٍ أكثر استدامة.
جاء عقد التسعينيات ليتسم بتعقيدٍ أمنيٍ واقتصاديٍ مزدوج. إذ تصاعد الصراع مع حزب العمال الكردستاني بالتوازي مع أزماتٍ ماليةٍ وعدم استقرارٍ حكوميٍ متكررٍ، فركّز الخطاب الرسمي على ضرورة تطوير القدرات العسكرية لمكافحة الإرهاب.
وكان تمرد حزب العمال الكردستاني المسلح قد بدأ سنة 1984، مطالباً بالانفصال والحكم الذاتي في جنوب شرق البلاد. وهو ما عزّز الإدراك الأمني المتأثر بمتلازمة سيفر، وأصبح الحزب في الخطاب الرسمي جزءاً من سردية الاستهداف الخارجي لوحدة الدولة، بجانب خطابٍ رسميٍ يربط التنظيمات المسلحة بمشاريع تقسيمية. استُحضرت هذه القراءة مع اتهام أطرافٍ إقليميةٍ ودوليةٍ بتوفير ملاذٍ أو دعمٍ للحزب. ومن ذلك ما حدث مع استضافة عبد الله أوجلان في سوريا، حتى "أزمة أضنة" سنة 1998، حين حشدت تركيا جنوداً على حدود سوريا مهددةً بالاجتياح طالما استمر النظام السوري بدعم أعضاء حزب العمال الكردستاني وإيوائهم.
وإن حدّت القيود المالية والتقنية وقتئذٍ من تحقيق قفزةٍ نوعيةٍ في توطين التقنية، ظلّ هناك إجماعٌ سياسيٌ عبر الحكومات المتعاقبة على أهمية دعم الصناعة الدفاعية، على قاعدة أن التفوق العسكري والاعتماد على الذات في مجالات التقنية الدفاعية ضرورةٌ لحماية الوحدة الترابية. ومن هنا جاء الاستثمار المكثف في تطوير قدراتٍ محليةٍ لمكافحة التمرد وبدأ يثمر نتائج نوعيةً منذ بدايات الألفية، انتقلت فيه أنقرة من الاعتماد على الاستيراد إلى منظومةٍ صناعيةٍ وطنيةٍ متكاملةٍ تتسم بالقدرة الإنتاجية والتصديرية.
اضطلعت "رئاسة الصناعات الدفاعية" التي تأسست سنة 1985 بدورٍ تنسيقيٍ محوريٍ في مسار الإنتاج الدفاعي المحلي، لاسيما بعد إعادة هيكلتها سنة 2018 وربطها مباشرةً برئاسة الجمهورية التركية، بما عزّز مركزية القرار وسرعة تنفيذ المشاريع الكبرى. وحظيت شركاتٌ وطنيةٌ بدعمٍ مؤسسيٍ وماليٍ مكثفٍ، من بينها "أسيلسان" في الإلكترونيات العسكرية، و"روكيتسان" في تقنيات الصواريخ، و"توساش" في الصناعات الجوية، إضافةً إلى "بايكار" التي أصبحت رمزاً لصعود تقنيات المسيّرات التركية. ورافق هذا الدعم توسعٌ ملحوظٌ في الإنفاق على البحث والتطوير، ما أفضى إلى تسريع دورة الابتكار وتقليص الاعتماد على الموردين الأجانب.
2014
كان الاستثمار المبكر في الطائرات المسيّرة أحد أعمدة هذه النهضة. إذ دخلت "بيرقدار تي بي 2" الخدمة سنة 2014، إلى جانب مسيّرات "العنقاء" التي أنتجتها شركة الصناعات الجوية والفضائية و"أقنجي" من إنتاج شركة بايكار، لتشكل معاً ركيزة العمليات الجوية التركية. وأطلقت أنقرة سنة 2016 مشروع المقاتلة الوطنية "قآن" بهدف تضييق الفجوة التقنية مع القوى الجوية المتقدمة. وبالتوازي، دخلت فرقاطات مشروع السفن الوطنية مراحل متقدمةً من التصنيع، في حين انتقل مشروع "دبابة ألطاي" إلى مراحل الاختبار والإنتاج الأولي بحلول 2016، بالتوازي مع تطوير صواريخ "أطمجه" ومنظومات الدفاع الجوي "حصار".
2022
انعكست هذه الجهود على مؤشرات الإنتاج والاستقلالية التقنية. فبينما كانت نسبة المكوّن المحلي في الصناعات الدفاعية التركية تقلّ عن 20 بالمئة سنة 2000، قفزت هذه النسبة إلى حوالي 80 بالمئة بحلول 2022، كما توضح شيما يونت، الباحثة في مركز تي آر تي للبحوث، في مقالتها "توركي ديفِنس إندَستري [. . .]" (الصناعة الدفاعية التركية: منظور اقتصادي) المنشورة سنة 2024.
ورصدت مجلة "ذي إيكونوميست" البريطانية هذا التحول في تقريرها سنة 2022 "توركي إز ذي آرمز إندَستري نيو أبستارت" (تركيا الصاعد الجديد في صناعة الأسلحة). وأشارت إلى أن حصة المورِّدين الأجانب من تسليح الجيش التركي انخفضت من حوالي 70 بالمئة في أوائل الألفية إلى نحو 30 بالمئة. بل وارتفع إجمالي إيرادات قطاع الصناعات الدفاعية من نحو مليار دولار سنة 2002 إلى قرابة أحد عشر مليار دولار سنة 2020، مدفوعاً بازدياد عدد المشروعات والمنتجات الدفاعية المطروحة.
2024
في الوقت نفسه، قفزت صادرات تركيا من المعدات الدفاعية من 248 مليون دولار سنة 2002، إلى ما يقارب 2.3 مليار دولار سنة 2020، ثم واصلت ارتفاعها لتتجاوز 7.1 مليار دولار سنة 2024. وبحسب الصحفي سردار دينجل من وكالة الأناضول، في تقريره "توركيز ديفِنس سيكتور إميرجِز [. . .]" (صعود الصناعات الدفاعية التركية في سوق التسليح الأوروبية) المنشور سنة 2025، احتلت تركيا بذلك المرتبة الحادية عشرة عالمياً بين أكبر مصدّري السلاح في المدة بين 2020 و2024.
وتصاعدت مكانة تركيا الدولية في مجال تقنية المسيّرات، فباتت تُصنَّف ضمن الدول الرائدة عالمياً في تصميم المسيّرات المسلحة وإنتاجها، إلى جانب الولايات المتحدة وإسرائيل والصين. ووفق تقريرٍ صادرٍ عن مركز الأمن الأمريكي الجديد، أصبحت تركيا أكبر مزوّدٍ عالميٍ للطائرات المسيّرة القتالية، إذ استحوذت بين سنتي 2018 و2023 على نحو 65 بالمئة من مبيعات المسيّرات المسلحة عالمياً، وتجاوزت الصينَ بحلول سنة 2021. فيما جاءت الولايات المتحدة ثالثاً، وإسرائيل رابعاً، وإيران في المرتبة الخامسة.
تعزّز هذا الحضور مع اندلاع الحرب الأوكرانية سنة 2022. إذ استخدمت كييف مسيّرات "بيرقدار تي بي 2" في مواجهة القوات الروسية. وأسهمت المشاهد الموثّقة لاستهداف المدرعات الروسية في ترسيخ صورة السلاح التركي الفعّال ومنخفض الكلفة مقارنةً بنظرائه الغربيين.
وهكذا امتدت آثار مشروع الاستقلال العسكري التركي لتطال الحقلين السياسي والرمزي، وتؤثّر في صياغة خطاب الهوية الوطنية، قوةً صاعدةً ذات قرارٍ سياديٍ مستقلٍ داخلياً وخارجياً، وأداةً فعّالةً في تعبئة المشاعر القومية وتعزيز الاعتزاز الجمعي.
طائرات طراز قأن التركية
طائرات طراز قأن التركية
درجت القيادة السياسية، ولاسيما الرئي، على إدماج كلّ تقدمٍ في الصناعات الدفاعية ضمن خطابٍ تعبويٍ يربطه بفكرة استعادة الإرادة الوطنية وتجاوز إرث التبعية. وغالباً ما تُقدَّم مشاريع التسليح الجديدة في احتفالاتٍ رسميةٍ ذات طابعٍ رمزيٍ، كما في تدشين غواصة "بيري ريس" سنة 2019 أو الرحلة التجريبية الأولى للمقاتلة قآن سنة 2024.
يؤدي هذا الزخم الإعلامي وظيفةً مزدوجة. فهو يطمئن الرأي العام إلى أن الدولة تمتلك أدوات ردعٍ مستقلةً، ويعزز في الوقت ذاته سرديةً مفادها أن الجيش بات يتسلح بنتاجٍ وطنيٍ خالص. وفي هذا السياق يذهب مراد يشيلتاش، مدير دراسات السياسة الخارجية في مركز سيتا للأبحاث، في مقاله المعنون "توركِش ديفِنس إندَستري ريشيبينغ تركيز ستيت آيدنتتي" (الصناعة الدفاعية التركية وإعادة تشكيل هوية الدولة التركية) المنشور سنة 2023، إلى أن الطفرة في الصناعات الدفاعية تتجاوز بُعدها المادي لتطال البنية الرمزية للهوية الوطنية. ويرى أن هذا التطور لا يقتصر على تعزيز القدرات العسكرية، بل يسهم في إعادة صياغة السردية التي تقوم عليها القومية التركية، عبر الانتقال من قوميةٍ ارتبطت تقليدياً بالجغرافيا والحدود إلى نمطٍ جديدٍ يمكن تسميته بالقومية التقنية. تصبح فيها التقنية المتقدمة ركيزةً لتعريف السيادة ومصدراً لإنتاج الفخر الجمعي.
ويشير يشيلتاش إلى أن هذا البعد الرمزي تجلّى في الخطاب السياسي في انتخابات سنة 2023. إذ استثمر الرئيس رجب طيب أردوغان رمزية مشاريع استراتيجيةٍ شواهدَ ملموسةً على اكتمال مسار التحرر الدفاعي.
طائرة بيرقدار المسيرة طراز تي بي 2 | ويكيمديا
طائرة بيرقدار المسيرة طراز تي بي 2 | ويكيمديا
وقد فعل الرئيس التركي هذا في أكثر من مناسبةٍ، مثل مشروع سفينة "تي سي جي أناضول"، أول حاملة طائراتٍ مسيّرةٍ في العالم بنسبة تصنيعٍ محليٍ تقارب 70 بالمئة، دخلت الخدمة سنة 2023. كذلك المقاتلة الوطنية قآن، والطائرة المسيّرة النفاثة "بيرقدار قزل إلما" التي طوّرتها شركة بيكار لتكون أوّل مقاتلةٍ تركيةٍ مسيّرة.
ووفق يشيلتاش، فإن إدراج هذه المشاريع في الحملات الانتخابية أسهم في إضفاء مركزيةٍ غير مسبوقةٍ على ملف الدفاع الوطني ضمن تعريف هوية تركيا الوطنية، حتى غدا الموقف من الصناعات الدفاعية معياراً ضمنياً للتمييز بين خطابٍ يُقدَّم وطنياً وآخر يُصوَّر أقلّ التزاماً بمفهوم السيادة والاستقلال.
خارجياً، وظّفت أنقرة نجاحات صناعاتها الدفاعية أداة قوةٍ في سياستها الخارجية. فمن ناحيةٍ، أسهمت صادرات السلاح في نسج شبكات تعاونٍ تتجاوز العلاقة التجارية التقليدية عبر عقود التدريب والصيانة ونقل التقنية. وهو ما أوجد أنماطاً من النفوذ التقني طويل الأمد. ومن جهةٍ أخرى عزّز أداء المعدات التركية مكانة البلاد في إدراك القوى الإقليمية والدولية، باعتبارها دولةً قادرةً على تلبية احتياجاتها الدفاعية ذاتياً والمساهمة في تلبية احتياجات شركائها.
توضح مروة سرين، الباحثة في العلاقات الدولية بجامعة يلدريم بيازيت، في دراستها "بوليتكس، إندَستري آند أكاديميا" (السياسة والصناعة والأكاديميا) المنشورة سنة 2021، أن النجاحات المحققة في تطوير الصناعة الدفاعية الوطنية عُدّت وسيلةً لتهيئة ظروفٍ مواتيةٍ تعزّز فرص النجاح والفاعلية في المجال الدبلوماسي. وهو ما يمنح صانع القرار مرونةً استراتيجيةً أكبر في السياسة الخارجية، كما ظهر في العمليات عابرة الحدود التي نُفّذت في شمال سوريا مثل "درع الفرات" في 2016 و"غصن الزيتون" في 2018 و"نبع السلام" في 2019، والعمليات المتكررة شمال العراق ضد قواعد حزب العمال الكردستاني.وفي هذا السياق نما شعار "محلي ووطني" ليغدو أحد أكثر المفاهيم رسوخاً في الخطاب السياسي، وإطاراً مرجعياً يُعرِّف العلاقة بين الدولة والتقنية والسيادة. فكلّ منجزٍ دفاعيٍ جديدٍ يُرى ثمرةَ قدراتٍ تركيةٍ خالصةٍ لتعبيره عن إرادةٍ جماعيةٍ تسعى إلى تثبيت الاستقلال الوطني في المجالين التقني والعسكري. وحرص أردوغان على إعادة تأويل شعاراتٍ تقليديةٍ من قبيل "جيش قوي، تركيا قوية"، كما يبين مراد يشيلتاش، ضمن رؤيةٍ أوسع تربط بين القوة العسكرية والاستقلال السياسي والنهضة الاقتصادية. ساهم الشعار في توحيد قطاعاتٍ واسعةٍ من المجتمع حول قيم الاعتماد على الذات وتعزيز الفخر بالقدرات التصنيعية الوطنية. غير أنه حوّل الصناعات الدفاعية أيضاً أداةً لفرز المواقف داخل المشهد السياسي، فصار الشعار يُقرأ إجماعاً تجاه المشروع الوطني الساعي للاستقلالية العسكرية، متجاوزاً بهذا الاستقطابات الحزبية.
طائرة بيرقدار المسيرة طراز تي بي 2 | ويكيمديا
طائرة بيرقدار المسيرة طراز تي بي 2 | ويكيمديا
انعكس الإجماع جلياً على مركزية الاستقلال العسكري في مواقف قيادات المعارضة الرئيسة. فقد أكد السياسي كمال كليتشدار أوغلو أثناء زيارته معرض تكنوفسيت سنة 2022، حين كان زعيماً لحزب الشعب الجمهوري المعارض، دعمه تطويرَ برنامج الطائرات المسيّرة، مشيراً إلى أن الاهتمام بهذه التقنية يسبق وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة. وقد زار أكرم إمام أوغلو، رئيس بلدية إسطنبول، سنة 2019 منشآت شركة بيكار والتقى مهندسيها، في إشارةٍ رمزيةٍ إلى تبنّي خطابٍ يدعم الصناعة الوطنية. كذلك صرّحت السياسية ميرال أكشِنَر، حين كانت زعيمة الحزب الجيّد المعارض، في لقاء مع قناة "خبر تورك" سنة 2022، أن برنامج المسيّرات يتجاوز السياسة. وقد أكدت أنه يندرج ضمن إطار المصلحة الوطنية العليا لا ضمن سجالٍ حزبيٍ ضيق.
وقد تحوّل تصاعُد الحسّ القومي المحيط بمشاريع الدفاع والشعور الجمعي بالفخر إلى محرّكٍ تعبويٍ يوجّه الموارد العامة والطاقات البشرية نحو دعم هذا القطاع، ويمنحه أولويةً متقدمةً في سلّم السياسات العامة. وهو ما يشير إليه يرى ديغدم صويالتين، الأستاذ في العلوم السياسية بجامعة أبردين البريطانية، وتولغا ديميريول، عميدة كلية الاقتصاد بجامعة ألتنباش التركية، في دراستهما "أنْيوجوَل ميدل باور أكتيفِزم آند ريجيم سرفايفَل" (النشاط غير الاعتيادي للقوة المتوسطة وبقاء النظام)، المنشورة سنة 2023. يقول الأكاديميان أن الاعتزاز بالتفوق التقني يسهم في إنتاج شرعيةٍ رمزيةٍ للنظام السياسي، إذ يُقدَّم النجاح الصناعي دليلاً على كفاءة القيادة وقدرتها على صون السيادة.
بهذا بدا أن ترسيخ مشروع الاستقلال العسكري خياراً طويل الأمد يقتضي تحويله من سياسةٍ حكوميةٍ إلى ثقافةٍ مجتمعيةٍ راسخة. فتبنّت الدولة التركية مقاربةً متعددة المستويات في التعليم والإعلام والفعاليات العامة، تهدف إلى غرس الوعي بالتقنية والدفاع في وجدان الأجيال الجديدة لتصبح مكوّناً من مكوّنات الهوية الوطنية الحديثة. فبرزت "المبادرة التقنية الوطنية" سنة 2018 إطاراً جامعاً لتنشئة جيلٍ تقنيٍ وطنيٍ تقوده جهاتٌ من بينها "وقف تي 3" الذي أسّسه ويترأسه سلجوق بايرقدار، رئيس شركة بايكار.
وأُنشئت في هذا السياق مراكز ومختبراتٌ تقنيةٌ في مختلف المدن، تُعنى بتطوير مهارات الشباب في مجالات العلوم والتقنية والهندسة والرياضيات. هذا إلى جانب تنظيم مسابقاتٍ ومخيماتٍ تدريبيةٍ واسعة النطاق يشارك فيها مئات الآلاف من الطلبة سنوياً لتصميم حلولٍ مبتكرةٍ تخدم احتياجات البلاد. وهذا بالتوازي مع تسخير الدولة التركية أدواتها الإعلامية والثقافية لصياغة سرديةٍ تربط الوطنية بدعم الصناعات الدفاعية. فقد أصبحت مشاريع التسليح المحلي تحظى بتغطيةٍ احتفاليةٍ في وسائل الإعلام المرئية والمكتوبة، فتُعرض مشاهد إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة مصحوبةً بخطابٍ يُمجّد كفاءة المهندسين وقدرات القوات المسلحة.
يمكن فهم مشروع الاستقلال العسكري التركي تعبيراً عن محاولة وصل الماضي بالحاضر لصياغة مستقبلٍ مختلف. فهو مسارٌ تشكَّل عبر تراكم خبراتٍ وتجارب عزّزت الحساسية التركية تجاه مسألة التبعية. وساهم المشروع في إعادة تشكيل العلاقة بين الدولة والمجتمع عبر سرديةٍ وطنيةٍ جديدةٍ، أقلّ عقائديةً وأكثر ارتباطاً بالإنجاز الملموس. فالتطوير الدفاعي بات حاضراً في الفضاء العام، إذ يلتقي حوله مواطنون من خلفياتٍ متنوعةٍ مشاركين في بيئةٍ تشجع على الربط بين الإبداع التقني والانتماء الوطني. وبهذا تشهد تركيا من خلال صعود النزعة التقنية إعادة تشكيلٍ لهويتها الوطنية، عنصراً مكملاً للتراب والتاريخ. وهو التحول في القومية الذي وصفه مراد يشيلتاش في مقالته بالهجين، ويتبوأ فيه الإنجاز التقني المحلي مكانة القلب، جنباً إلى جنب مع المقومات التقليدية للوطنية.
مع ذلك، يظلّ لهذا التحول وجهان. فمن جهةٍ، عزّز مشروع الاستقلال الدفاعي شعوراً عاماً بالثقة والقدرة، وخَلَقَ مساحةً مشتركةً يمكن أن تتقاطع فيها تياراتٌ مختلفة. ومن جهةٍ أخرى، ارتبط بصعود خطابٍ تقنيٍ قوميٍ يمنح السلطة هامشاً أوسع لتعزيز سرديتها السياسية. وبين هذين البعدين، يبقى المشروع مفتوحاً على احتمالاتٍ متعددة: هل سيواصل ترسيخ هويةٍ وطنيةٍ جامعةٍ تقوم على الابتكار والثقة بالقدرات الذاتية؟ أم سيُستخدم أساساً لتعزيز مركزية القرار تحت عنوان السيادة التقنية؟
