فرضت الطائرات المسيّرة نفسها على شكل الحروب الجديدة في العقد الأخير. وتحوّلت من أداة مناورة محدودةٍ في الماضي إلى ركيزةٍ إستراتيجيةٍ في الخطط العسكرية. فاستباحت الأجواءَ التي طالما احتكرتها الطائرات المتفوّقة باهظة التكلفة. وحسبُك شاهداً على هذا التحوّل إعلانُ أوكرانيا في فبراير 2024 عن تأسيس وحدةٍ مستقلةٍ للمسيّرات داخل جيشها النظاميّ. وما لبثَت أن تبعتها جيوشٌ أخرى، أبرزها الجيش الأمريكي الذي أطلق برامج تطوير مسيّراتٍ مقاومةٍ التشويشَ وأنظمةٍ دفاعيةٍ مضادّةٍ الأسرابَ تحسّباً لصراعاتٍ مستقبلية. وفي الشرق الأوسط شهد العقدان الأخيران انخراطاً واسعاً من تركيا وإيران وسوريا، بعد أن سبقتهم إسرائيل في هذا المضمار.
أخلَّ هذا التطوّر التقني بجملةٍ من المسلَّمات العسكرية القديمة. فكفّة التفوق التي كانت ترجّحها الدبابات الثقيلة وسلاح الجوّ والمدفعية بعيدة المدى لم تعد مضمونةً، بعدما أظهرت المسيّرات الانتحارية قدرتها على تحييد أهدافٍ عاليةِ الكلفة بأدواتٍ زهيدةِ الثمن. بات بإمكان طائرةٍ صغيرةٍ، لا تتجاوز قيمتها بضع مئاتٍ من الدولارات، أن تعطب دبابةً كلفتها ملايين. كل ذلك أجبر جيوش العالم على إعادة النظر في طرق التمويه والحماية الأرضية.
أصبحت المسيّرات في مقدّمة الأسلحة التي تتنافس الدول في حيازتها وتطويرها. انتشار المسيّرات الانتحارية زهيدة التكلفة فتَحَ المجالَ أمام فاعلين مسلّحين محدودي الموارد لفرض معادلاتٍ عسكريةٍ على الأرض تتجاوز قدراتهم. فأصبحت المسيّرات سلاحَ الجيوش الصغيرة، كالجماعات العسكرية غير النظامية في مواجهة جيوش الدول. وتمكّنت المسيّرات من رسم المعادلة العسكرية في عدّة صراعاتٍ، خاصةً في أوكرانيا وسوريا. فقد أصبحت عنوانَ الحرب الروسية الأوكرانية منذ سنة 2022. فيما ساهمت مسيّرات "شاهين" — التي ابتكرتها الفصائل الثورية — في إسقاط نظام الأسد في الثامن من ديسمبر 2024.
مع دخول الذكاء الاصطناعي صناعة المسيّرات الانتحارية والتطوّر السريع في تقنياتها، دخلَ العالمُ سباقَ تسلّحٍ مختلفٍ، باتت دولٌ نوويةٌ — مثل روسيا والصين وأمريكا — تنافس فيه. وُلد في السنوات الأخيرة "ذكاء صناعي قتالي" ينافس الذكاء البشري في صنع القرار داخل ساحة المعركة، ما يطرح أسئلةً أخلاقيةً وقانونيةً عن حدود السيطرة والمساءلة.
يمكن إرجاع أولى جذور فكرة السلاح الجوّي غير المأهول — أي الذي يُدار من دون وجودٍ بشريٍّ مباشرٍ — إلى منتصف القرن التاسع عشر، حين استخدم الجيش النمساوي سنة 1849 مناطيد غير مأهولةٍ محمّلةً بالمتفجرات لقصف مدينة البندقية الإيطالية (فينيسيا). ولكنّ بداية استعمال الطيران الآلي غير المأهول كانت في الحرب العالمية الأولى. حينئذٍ طوّر المهندس البريطاني آرتشيبالد لو طائرةَ "إيريال تارغيت" الموجّهة لاسلكياً للانقضاض على المناطيد الألمانية. ثمّ صنع المهندس الأمريكي تشارلز إف كيتيرينغ طائرة "حشرة كيتيرينغ" مبرمجةَ الوجهة، وفق كتاب الباحث البريطاني ديفيد هامبلينغ "سوورم تروبرز" (جنود السرب) المنشور سنة 2015. ويقول هامبلينغ إنها من النماذج المبكرة للطائرة الانتحارية ذاتية التوجيه.
شكّلت الحرب العالمية الأولى محطةً دفعت قوىً عسكريةً كبرى، مثل الولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا والاتحاد السوفييتي، إلى اختبار نماذج مبكرةٍ من الطائرات غير المأهولة، في إطار سباقٍ بحثيٍّ لاستثمار الطيران الآلي في المهامّ القتالية. وبين الحربين العالميتين، تطوّرت مشاريع مسيّرات الهدف "تارغت درونز" لأغراض التدريب في الجيوش، وأُدمج المذياع والتحكّم اللاسلكي في هذه المسيّرات. جاء ذلك في دراسة الباحث الروماني في أنظمة الطيران الجوي فاسيلي بريساكاريو المعنونة "ذا هيستوري أند ذي إيفوليوشن أوف يو آي في إس [. . .] " (تاريخ الطائرات دون طيار وتطوّرها [. . .] ) المنشورة سنة 2017.
شكّلت الحرب العالمية الأولى محطةً دفعت قوىً عسكريةً كبرى، مثل الولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا والاتحاد السوفييتي، إلى اختبار نماذج مبكرةٍ من الطائرات غير المأهولة، في إطار سباقٍ بحثيٍّ لاستثمار الطيران الآلي في المهامّ القتالية. وبين الحربين العالميتين، تطوّرت مشاريع مسيّرات الهدف "تارغت درونز" لأغراض التدريب في الجيوش، وأُدمج المذياع والتحكّم اللاسلكي في هذه المسيّرات. جاء ذلك في دراسة الباحث الروماني في أنظمة الطيران الجوي فاسيلي بريساكاريو المعنونة "ذا هيستوري أند ذي إيفوليوشن أوف يو آي في إس [. . .] " (تاريخ الطائرات دون طيار وتطوّرها [. . .] ) المنشورة سنة 2017.
أنتج البريطانيون سنة 1935 طائرات "كوين بي" (أميرة النحل) التي تُوجَّه عن بُعدٍ لأغراض التدريب العسكري. ويعدّها هامبلينغ نقطةَ تحوّلٍ في صناعة الطيران المسيّر، ومنها اشتُقّ مصطلح "درون" الذي يعني ذكر النحل بعد استلهامه من اسمها وصوت الطنين الرتيب الذي تصدره. وأصبح هذا المصطلح لاحقاً الاسم الأشيع في وصف الطائرات المسيّرة الحديثة. وعلى ما كان في تلك المحاولات من تقنيةٍ واعدةٍ، لكنها لم تُدمج عملياً في ساحات القتال بسبب محدودية التقنيات حينئذ.
صورة
توسّع الجيش الأمريكي في الاعتماد على الطائرات بدون طيارٍ في حرب فيتنام بين سنتَيْ 1964 و1972. فنفَّذ أكثر من ثلاثة آلافٍ وأربعمئة طلعةٍ استطلاعيةٍ غير مأهولةٍ، بهدف تجنّب الخسائر البشرية الناتجة عن إسقاط الطائرات المأهولة. فصارت حرب فيتنام محطةً مفصليةً في ترسيخ دور المسيّرات الاستخباراتي والعملياتي، وفق الكتاب المشترك بين مجموعة مؤلفين "هاندبوك أوف أنماند إيريال فيكلز" (دليل الطائرات دون طيار) المنشور سنة 2015. ويرى أستاذ العلاقات الدولية المتخصص في دراسات الأمن والمسيّرات، مايكل بويل، أن حرب فيتنام كانت أول اختبارٍ عمليٍّ لقدرات المسيّرات على جمع المعلومات دأباً في بيئاتٍ قتاليةٍ معقدة. ورد ذلك في كتابه "ذا درون إيدج" (عصر المسيّرات) المنشور سنة 2020.
عقب التبنّي الأمريكي، تسارعت وتيرة تبنّي الجيوش الأخرى هذه التقنية. وكانت إسرائيل أول دولةٍ تعتمد الطائرات المسيّرة لأغراضٍ تتجاوز الاستطلاع. فقد استخدمتها ضدّ الطيران السوري في حرب أكتوبر 1973، ثمّ في اجتياحها لبنان سنة 1982. في حرب 1973، اعتمد الجيش الإسرائيلي على أسرابٍ من طائرات الاستطلاع غير المأهولة لخداع منظومات الدفاع الجوي السورية واستدراجها لتشغيل راصداتها. وهذا ما أتاح تدمير بطاريات الصواريخ المضادّة للطائرات بدقةٍ عالية. كانت هذه المعركة أول دليلٍ عمليٍّ على دور الطائرات غير المأهولة الحاسم في عمليات قمع الدفاعات الجوية، وليس في الاستطلاع وحده.
أسهم اجتياح لبنان سنة 1982 في ترسيخ مكانة إسرائيل في مجال المسيّرات الحديثة في تلك المرحلة المبكرة. وفي كتابه "أنماند إيريال فيكلز [. . .]" (الطائرات دون طيّار [. . .]) المنشور سنة 2008، اعتبر المؤرخ العسكري الأمريكي ستيفن زالوغا أن هذه النماذج كانت الأساسَ العمليَّ لأولى استعمالات المسيّرات في بيئةٍ قتاليةٍ فعلية.
ومع تطوّر الحواسيب الدقيقة وأنظمة الملاحة الرقمية في الثمانينيات، رأت المسيّرات الصغيرة النورَ وكانت علامةً على تطوّرٍ في صناعة المسيّرات وقدراتها، حسب هامبلينغ.
مع حرب الخليج الثانية بين سنتَيْ 1990 و1991، ظهر دور المسيّرات الميداني في إدارة ساحة المعركة. إذ استخدمت القوات الأمريكية مسيّرات "بيونير" في مهمات الاستطلاع وتحديد الأهداف. ورسّخت حضور المسيّرات ضمن منظومات القيادة والسيطرة في الجيوش الحديثة، بعدما أثبتت قدرتها على توفير معلوماتٍ عملياتيةٍ مباشرةٍ للقيادة الميدانية.
المسيّرة الاستطلاعية الأمريكية من نموذج "آر كيو- 2 آي بيونير"
المسيّرة الاستطلاعية الأمريكية من نموذج "آر كيو- 2 آي بيونير"
في المقابل، بدأت إيران برنامجها لتصنيع المسيّرات منذ منتصف الثمانينيات، وفق كتاب الباحثَين العسكريَّين الأمريكيَّين مارتن كليبر وآنتوني إتش كوردسمان "إيرانز ميليتيري فورسز أند وورفايتينغ كيبابيليتيز" (القوات العسكرية الإيرانية وقدراتها القتالية) المنشور سنة 2020. ولكنّ التطوّر الأكبر في هذا البرنامج كان مع بدء الألفية الجديدة. يقول الكتاب إن طهران اعتمدت مزيجاً من الهندسة المحلية والاستفادة من التقنيات الإسرائيلية، وأسَّست جيلاً من المسيّرات، مثل "أبابيل" و"مهاجر" و"شاهد". وحيناً بعد حينٍ أسّس هذا البرنامج قاعدةً لتطوير مسيّراتٍ قتاليةٍ بعيدةِ المدى. وهو ما منح إيران أداةً منخفضةَ الكلفة ومرتفعةَ التأثير في النزاعات الممتدة من الخليج إلى العراق وسوريا.
فيديو مسيّرات "شاهد" الإيرانية
كانت الثورة الحقيقية مع الطائرات الرباعية التجارية "كوادكوبترز درونز". فهي طائراتٌ صغيرةٌ وغير مكلفة وسهلة الاستخدام ومتاحةٌ للجميع. بدأ استعمال هذه المسيّرات عسكرياً منذ سنة 2014 في حروبٍ، أبرزها أوكرانيا وغزة، وبدأ بذلك "عصر السرب". إذ أمكن استعمال أسرابٍ من المسيّرات الصغيرة ذات الكلفة البسيطة وبرمجتها جماعياً لتكون قوةً موازيةً الجيوشَ التقليدية، وفق أطروحة هامبلينغ.
ظهرت هنا فئةٌ جديدةٌ عُرفت بمسيّرات "إف. في. بي"، وهي اختصارٌ لعبارةٍ إنجليزيةٍ تُترجم للعربية إلى "منظور الشخص الأول". هذه المسيّرات طائراتٌ صغيرةٌ وسريعةٌ تُقاد عن بُعدٍ وتَبثّ مباشرةً لقائدها ما تراه كاميراتها. استُعملت تلك المسيّرات لإلقاء المتفجرات والعودة، ثم تطوّرت لتكون مسيّرةً انتحاريةً تنفذ ضرباتٍ دقيقةً ومدمّرةً على الدبابات والتحصينات العسكرية.
ظهرت محاولات تحويل الطيران إلى ذخائرَ موجّهةٍ أو انتحاريةٍ مبكراً، فقد صُمّم نموذج "حشرة كيتيرنغ" سنة 1918 ليحمل رأساً متفجراً وينقضّ على الهدف. شهدت الحرب العالمية الثانية برامجَ مشابهةً في أمريكا وألمانيا، أبرزها مشروع "أفروديت" الذي هدف إلى تحويل القاذفات القديمة إلى قنابلَ طائرةٍ تُوجَّه لاسلكياً نحو أهدافٍ حساسة. إلا أن محدودية أنظمة التوجيه في ذلك الوقت حدَّت من نجاح هذه التجارب.
مع نهاية الحرب الباردة، وُلد مفهوم المسيّرات الانتحارية الحديث. فقد طوّرت إسرائيل في أواخر الثمانينيات مسيّراتٍ من هذا النوع، أبرزها المسيّرة "هاربي" التي كانت أول منظومةٍ انتحاريةٍ من نوع "الذخائر المتسكعة"، أي المسيّرات القادرة على الطواف مدةً طويلةً نسبياً قبل الانقضاض على الهدف. صُمِّمت هاربي لتنفيذ مهمّاتِ إخمادِ الدفاعات الجوية المعادية، وامتازت بالقدرة على التحليق مدةً طويلةً والكشف عن إشارات الراصدات والانقضاض عليها ذاتياً. ولذلك سُمّيت هذه المسيّرات انتحاريةً لأنها تُدمّر هدفها بالاصطدام به وتفجير ذاتها، ما جعلها حلقةً وسطى بين الصواريخ الجوالة والطائرات دون طيارٍ التقليدية.
مع مطلع العقد الثالث من القرن الواحد والعشرين، أثبتت الحروب الإقليمية فعالية المسيّرات الانتحارية وجذبها جيوشَ العالم، خاصةً بعد بدء استعمال المسيّرات التجارية زهيدة الثمن في مهامّ انتحارية. فقد اعتمدت عشرات الدول على نماذج مختلفةٍ منها في ترساناتها بحلول 2021، بما فيها الولايات المتحدة وإسرائيل وتركيا وإيران وروسيا والصين ودول أوروبية عديدة. عدا عن لجوء دولٍ عديدةٍ إلى تكريس مكانة المسيّرات في جيوشها العسكرية. ومن أبرز الأمثلة، ما فعلته تركيا مع مسيّرات "بيرقدار" التي دخلت الخدمة الرسمية سنة 2014، وأصبحت من أهمّ دعامات الصناعة العسكرية التركية.
مسيّرة "بيرقدار" التركية، نموذج تي بي2
مسيّرة "بيرقدار" التركية، نموذج تي بي2
لم يقتصر الأمر على الجيوش النظامية، بل تبنّت جماعاتٌ مسلّحةٌ غير حكوميةٍ هذه التقنيات، مثل تنظيم الدولة الإسلامية "داعش" وحزب العمال الكردستاني وحزب الله اللبناني وهيئة تحرير الشام. وأدّى الانتشار الواسع لنماذج المسيّرات الانتحارية منخفضة التكلفة وعالية الدقة إلى إعادة رسم معادلاتِ التكلفة والفعالية في الحروب الحديثة، خصوصاً أن تكلفة وسائل اعتراضها تفوق كلفتها غالباً.
كان من أوائل من استعمل المسيّرات، من غير جيوش الدول النظامية، حزب الله اللبناني سنة 2006، حين استعمل "مسيّرات أبابيل" إيرانية الصنع في محاولات استهداف مواقع داخل العمق الإسرائيلي. ومع أن الدفاعات الإسرائيلية أسقطت تلك الطائرات، إلا أن التجربة شكّلت سابقةً في نقل هذه التقنية إلى جماعةٍ مسلّحة.
مسيّرات "أبابيل-5" الإيرانية
وفي العقد الأخير، شهدت مناطق الصراع في سوريا والعراق وأوكرانيا تطوراً نوعياً في استخدام المسيّرات الانتحارية من نوع "إف بي في". فقد لجأت تنظيماتٌ مثل داعش وبعض الفصائل السورية إلى تحويل الطائرات التجارية الصغيرة إلى مسيّراتٍ انتحاريةٍ بتزويدها بعبواتٍ ناسفةٍ موجَّهةٍ عن بُعد، وبرزت خاصة مسيّرات شركة "دي جي آي" الصينية. واعتمدت القوات الأوكرانية والروسية بكثافةٍ على طائرات "إف بي في" المعدَّلة، والتي أمكن إنتاجها محلياً بتكلفةٍ منخفضة. فتحوّلت إلى سلاحٍ رئيسٍ في حرب الاستنزاف الحديثة.
نموذج "مافيك-2" من شركة "دي جي آي" التي أطلقت سنة 2020
نموذج "مافيك-2" من شركة "دي جي آي" التي أطلقت سنة 2020
تعتمد فعالية المسيّرات الانتحارية على التطوّر المتسارع في أنظمة الملاحة والتوجيه والاستشعار. فقد انتقلت من التحكّم اللاسلكي البسيط إلى الملاحة الذاتية باستخدام أنظمة تحديد المواقع العالمية "جي بي إس" ووحدات القياس بالقصور الذاتي، ما منحها قدرةَ الطيران الدقيق نحو أهدافٍ بعيدة. ومكَّن دمج المستشعرات الكهروبصرية والحرارية من رفع مستوى الاستقلالية والقدرة على التتبع الذاتي. فيما أسهم إدخال تقنيات بث الفيديو اللحظي، أو ما يُعرف بمنظور الشخص الأول "إف بي في"، في تعزيز دقة الاستهداف. إذ بات بإمكان المشغّل متابعة الهدف بصرياً، واختيار لحظة الضربة المثلى.
ومع تطوّر الذكاء الاصطناعي، ظهرت نماذج قادرةٌ على التعرف على الأهداف والتمييز بينها دون تدخلٍ بشريٍّ، وحتى تنفيذ عمليات انقضاضٍ مستقلةٍ وفق خوارزمياتٍ مبرمجةٍ مسبقاً. وتتطور تجارب تطوير "سرب المسيّرات" التي تتعاون معاً عبر شبكاتٍ ذكيةٍ لتنفيذ هجماتٍ منسقةٍ يصعب التصدي لها بأنظمة الدفاع التقليدية.
تَرافق هذا التطوّر مع تقاطعٍ مهمٍّ بين تقنيتَين عسكريّتَين، زيادة دقّة الذخائر المستخدَمة، وصعود تقنيات الذكاء الاصطناعي في أنظمة التسيير. أسهمَ هذان الاتجاهان في رفع كفاءة المسيّرات التشغيلية وتغيير مسار العمليات عبر توفير منصاتٍ صغيرةٍ ذات قدرات مناورةٍ وتكلفةٍ منخفضةٍ مقارنةً بالطائرات التقليدية.
أصبحت المسيّرات الانتحارية خياراً منخفض التكلفة ومرتفع العائد العسكري، مقارنةً بالأسلحة التقليدية. فبعض النماذج، مثل "سويتشبليد 300"، لا تتجاوز كلفتها بضعة آلافٍ من الدولارات، في حين توازي قدرتُها التدميرية صواريخَ موجهةً بمئات الآلاف. وفي العقد الأخير، بات ممكناً تصنيع مسيّرةٍ انتحاريةٍ ببضع مئاتٍ من الدولارات فقط. وقد أظهرت التجارب الحديثة أن إطلاق أسرابٍ كبيرةٍ من هذه المسيّرات قادرٌ على إرباك الدفاعات الجوية باستهلاكٍ منخفضٍ للموارد.
تتميز هذه الأنظمة أيضاً بصغر حجمها وبَصْمتها الحرارية والرصدية المحدودة، ما يصعّب اكتشافها واعتراضها. وبفضل تصميمها البسيط وأحادية استخدامها، يمكن إنتاجها بكمياتٍ كبيرةٍ وتعديلها ميدانياً لتناسب طبيعة الأهداف.
لهذا أصبحت المسيّرات الانتحارية اليوم من أبرز أدوات الحرب غير المتكافئة. فهي تتيح للقوى الصغيرة والجماعات المسلحة امتلاك قدرةٍ هجوميةٍ نوعيةٍ بتكلفةٍ محدودةٍ، وتشكّل صدماتٍ من شأنها تعطيل التوازن القائم بلا رجعةٍ، للدول والجهات غير الحكومية أيضاً. وذلك وفق دراسة الباحثَين في دراسات مكافحة الإرهاب، دون راسل ويانيك فيلوكس لوبيج، "أون ذا هورايزون [. . .]" (في الأفق: الحرب الأوكرانية وتطور تهديد الإرهاب بالمسيّرات" المنشورة سنة 2025.
مع انتشار المسيّرات الانتحارية منخفضة التكلفة، المعتمِدة تقنيةَ منظور الشخص الأول "إف بي في"، تطوّرت المناورات الميدانية سريعاً. وخاصةً في الحرب الروسية الأوكرانية التي اندلعت بعد الغزو الروسي الأراضي الأوكرانية في فبراير 2022، وفي الحرب بين فصائل الثورة السورية ونظام الأسد وحلفائه منذ سنة 2023.
من أبرز هذه المناورات هجماتُ الأسراب، إذ تُطلَق أعدادٌ كبيرةٌ من الطائرات المسيّرة. إما دفعةً واحدةً أو في تتالٍ لإغراق منظومات دفاع الخصم. استعملت أوكرانيا هذه التقنية منذ سنة 2023 لاستهداف مواقع روسيةٍ، وهو ما عُدّ إنجازاً جديداً في ساحة المعركة. تهدف هذه التقنية إلى تشتيت قدرات الكشف والاستجابة لدى الخصم، ما يستنزف دفاعه في محاولات الاعتراض، في حين تصل بعض المسيّرات أهدافَها.
تبنّت القوات الأوكرانية إنشاء فرق مسيّراتٍ انتحاريةٍ متخصّصة. لم يعد مشغّلو المسيّرات جزءاً من وحدات المشاة الأمامية، بل نُظّموا في فرقٍ خاصةٍ تبعد عادةً عدّة كيلومتراتٍ عن الخطوط الأمامية، ما يوفّر لهم أمن المسافة ويقلّل التعرّض للنيران المباشرة. وتُنصَب هوائيات الإرسال على مرتفعاتٍ أو أبراجٍ لتوسيع مدى الاتصال وتثبيت السيطرة على الطائرات.
جندي أوكراني يمسك بيده مسيّرة انتحارية موجّهة بالألياف الضوئية، فبراير 2025.
طائرة مسيرة بيد جندي أوكراني
في سوريا أنشأت هيئة تحرير الشام قواتٍ خاصةً بالطائرات المسيّرة عُرفت بِاسم "كتائب شاهين"، كان لها دورٌ حاسمٌ في معركة ردع العدوان التي انتهت بسقوط نظام الأسد في الثامن من ديسمبر 2024. مكّن هذا التنظيم المستقلّ لسلاح المسيّرات الانتحارية الدعم لمختلف القطاعات على جبهة القتال، سواءً لتمهيد الاقتحام أو لصدّ هجماتٍ معاكسة.
استُعملت المسيّرات الانتحارية عنصراً نارياً تمهيدياً لتفكيك دفاعات الخصم الثابتة، قبل أيّ هجومٍ بريٍّ كبير. فقد أُسندت إلى هذه المسيّرات مهمّات تدمير نقاط المراقبة ومواقع المدفعية والدبابات على خطوط الجبهة، ما يقوّض قدرات الدفاع ويفتح مساراتِ تقدّم القوات البرية. وأظهرت تجارب ميدانيةٌ، مثل معركة ردع العدوان، أن هذه الضربات التمهيدية قد تحقق مفاجأةً ضدّ قواتٍ لم تكن مهيّأةً لمواجهة هذا المستوى من الدقة وإيقاع الضربات العالي.
بعد اختراق خطوط الدفاع، انتقل دور المسيّرات إلى مهمّات الرصد الدقيق والمطاردة. وفي هذه المرحلة استُخدمت منصات الاستطلاع لاكتشاف الأرتال المتحركة أو مواقع التجمع، ثم وُجّهت المسيّرات الانتحارية لضرب هذه الأهداف. أدّى هذا التكامل بين الاستطلاع القريب والاشتباك المباشر إلى تنفيذ ضرباتٍ فعالةٍ ضدّ أرتال التعزيزات ومراكز القيادة الميدانية، ما أثّر في توازن المعركة وسهّل تقدّم القوات المهاجمة.
إلى جانب ذلك برز تكتيك الكمائن، الذي يعتمد إخفاء مسيّراتٍ صغيرةٍ ثم إطلاقها فجأةً عند اقتراب الهدف، ما أحدث عنصر مباغتةٍ في ساحات العمليات، وأصبحت المناطق المفتوحة غير آمنةٍ للقوات التقليدية. وفي بعض الحالات استُخدم هذا الأسلوب لاستهداف المشاة المتحصنين في خنادق، أو الآليات المدرّعة عند تعرضها للانكشاف المؤقت.
في المرحلة التالية ظهرت محاولات دمج قدرات الحرب الإلكترونية مع المسيّرات، سواءً لتحسين الاستهداف بتحصيل معلوماتٍ استخباراتيةٍ، أو لاختراق شبكات الخصم واستعمالها. غيّرت هذه التطورات مفهوم المناورة العسكرية، إذ تحوّل الواقع الميداني إلى فضاءٍ ثلاثي الأبعاد أصبح فيه التحكم بالفضاء الجوي القريب عنصراً أساساً لنجاح الهجوم أو الدفاع. واستلزم هذا إعادةَ النظر في إجراءات الحركة والتغطية لدى القوات التقليدية، مع تحديث معدّات الكشف والاعتراض بما يتناسب مع التهديدات المتحركة والمتزامنة.
كان للحرب الأوكرانية الروسية دورٌ رئيسٌ في تطوّر استعمال المسيّرات الانتحارية وتقنياتها، وخاصةً مسيّرات "إف بي في"، التي غيّرت شكل الحروب الجديدة.
مع انطلاق الغزو الروسي الشامل في الأراضي الأوكرانية، واجهت القوّات الأوكرانية تفوقاً نارياً وتقنياً، فتبنّت حلولاً منخفضة التكلفة ومبتكرةً لتعويض نقص الإمدادات التقليدية، وبرزت المسيّرات الصغيرة المفخخة أداةً رئيسةً في ترسانة المقاومة الأوكرانية.
في المراحل الأولى استُخدمت طائراتٌ تجاريةٌ في مهمّات الاستطلاع وإلقاء العبوات. ثم تشكّلت فرق متطوعين وخبراء تقنيين لتعديل طائرات السباق وتحويلها إلى منظوماتٍ انتحارية. بحلول سنة 2023 أصبحت مسيّرات "إف بي في" أكثر الأنواع انتشاراً على الجبهات، متفوقةً في العدد والأثر اليومي على مسيّراتٍ عسكريةٍ أكبر حجماً. يرجع ذلك إلى كلفتها المنخفضة التي تصل أحياناً أقلّ من خمسمئة دولارٍ أمريكيٍ، مع قدرةٍ تدميريةٍ دقيقة. وفي بداية سنة 2024 بدأ التأطير المؤسسي لحرب المسيّرات، إذ أُعلن عن تشكيل وحداتٍ متخصصةٍ مستقلةٍ ضمن القوات المسلحة الأوكرانية تُعنى بالمسيرات والأنظمة غير المأهولة بشرياً، وامتدّ هذا إلى تغيير البنية الصناعية والإستراتيجية العسكرية.
تبلورت بنية تشغيلٍ شبكيةٌ للمسيّرات الانتحارية، بإمكانها غلق مسار الاستهداف العسكري (اكتشاف وتأكيد وضرب وتقييم نتائج) بسرعةٍ عالية. تبدأ العملية بوحدات استطلاعٍ بعيدة المدى تحدّد الهدف بصرياً وحرارياً وتنقل المواقع إلى قيادة العمليات، ثم تُدفَع مسيّراتٌ قصيرة المدى أو مسيّرات "إف بي في" للاشتباك النهائي مع الأهداف المتحركة أو المحمية، فيما تبقى المدفعية والصواريخ خياراً لضرب الأهداف الثابتة ذات الطاقة التفجيرية الأعلى. وتُستعاد المسيّرات الاستطلاعية بعد الضربة لتقييم الأثر وتحديث الأهداف. هذا التكامل بين منظومة الاستخبار والمراقبة والاستطلاع "أي إس آر" وبين الضربات الدقيقة قَلَّصَ فجوة القرار ورَفَعَ كفاءة النيران وجَعَلَ المسيّرات عقدةً تنفيذيةً داخل بيئةٍ شبكيةٍ لا مجرّد أداةٍ مساندة.
واجهت أوكرانيا ضائقةً في تأمين المكوّنات بسبب اعتمادها الكبير سلاسلَ إمدادٍ صينيةً، إذ تهيمن الصين على نحو 75 بالمئة من سوق المكوّنات العالمي. ومع تشديد القيود على صادرات بعض المكونات بدأت أوكرانيا نهضة تصنيعٍ محلّية.
بحلول سنة 2024 ظهرت عشرات الشركات الناشئة ومصانع صغيرةٌ لصناعة الدارات الإلكترونية ووحدات التحكم والكاميرات والهياكل والمحركات. وأصبحت أوكرانيا من أكبر منتجي مسيّراتِ "إف بي في" في العالم. ووفّرت بعض المصانع المحلية خطوط إنتاجٍ ضخمةً، إذ وصل معدل إنتاج بعض المصانع إلى نحو مئة ألف محرّك شهرياً في ديسمبر 2024. وطوّرت شركاتٌ محليةٌ مسيّراتٍ موجهةً بالألياف تستطيع بلوغ مدى عشرين إلى خمسين كيلومتراً. واعتمدت تقنيات الطباعة ثلاثية الأبعاد لتصنيع أجزاء الهيكل والألياف لضمان أعلى استغناءٍ ممكنٍ عن المورّدين الأجانب.
تراجعت نسبة الاعتماد على المكونات الصينية شيئاً فشيئاً لدى غالبية المصنعين الأوكران، وفق ما ذكر الصحفي الأوكراني كولين بوست في مقالٍ منشورٍ في صحيفة "ذا كييف إندبندنت" في أغسطس 2025. وأدّت الابتكارات المحلية إلى خفض الاعتماد على الوارد الأجنبي وتعزيز قدرات التجميع والإنتاج السريع للأنظمة غير المأهولة. وسرّع تبادل الخبرات انتشار تكتيكاتٍ جديدةٍ وتكيّفٍ سريعٍ في صناعة المسيّرات، وهو ما يجعل أوكرانيا مرجعاً لدراسة مستقبل صراعات المسيّرات والقدرة على دمجها في إستراتيجيات العمليات العسكرية.
اعتمد الجيش الأوكراني أثناء الحرب منظومةً واسعةً من الطائرات المسيّرة التي تغطي مجموعةً متنوعةً من المهمات الميدانية. وفي الخطوط الأمامية برزت المسيّرات الانتحارية (كاميكازي درونز). وهي مسيرات تُستخدم مرّةً واحدةً لحمل رأسٍ متفجرٍ يضرب الهدف، وتمتاز بدقّةٍ عاليةٍ وتكلفةٍ يسيرةٍ، ما جعلها مناسبةً لاستهداف الآليات المدرَّعة ومراكز القيادة. وإلى جانبها استُخدمت المسيّرة القاذفة "بمر درونز" التي تستطيع حمل قنابل صغيرةٍ أو ذخائر خفيفةٍ وإسقاطها على الأهداف الأرضية، مع إمكانية العودة بعد تنفيذ المهمة، ما جعلها فعالةً ضدّ خطوط الإمداد والمواقع الخلفية. أما المهمات المعلوماتية الدقيقة فقد تولّتها مسيّرات الاستخبار والمراقبة والاستطلاع "آي إس آر درونز" المخصّصة لجمع البيانات وتحديد الأهداف، وتوجيه المدفعية وتصحيح النيران.
وللتغلب على صعوبات الاتصال في العمق الميداني اعتمدت القوات على مسيّرات إعادة الإرسال "ريلاي درونز"، التي تعمل جسراً طائراً للاتصالات يوسّع نطاق التحكم ويعزز التنسيق التشغيلي. وفي المقابل، برزت مسيّرات التنّين "دراغون درونز" منصةً هجوميةً خفيفةً وسريعةً، وتُستخدم لاعتراض مسيّرات الخصم أو تنفيذ ضرباتٍ قصيرة المدى على أهدافٍ متحركة.
وفي البيئات التي يشكل فيها التشويش الإلكتروني تهديداً مباشراً، لجأت أوكرانيا إلى المسيّرات الموجّهة بالألياف الضوئية "درون ويذ فايبر أوبتيك"، مقابل مسافة تحكم أقصر. واستُخدمت المسيّرات الماسحة "سكانينغ درونز" المزودة بقدرات تصوير حراري ومسح دائري، ما منحها فعالية في مهمّات الكشف الليلي ورصد الكمائن. أما في عمليات الضربات المخططة فبرزت مسيّرات الذخائر المتسكعة (لويتَرِنغ ميوْنيشِنز درونز)، التي تُبقي موقعها ثابتاً أو تتحرك بنمط دوري قبل الانقضاض على الهدف عند مروره ضمن نطاق الاشتباك. وهي مناسبة لاستهداف قوافل الإمداد والدبابات في تكتيك "الضربة الأولى"، إذ تُستهدَف مقدمة القافلة ما يشلّ حركتها.
أحدثت المسيّرات الانتحارية انقلاباً في منطق عمليات المناورة وتكاليف الحرب المالية على الجبهة الأوكرانية. فمُسيّرات تقارب قيمتها بضع مئات من الدولارات، باتت تُحدث ضرراً مادياً ومعنوياً يوازي آثار منصات قتالية تقليدية باهظة الثمن. وهو ما دفع روسيا للاستجابة والتكيّف مع منطق الحرب الجديد.
استجابت روسيا سريعاً لحرب المسيّرات. ومع أنّ برنامج تصنيع المسيّرات لديها قديمٌ، إلّا أنها زادت معدلات إنتاجها سريعاً لمواكبة الحرب الأوكرانية. فقد طوّرت نسخاً حديثةً من مسيّراتها، وخاصةً حين أطلقت شركة "زالا" الروسية سنة 2023 نموذج "إزديلي- 53" من المسيّرة الانتحارية الروسية الأشهر "لانسيت". ويشير تقريرٌ في مجلة "فوربس أوكرانيا" نشر في نوفمبر 2023 إلى أن أوكرانيا تنتج خمسة آلاف مسيّرةٍ انتحاريةٍ من نوع "إف بي في" شهرياً، في حين تنتج روسيا ستة أضعاف هذا الرقم.
اتخذت القوات الروسية إجراءاتٍ تكيّفيةً آنيّةً، تضمنت تعزيز الحماية العلوية للدبابات ومركبات نقل الجنود لصدّ هجمات الانقضاض العمودي، وتوسيع استخدام التمويه والحماية البصرية والإلكترونية.
أظهرت هذه التعديلات الميدانية تغييراً هيكلياً في سلوك الوحدات، إذ نَحَتْ نحوَ إعداد دفاعٍ متعدد الطبقات، وإعادة تصميم مسارات الحركة الميدانية، وتنفيذ سياسات إدارة مخاطر تقلّل نقاط التعرض أمام تهديداتٍ منخفضة التكلفة وعالية الدقة.
تبلورت لدى الجانب الروسي منهجيةٌ مغايرةٌ في استعمال المسيّرات. إذ استخدم الروس مجموعةً واسعةً من المنصّات، من مسيّراتٍ انتحاريةٍ صغيرةٍ للاختراق التنظيمي إلى منصّاتٍ أكبر لضرب البنية التحتية وخطوط الإسناد في العمق. ووظَّفت هذه المنصّات ضمن هجماتٍ مركّبةٍ تجمع بين صواريخ موجهةٍ وقذائف مدفعيةٍ ومسيّراتٍ بهدف إضعاف أنظمة الدفاع وتعطيل شبكات الإسناد. لكنها واجهت عوائق التشويش الإلكتروني والاعتراض، فطوّرت حلولاً تعتمد التوصيل بالألياف الضوئية أو تشفير الاتصالات وتعديل نماذج الطيران لتقليل قابلية الرصد. ومنذ مارس 2023 بدأت نشر بندقيتها المضادة للمسيّرات "غاربيا" بين جنود المشاة، وهو سلاحٌ يستحوذ إلكترونياً على المسيّرة ويتحكّم بها.
وفق مقال الباحثَين في مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية بينيامين جينسين وياسر أتالان المنشور سنة 2025 "دون ساتوريشن [. . .]" (الإغراق بالمسيّرات: حملة شاهد الروسية)، سعت روسيا إلى بناء سلاسل توريدٍ محليةٍ وورش إنتاجٍ متوسطةٍ وصغيرةٍ لتصنيع محركات المسيّرات وقطع غيارها ووحدات التحكم فيها، ما ساعد على تزويد الجبهات دأباً وتخفيف الاعتماد على مصادر خارجيةٍ غير موثوقة. واعتمدت كثيراً على تجميع مكوّناتٍ صينيةٍ، وعلى مسيّرات "شاهد" الإيرانية وتطويرها، التي باتت تُصنع في روسيا بمكوّناتٍ صينيةٍ وغربية. وشنّت بها هجماتٍ ليليةً كثيفةً على الدفاعات الجوية الأوكرانية منذ سبتمبر 2024.
الأهم أن النهج الروسي أظهر حاجة الدول التي تمتلك السلاح النووي والترسانات العسكرية الكبرى إلى التكيف مع نمط حرب المسيّرات الجديد، وبيّن كيف يمكن لدولةٍ ذات بنيةٍ صناعيةٍ واسعةٍ أن تحوّل المسيّرات من أدواتٍ بسيطةٍ إلى عنصرٍ مؤثرٍ ضمن منظومة عملياتٍ عسكريةٍ معقدة.
كان لسباق المسيّرات الانتحارية في أوكرانيا تأثيرٌ في صناعتها ورواجها عالمياً، ولكنه وجد تأثيراً أكبر في سوريا، إذ أصبحت عنوان المرحلة التي سبقت سقوط النظام وحتى لحظات سقوطه.
مع السبق الأوكراني في انتشار المسيّرات الانتحارية الواسع، كانت سوريا واحدةً من أوائل المسارح التي شهدت ظهورها في القتال الفعلي.
ووفق تقرير منظمة باكس [منظمة هولندية غير حكومية لبناء السلام] "آ لابوراتوري أُفْ درون وورفير" (مختبر حرب المسيّرات) الصادر سنة 2022، كانت سوريا "مختبراً مثاليّاً" للمسيّرات في نظر روسيا. بدأت روسيا فور تدخّلها في سوريا منذ سبتمبر 2015 استعمال مسيّراتٍ استطلاعيةٍ وتجريب أنواعٍ أخرى من مسيّراتها القتالية الحديثة. ورُصدت مسيّراتٌ قتاليةٌ روسيةٌ من النوع الانتحاري أو القاذف منذ سنة 2019 فوق مناطق المعارضة في شمال غرب سوريا. وخاصةً نماذج الذخائر المتسكعة "لانسيت-3" و"كي واي بي".
في حين طوّرت إيران نماذج زوّدت بها حلفاءها، وخاصةً الحوثيين في اليمن، الذين أعلنوا عن إنتاج مسيّرات "قاصف" و"صمّاد". استعملوها منذ سنة 2016 في قصف أهدافٍ سعوديةٍ وإماراتيةٍ داخل اليمن، ثم في قصف أراضي السعودية والإمارات منذ سنة 2018. انتقل استعمال المسيّرات الانتحارية التجارية والأصغر إلى الجماعات المسلحة المدعومة من إيران في سوريا، التي نقلتها إلى قوات النظام السوري، وهي تشكّل غالبية المسيّرات التي استعملتها قوات النظام في العام الذي سبق سقوطه.
بدأت فصائل الثورة السورية محاولاتٍ مبكرةً لاستخدام الطائرات المسيّرة عسكرياً، إذ استُعملت مسيّراتٌ تجاريةٌ صغيرةٌ في البداية لأغراض الاستطلاع وتصحيح النيران.
غير أنّ أوّل استخدامٍ قتاليٍ موثّقٍ للمسيّرات كان في نهاية ديسمبر 2017، حين تعرّضت قاعدتا حميميم وطرطوس التابعتان القواتِ الروسية لهجومٍ بمسيّراتٍ ألقَت قنابل وانسحبت. أسفر ذلك الهجوم عن مقتل جنديَّين روسيَّين وإعطاب عدّة طائراتٍ حربية. وتكرّر المشهد بعد أيامٍ في 6 يناير 2018، حين أعلنت وزارة الدفاع الروسية عن إسقاط سبع مسيّراتٍ والسيطرة إلكترونياً على ستٍّ أخرى. ثمّ تكرّرت الهجمات في ذلك العام، دون أن تعلن أيّ جهةٍ عن مسؤوليتها.
ظلّ استعمال فصائل الثورة المسيّرات عسكرياً ضمن حدودٍ ضيقةٍ قبل سنة 2024. ففي سنة 2020 رُصدت طائراتٌ مُسيّرةٌ تقصف تجمعاتٍ لقوات النظام في مناطق بريف إدلب الشرقي ومنطقة سهل الغاب شمال غربي حماة.
في مارس 2020 وقّع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين اتفاق وقف إطلاق نارٍ في سوريا، ما أتاح مرحلة هدنةٍ في شمال غرب سوريا، وإن تخلّلتها هجماتٌ وتوتّراتٌ محدودة. استغلّت الفصائل في شمال غرب سوريا الهدنةَ للعمل على تطوير تصنيع المسيّرات وتكثيف تدريب عناصرها على استعمالها تحسّباً لانهيار الهدنة وهجومٍ برّيٍ واسعٍ قد تشنّه قوات النظام.
تواصلَت جهود تطوير منظومة المسيّرات سنة 2023. واستعملت "هيئة تحرير الشام" مسيّراتٍ انتحاريةً هجوميةً في بعض الاشتباكات المحدودة. واعتبر المسؤولون الروس أن ثمّة جهةً خارجيةً تدعم الفصائل فتزوّدها بهذه التقنية وتدرّبها على استخدامها، متّهمةً بذلك أوكرانيا. وبحلول نهاية العام أضحت المسيّرات إحدى ركائز الفصائل للتسليح والتدريب، خاصةً في إدلب، سواءً لأغراض الاستطلاع أو الهجمات المحدودة، ما مهّد الطريق لاستخدامها المتقدم والواسع لاحقاً.
لعلّ التطور الأكبر في صناعة المسيّرات الانتحارية حصل سنة 2024، خاصةً لدى هيئة تحرير الشام وفق ما أظهرَتْه في معركة ردع العدوان. لكن محاولات تطوير هذه التقنية والمِراس فيها ظهرت لدى الفصائل الأخرى أيضاً. ففي أغسطس 2024، ظهرت مشاهد لتدريب فرقة السلطان مراد – إحدى تشكيلات الجيش الوطني السوري المدعوم من تركيا – على استخدام المسيّرات الانتحارية.
ومع أن تأثير هذه المسيّرات بدا محدوداً في الاشتباكات ضدّ قوات النظام وقوات سوريا الديمقراطية خلال سنة 2024، إلّا أن نتائج الجهد السرّي لتطويرها فاجأت قوات النظام بعد ذلك.
في شمال سوريا وشرقها، كان الصراع بين تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) مثالاً نادراً على تحوّل الصراع إلى ساحة اختبارٍ لحرب المسيّرات بين طرفين غير حكوميين. يؤكد تقرير منظمة باكس أنّ داعش منذ إعلان الخلافة سنة 2014، تبنّى المسيّرات التجارية سريعاً من أجل الاستطلاع والهجوم على سواء. استخدم التنظيم طرازاتٍ جاهزةً مثل "فانتوم" و"سكاي هنتر" و"تالون" في مدن الرقة وعين العرب (كوباني) ودير الزور، موجّهاً هجماتها ضدّ نظام الأسد وروسيا وقسد.
وفي العراق استعمل تنظيم داعش المسيّرات لمراقبة وحدات البيشمركة، القوات الكردية، في شمال العراق منذ مايو 2015، ثم بدأ استخدامها في إسقاط قنابل على البيشمركة في ديسمبر من العام نفسه، وفق تقرير الباحثيَن في الدراسات الأمنية يانيك فيليو ليباج وإميل أرشامبولت "آ كومباراتيف ستادي أو نَنْ ستيت فيولَنت درون [. . .] " (دراسة مقارنة لاستعمال المسيّرات في عنف الفاعلين من غير الدول في الشرق الأوسط) المنشور سنة 2022.
بدأ تنظيم داعش أواخر 2016 إضافة أجهزةٍ بسيطةٍ لتحويل المسيّرات إلى منصّاتٍ لإلقاء العبوات الناسفة. وبلغ ذروته في ربيع 2017 عندما نفّذ عدداً يتراوح بين ستّين هجمةً ومئة هجمةٍ بالمسيّرات يومياً في كلٍّ من سوريا والعراق، استهدفت مخازن الذخيرة والبنية التحتية، وفق تقرير باكس.
في المقابل اعتمدت قسد التي تقودها "وحدات حماية الشعب" الكردية، مسيّراتٍ تجاريةً صغيرةً معدّلةً لأغراض الاستطلاع، بسبب ضعف قدراتها الدفاعية وافتقادها المدرَّعات. تأثرت قسد باستعمال داعش والجيش التركي المسيّرات في قصف مواقعها في سوريا، وقصف حزب العمال الكردستاني "بي كي كي" في العراق وتركيا. فاستعملت مسيّرات داعش التي أسقطتها وطوّرت برنامجها الخاص.
وتذكر دراسة فيليو-ليباج وأرشامبولت أن أولى الإشارات إلى هذا البرنامج تعود إلى مارس 2015، حين نشر داعش صوراً لطائرة استطلاعٍ أسقطها. ولكن محاولة تسليح المسيّرات الكردية لم تبدأ قبل أكتوبر 2016، إذ أسقطت القوات التركية مسيّرةً رباعيةً حاولت إلقاء قنبلةٍ على القوات التركية. ويذكر تقرير باكس وجود متطوعين أجانب عاونوا قسد في تطوير برنامجٍ بسيطٍ للمسيّرات الرباعية "كواد كوبترز" منذ 2016.
لم يواكب هذا البرنامج طابع الحرب الهجومية التي تبنّاها داعش، أو تطوّر المسيّرات لدى فصائل المعارضة السورية. فقد أشارت حالاتٌ قليلةٌ إلى محاولة قسد تسليح مسيّرات "تالون" لاستهداف قوات الجيش الوطني السوري المدعوم تركيّاً أو مواقع داعش، ولكن النتائج كانت محدودة.
مسيّرات "إكس- يو آي في تالون برو" التجارية
أتت نقطة التحول لنظام الأسد مع تصاعد الدعم التقني الروسي والإيراني لقوات النظام في 2023، مستندةً فيما يبدو إلى الدروس المستقاة من حرب أوكرانيا. وأظهرت موادّ إعلاميةٌ سنة 2024 خبراء روسيين يدرّبون عناصر النظام على تشغيل مسيّرات "إف بي في"، وعلى استعمال بندقية "غاربيا" المضادّة المسيّرات.
وفي سنة 2023 التي سبقت سقوط نظام الأسد، ظهرت دلائل علنيةٌ على استخدام قوات النظام مسيّرات "إف بي في" ضدّ مواقع المعارضة في شمال غرب سوريا. فقد سجّلت فرق الدفاع المدني السوري في شهرَي نوفمبر وديسمبر 2024 ما لا يقلّ عن ثلاثة عشر هجوماً بهذه المسيّرات الانتحارية، استهدفت أفراداً ومركباتٍ ومرافق مدنيةً، منها حقولٌ زراعيةٌ وسدودٌ في ريف حماة. وأطلقتها تشكيلاتٌ أبرزها الفرقة 25 من القوات الخاصة، ووحداتٌ من الحرس الجمهوري تحت إشراف خبراء روسٍ وإيرانيين.
استهدفت هذه المسيّرات المدنيين بمنهجيةٍ مطّردةٍ بثّاً الذعرَ وكسراً الحاضنةَ الشعبية في مناطق المعارضة. ومع مطلع 2024 ارتفعت وتيرة استهداف المدنيين، إذ رُصد استهداف مزارعين وعمال. على سبيل المثال، في مارس 2024 قُتل المزارع علي بركات عندما أصابته مسيّرةٌ انتحاريةٌ في أثناء عمله على جرّاره الزراعي في ريف حلب الغربي. وذكر الدفاع المدني السوري أن هذه الهجمات أفضَت إلى موجات نزوحٍ بين الأهالي، وخلّفت تأثيراً مباشراً على مصدر رزقهم.
ضباط روس يدرّبون قوات النظام السوري السابق على استعمال المسيرات الانتحارية وبندقية "غاربيا" المضادة للمسيّرات
استخدم النظام السوري والجماعات المسلحة الحليفة له طيفاً واسعاً من المسيّرات. بدأت باستعمال نماذج تجاريةٍ صينيةٍ عُدّلت إلى مسيّراتٍ انتحاريةٍ بحمولاتِ متفجراتٍ خفيفة. ثمّ استعملت طائراتٍ روسيةً أكثر تطوراً ذات قدراتٍ تدميريةٍ أكبر. ومكّن هذا التنوع النظامَ من تنفيذ ضرباتٍ مختلفةٍ، منها السريعة الدقيقة ضدّ الأفراد والعربات باستخدام الطائرات الصغيرة، والتدميرية الواسعة ضدّ البنى التحتية، واستُخدِمت فيها المسيّرات الروسية الأكبر حجماً.
اعتمد النظام نهجاً تصاعدياً في استعمال المسيّرات الانتحارية منذ أغسطس 2024 حتى بدء معركة ردع العدوان في أواخر نوفمبر. ففي يوليو أُطلقت 84 مسيّرةً معظمها موجّهٌ نحو البنية التحتية المدنية، وأدّت إلى أضرارٍ جسيمةٍ في المنازل والمركبات. وفي أغسطس انخفضت الهجمات إلى خمسين عمليةً، ولكن ازدادت دقّة الإصابة. أمّا في سبتمبر، فقد شهدت الهجمات تحولاً نوعياً، إذ أُطلقت أربعون مسيّرةً انتحاريةً في أسبوعين فقط، وُجّه 30 بالمئة منها نحو مواقع الفصائل العسكرية، والباقي على أهدافٍ مدنية.
أظهرت الهجمات الأخيرة انتقال العمليات من نمطٍ عشوائيٍ إلى ضرباتٍ دقيقةٍ، وإنْ تَراجع عددُها. ولم تحتكم هذه الهجمات لضروراتٍ عسكريةٍ، كاستهداف سيارات نقل خبزٍ أو فلاحين في أرضهم، بقدر ما هدفت إلى تكريس حالة التهديد وعدم الاستقرار للمدنيين في مناطق سيطرة المعارضة.
وفي حين استعمل النظام المسيّراتِ الانتحاريةَ من أجل بثّ الرعب بين المدنيين وإثبات استمرار التوتر في خطوط التماسّ، كانت الفصائل على الجهة المقابلة تعدّ المسيّرات لتكون سلاحاً يقلب المعادلة العسكرية بالكامل، بل يقلب النظام نفسه.
استوى مشروع المسيّرات الانتحارية على سوقه مع انطلاق معركة ردع العدوان في السابع والعشرين من نوفمبر 2024، إذ أعلنت هيئة تحرير الشام التي قادت المعركة عن تشكيل "كتائب شاهين" المتخصصة في المسيّرات الانتحارية، وأطلقت نسختها المصنّعة محلّياً من مسيّرات "إف بي في" التي حققت نتائج حاسمةً في المعركة.
اعتمدت الهيئة تكتيك النيران التمهيدية المكثفة، باستخدام أسرابٍ من مسيّرات "إف بي في" تحمل رؤوساً متفجرةً مضادّةً الدروعَ، لتدمير الدبابات والمدفعية ومراكز القيادة. ودمجت الهيئة بين المسيّرات الانتحارية قصيرة المدى وصواريخ جوّالةٍ محلّية التصنيع سمّتها "زُؤام"، لضرب أهدافٍ عسكريةٍ حيوية. واكتنفها جهدٌ استخباراتيٌ واضحٌ في الكشف عن مواقع الاجتماعات وغرف العمليات واستهداف كبار الضباط. واستَعملَت مسيّرات استطلاعٍ صغيرةً لتحرّي نتائج الضربات وتوثيقها لتقويم الأداء والدعاية الحربية.
عُهدَت إلى وحدة شاهين مهماتٌ هجوميةٌ واستطلاعيةٌ ودعائيةٌ ضمن خطط الهيئة العملياتية. وتحوّلت مهمة المسيّرات من أدواتٍ استطلاعيةٍ محدودةٍ إلى ذخائر انتحاريةٍ ومنصّات هجومٍ منظّم. إذ استُخدمت أسرابٌ من المسيّرات لضرب نقاط تجمّعٍ ووحدات دعمٍ ومراكز اتصالاتٍ ومواقع إطلاق نارٍ، ما أسفر عن شلّ قدرة الخصم على التنسيق والردّ في الساعات الحرجة التي سبقت التقدم البرّي، وخَلَقَ نافذةً زمنيةً مكنّت المهاجمين من التقدّم بسرعةٍ مقارنةً بالعمليات التقليدية.
قلّص نجاح مسيّرات شاهين فعاليةَ النيران المضادّة، وغيّر مواقع خصومها إلى تمركزاتٍ متناثرةٍ أقلّ فاعلية. وفي الوقت نفسه جمعت وحدات المسيّرات الصغيرة معلوماتٍ ميدانيةً حيّةً، وصورت نتائج الضربات لتزويد غرف العمليات بموادّ مرئيةٍ ساعدت على تعديل خطط التقدم. وكان لهذا البعد الدعائي دورٌ في تعزيز معنويات المقاتلين وترويج الانتصارات أمام الجمهور المحلي والخارجي.
دمجت مصادر هذا التطور التعديلَ التقني المحلّي والاستفادةَ من تجارب الحرب الروسية الأوكرانية، مع وجود قنوات تمويلٍ أو دعمٍ تقنيٍ أتاحت تصنيع أعدادٍ أكبر من المسيّرات وقطع غيارها. وأشارت عدّة تقارير إلى دورٍ استشاريٍ أوكرانيٍ مباشرٍ في تطوير مسيّرات شاهين، ولكن دون تأكيدٍ رسميٍ سوري.
قابلت الفراتس ضابطاً سورياً كان ضمن فريق تطوير مسيّرات شاهين واستخدامها خلال معركة ردع العدوان.
قال لنا الضابط الذي فضّل عدم الكشف عن اسمه، إن محاولات استعمال المسيّرات بدأت منذ سنوات الثورة الأولى، عبر محاولاتٍ بدائيةٍ لتجميع طائراتٍ صغيرةٍ بدون طيارٍ لأغراض الاستطلاع وتصوير خطوط التماسّ، باستخدام مكوّناتٍ تجاريةٍ متوفرةٍ في السوق ومحاولة تكييفها مع ظروف القتال. يوضح لنا الضابط أن سلاح الطيران الحربي لدى نظام الأسد عانى من ثغراتٍ عجّلت بدء التدخل الروسي في نهاية سبتمبر 2015. دفع هذا الإدراك إلى التفكير بالمسيّرات باعتبارها "سلاح الفقراء الجوّي".
بحسب المقاتل في معركة ردع العدوان، دفع نجاح المسيّرات في مهمات الاستطلاع وانخفاض كلفتها القيادةَ العسكرية إلى التفكير بتحويلها إلى سلاحٍ هجومي منظّم. فتبلورت فكرة إنشاء كتائب شاهين، وكان مشروعاً محلّياً بالكامل، وفق الضابط. إذ اعتمد فريق التطوير كفاءاتٍ من أبناء المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، بينهم مهندسون وفنّيون وطلاب جامعاتٍ، عملوا في ورشٍ عسكريةٍ سرّيةٍ، وراكموا خبرةً عمليةً في تصميم الهياكل وضبط مراكز الثقل واختيار المحركات وتجربة أنظمة التوجيه والتحكم. واستفاد هذا الجهد المحلّي من استشاراتٍ خارجيةٍ تقنيةٍ غير مباشرةٍ، ومن الاطلاع على خبرات حروبٍ أخرى استُخدمت فيها المسيّرات بكثافةٍ، وفق الضابط. ولكن هذا الدور اقتصر على الاستشارات ومكوّناتٍ محدّدةٍ، في حين صُنعت وجُمعت داخل سوريا.
تنقسم عائلة المسيّرات الانتحارية المطوّرة السورية إلى ثلاث فئاتٍ رئيسةٍ، وفق شرح الضابط. الأولى المسيّرات المجنّحة للاستطلاع والهجوم الخفيف، وهي طائراتٌ ثابتة الجناح تعمل بالوقود أو بمحركاتٍ كهربائيةٍ قويةٍ نسبياً، ومتوسطة مدى الطيران، تُطلَق من منصّاتٍ بسيطةٍ أو حتى باليد في بعض الحالات. زُوّدت هذه المسيّرات بكاميراتٍ تبثّ صورةً مباشرةً إلى غرفة العمليات، وتعتمد أنظمة ملاحةٍ مبرمجةً مسبقاً. ويمكن تزويدها برؤوسٍ حربيةٍ خفيفةٍ تُحوّلها إلى مسيّراتٍ انتحاريةٍ، أو بحوامل قنابل صغيرةٍ تُلقى على الهدف قبل أن تعود الطائرة.
الفئة الثانية المسيّرات المجنّحة الثقيلة بعيدة المدى، وهي أقرب إلى الصواريخ المجنّحة. تمتاز بهياكل أكبر ومسافةٍ واسعةٍ بين الجناحين، ويمكنها حمل رؤوسٍ متفجرةٍ بوزنٍ كبير. صُمّمت هذه المسيّرات لضرب أهدافٍ إستراتيجيةٍ في العمق، مثل مستودعات الذخيرة أو مراكز قيادةٍ أو منشآتٍ حيوية. ويُبرمَج مسارُها مسبقاً مع إمكانية التصحيح حتى مرحلة الاقتراب النهائي من الهدف.
أما الفئة الثالثة فهي الطائرات الرباعية (الكوادكوبتر) والمسيّرات الانتحارية قصيرة المدى. وتعتمد أساساً هياكل شبيهةً بالمسيّرات التجارية رباعية المراوح، ولكن بعد تعديلها وتوسيع حمولتها. استُعملت هذه المسيّرات للاستطلاع فوق خطوط التماسّ، ولإسقاط قنابل صغيرةٍ على المواقع الأمامية. ومن هذه الفئة طُوّرت مسيّرات "إف بي في" يقودها المشغّل بصرياً حتى لحظة الاصطدام، ما يحقق دقةً عاليةً ضدّ الدبابات والعربات والتحصينات في الخطوط الأمامية.
كان هدف إدخال سلاح شاهين في معركة ردع العدوان أن يكون عنصرَ مفاجأةٍ يقلب الحسابات. وقال لنا الضابط إنه استهدف أساساً تعطيل قدرات النظام الهجومية باستهداف منصّات المدفعية وراجمات الصواريخ ومواقع إطلاق المسيّرات. أيضاً هدف شاهين لإضعاف عمق النظام العملياتي بضرب مستودعات الذخيرة ومراكز القيادة وخطوط الإمداد قبل أن تتمكن من تعزيز الجبهات، وتحييد التفوق الجوّي عبر تدمير وسائل الإسناد الجوّي القريبة وإجبار النظام على تقليل حركته الجوية في ظلّ تهديد المسيّرات بالسماء. وكان الهدف النفسي خلق الصدمة، إذ لم تعُد الفصائل مقيّدةً بالدفاع البرّي، بل باتت حاضرةً في السماء وقادرةً على الوصول إلى أيّ هدفٍ تقريباً داخل نطاق العمليات.
شرح لنا الضابط إنجازات سلاح المسيّرات في ساحة المعركة. ففي مرحلة ما قبل الهجوم، نفّذت المسيّرات الاستطلاعية طلعاتٍ مكثفةً على امتداد الجبهات المستهدفة لتحديد الأهداف ورسم خارطة انتشار قوات النظام وتحديث الأولويات يومياً.
ثم مع بدء التمهيد الناري والتقدم البرّي، دخلت المسيّرات الهجومية والانتحارية حيّز التنفيذ، إذ استُخدمت المسيّرات الانتحارية قصيرة المدى لضرب الدبابات والعربات في الخطوط الأمامية، ما رفع نسبة الإصابة إلى مستوياتٍ لم يُتَح بلوغها بالوسائل التقليدية. واستهدفت المسيّرات المجنحة بعيدة المدى مراكز القيادة ومستودعات الذخيرة في العمق، ما تسبّب بشللٍ مؤقتٍ في منظومة القيادة والسيطرة لدى النظام على أكثر من محور.
إلى جانب ذلك، استُعملت المسيّرات لتحقيق أثرٍ نفسيٍ وإعلاميٍ، عبر التحليق على ارتفاعاتٍ منخفضةٍ فوق تجمعات قوات النظام أو فوق بعض المدن التي كانت خاضعةً لسيطرته، وإلقاء منشوراتٍ تحمل رسائل تدعو الجنود إلى تجنّب القتال أو الانشقاق. لم يكن لهذا أثرٌ عسكريٌ مباشرٌ بقدر ما هدف إلى تقويض ثقة الجندي بقيادته وإشعاره أن السماء لم تعُد حكراً على طيران النظام.
بهذه الطريقة تحوّل سلاح شاهين إلى شبكةٍ تغطي كامل دورة العمليات، من جمع المعلومات، إلى تنفيذ الضربات الجراحية، حتى التأثير على معنويات الخصم. ما خلق بيئةً ميدانيةً مهيّأةً أكثر لنجاح الهجوم البرّي بتكلفةٍ أقلّ.
كانت مسيّرات وحدة شاهين من العوامل الحاسمة التي سرّعت انهيار خطوط النظام. فوفق شرح الضابط، أُخرج عددٌ كبيرٌ من الأهداف من المعركة بضرباتٍ دقيقةٍ، كانت تحتاج أياماً أو أشهراً من القتال البرّي العنيف. وبعد أن ضُربت مراكز القيادة في العمق فقدت الوحدات المتقدمة قدرتها على التنسيق، فيما أدّى تدمير مستودعات الذخيرة وبعض وسائل النقل الثقيلة إلى إرباك الإمداد والانسحاب.
ساعد هذا السلاح على تحقيق تكافؤٍ في السيطرة الجوّية، مع غياب طيرانٍ حربيٍ تقليدي. أصبح بإمكان الفصائل مراقبة ساحة المعركة من الأعلى، وتوجيه النار بدقّةٍ، وإغلاق بعض محاور الخصم النارية باستهداف مصادرها مباشرة. لم يكن هذا التكتيك متاحاً في المعارك السابقة، إذ كان الجوّ دائماً في صالح النظام.
مع هذا الإنجاز إلا أن المنظومة عانت تحدّياتٍ، منها إصابة الأهداف سريعة الحركة. عدا أن الطبيعة الانتحارية تعني استهلاكاً مستمراً للمنصّات يتطلب وتيرة تصنيعٍ عالية. كذلك فإن الطائرات الصغيرة تبقى محدودة الحمولة والمدى.
كان تأثير مسيّرات وحدة شاهين أبعد من مجرد عدد الأهداف المدمّرة، إذ طال بنية الخصم العملياتية ومعنوياته معاً، وكان عنواناً حاسماً في أحد أهمّ أحداث تاريخ سوريا.
ومع هذا التأثير العسكري الذي فرضته المسيّرات الانتحارية وغيّر شكل الحروب الحديثة، إلا أنه يطرح أسئلةً أخلاقيةً وقانونيةً جديدةً في عالم الحروب.
تغيّرت قواعد الاشتباك التقليدية مع دقة الاستهداف العالية للمسيّرات، وسهولة الحصول على هذه التقنية من أطرافٍ نظاميةٍ وغير نظاميةٍ، ما يفتح أفقاً أسهل للقتل.
في مقالٍ منشورٍ سنة 2013 عن عمليات اغتيالٍ نفذتها أمريكا عبر المسيّرات في باكستان واليمن، يقول أستاذ الفلسفة الأخلاقية والسياسية الأمريكي مايكل وولزر إن "القتل المستهدف في حروب الإرهاب" يخضع مبدئياً للضوابط الأخلاقية المألوفة التي تحكم استخدام القوة، وإن هذه الضوابط يجب أن تظلّ ساريةً حتى عند استخدام المسيّرات. غير أنه يحذّر من أن سهولة استخدام هذا السلاح وغياب المخاطر العسكرية المباشرة التي يتعرض لها الطرف المُهاجِم تمنحه جاذبيةً خاصةً تدفع صانعي القرار إلى توسيع نطاق استخدامه وإرخاء القيود التي تضبط اللجوء إليه. ويرى وولزر أن خفض عتبة استخدام القوة عن بعدٍ يهدّد أسس نظرية الحرب العادلة، ويجعل ربطَ قرار شنّ الضربات بسلطةٍ ديمقراطيةٍ فعّالةٍ وآليّات رقابةٍ عامةٍ ضرورةً تضمن عدم الانزلاق إلى الاستخدام الاعتباطي أو المفرط.
يطرح الضابط الأمريكي السابق والباحث في الدراسات الأمنية بول شار، في كتابه "آرمي أوف نَنْ" (جيش لا أحد) المنشور سنة 2018 سؤالاً عن العواقب الأخلاقية والقانونية إذا امتلكت الآلة القدرةَ على اختيار الأهداف وتدميرها دون توجيهٍ بشريٍّ مباشر. ويعتبر شار أن التحوّل نحو تفويض قرار القتل للآلات يمثل أحد أكبر التحديات الجديدة في القانون والأخلاق العسكرية. إذ يعرّف الأسلحة المستقلة أنها الأنظمة القادرة على إتمام "دورة الاشتباك" ذاتياً (من البحث عن الهدف واتخاذ قرار مهاجمته وتنفيذ العملية). يمكن لهذا التطور التقني أن يغيّر موقع مسؤولية اتخاذ القرار، ويقلّص الخضوع لأنماط المساءلة التقليدية، إذ تستطيع الأسلحة الآليّة أن تتحمل أخطاراً أكبر، بما في ذلك تنفيذ مهماتٍ انتحاريةٍ، من دون تعريض أرواح الجنود المشاركين في القتال للخطر المباشر.
يسهم انخفاض تكاليف المسيّرات مادياً وسياسياً في خفض تكلفة خوض الأعمال القتالية، ويُضعف في المقابل عوامل الردع التقليدية التي كانت تفرضها احتمالات الخسائر البشرية. وقد أُطلق على هذه النمطية توصيف "الحروب بلا مخاطرة"، إذ تميل كفّة المخاطرة إلى جهةٍ واحدةٍ تقريباً، وهو ما يجعل قرار الدخول في القتال أقلّ حساسيةً من ناحية الخسائر.
يقول وولزر إن اختيار أسلحةٍ دقيقةٍ على حدته يعكس رفضاً للقتل العشوائي وحرصاً على تقليل الضرر بالمدنيين قدر الإمكان. غير أن سهولة الإرسال عن بعد، والتطبيع التدريجي مع الضربات المسيّرة، دفعا بعض الدول إلى ترسيخ إستراتيجياتٍ قتاليةٍ جديدةٍ من دون نقاشٍ عامٍّ واسع. أثار هذا مطالباتٍ بإخضاع قرار خوض الحروب عبر المسيّرات لمساراتٍ تشاوريةٍ أوسع، أو حتى لاستفتاءاتٍ وطنيةٍ في بعض الحالات، نظراً لما يترتب عليه من آثارٍ طويلة الأمد على بنية النزاع وعلى المجتمع المدني، وفق ما ناقشته الباحثة القانونية الهندية سوريا سيمران فوداتو في مقالها "إي آي إنيبلد درونز [. . .]" (الطائرات المسيّرة بالذكاء الصناعي) المنشور سنة 2025.
ولكن تطرح المسيّرات معضلات جديدة حول المسؤولية القانونية عن الهجمات وعمليات القتل.
مع تقدّم تقنيات التعلم الآلي والذكاء الاصطناعي، وظهور أنظمة الإدراك واتخاذ القرار الذاتي في المسيّرات الحديثة، تميل النقاشات الحديثة إلى التركيز على سؤال القبول أو الرفض أن تتخذ الآلات قرارات القتل ذاتياً.
يطرح هذا إشكالياتٍ تتعلق بقاعدة التمييز في القانون الدولي الإنساني، أي تمييز الأهداف المدنية عن العسكرية. إذ قد تفتقر الأنظمة الذكية ذاتية القرار إلى "الإدراك السياقي" اللازم لتحديد هوية الأشخاص، ما يرفع احتمال انتهاك قواعد الحرب باستهداف أفرادٍ أو منشآتٍ لا تدخل في إطار الأهداف العسكرية المشروعة. ويُضعف الاعتماد المكثف على الاشتباك عن بُعدٍ عنصر المحاكمة العادلة.
يحذر شارّ من إمكانية تصميم آلياتٍ قتاليةٍ أقدر على تنفيذ مهماتٍ معقدةٍ بمعزلٍ شبه كاملٍ عن السيطرة البشرية الفعلية، مع تقدّم قدرات الذكاء الصناعي. تخلق هذه الأنظمة فراغاً قانونياً، إذ تصبح المسؤولية موزعة بين المصممين والمبرمجين والمشغّلين وقادة الوحدات السياسية والعسكرية، أو قد تُلغى بتبرير الأخطاء باعتبارها "قرارات آليّة".
وفي غياب إشرافٍ بشريٍّ فعّالٍ، تتآكل أيضاً الصفات الأخلاقية في الحكم على الأفعال. فالقيم والمعايير التي توجّه قرار العسكري في الميدان يصعب برمجتها بدقّةٍ في خوارزمياتٍ حاسوبية. ولذلك يطرح شارّ أهمية ضمان التحكّم أو الإشراف البشري على القرار الفوري باستخدام القوة في الأنظمة القائمة على الذكاء الاصطناعي، لإمكان مساءلة شخصٍ محدّدٍ عن النتائج.
تقليدياً، تتحمّل الدولة المسؤولية القانونية الرئيسة في النزاعات المسلحة، غير أن اتساع سلسلة توريد الأسلحة المسيّرة وتشابكها مع القطاع الخاصّ أدّى إلى توسيع دائرة المحاسبة المحتملة لتشمل الشركات المنتجة والداعمة لها.
ناقشت أستاذة القانون الدولي الإنساني ريبيكا كروتوف معضلة الفجوة القانونية الجديدة، في مقالها "وور تورتز" (أضرار الحرب) المنشور سنة 2015. إذ وسّعت المسؤولية القانونية المحتملة عن عمليات الأنظمة الذاتية إلى الشركات المصنّعة والمورّدة، إن كان لديها علمٌ مسبقٌ بعيوبٍ في المنتج أو إمكان استعماله في انتهاكات ضد المدنيين.
طُبّقت مساءلة الشركات في نطاق الحرب الأوكرانية، حين فرضت الولايات المتحدة منذ سنة 2022 عقوباتٍ على شركاتٍ مسؤولةٍ عن إنتاج المسيّرات أو توريد مكوّناتها إلى روسيا، التي أسهمت وفق القرار في "هجمات مدمّرة على البنية التحتية المدنية". ولكن المساءلة القانونية الدولية التي تطرحها كروتوف تتجاوز هذا الظرف السياسي المحدد.
مع المعضلات القانونية الجديدة التي فرضتها المسيّرات، فقد أسّست أيضاً عبئاً نفسياً إضافياً في الحروب.
وجود الطائرات المسيّرة المستمر في ساحات القتال يتسبب في توليد ضغوطٍ نفسيةٍ غير مسبوقةٍ على المدنيين والمقاتلين، إذ إن انتشار مئات الطائرات المسيّرة في مسرح العمليات يضيف طبقةً جديدةً من التوتر تتجاوز الخوف التقليدي من القذائف والرصاص، فتتحول السماء إلى مصدر تهديدٍ دائمٍ غير مرئيّ. وأظهرت الحرب الأوكرانية ثم معركة "ردع العدوان" في سوريا الأثر النفسي لسلاح المسيّرات على المقاتلين، وهو ما استُغلّ في الحرب النفسية عبر بثّ مقاطع الجنود قبل مقتلهم، إذ يبدون مختبئين خائفين، أو غير مبالين وعارفين بالخطر القادم.
وفي مقابلةٍ مع المراسلة البريطانية شينييد بيكر سنة 2025، قال جنديٌّ أمريكيٌّ سابقٌ شارك في الحرب الأوكرانية إن الجنود لم يستطيعوا مغادرة المخابئ في النهار خشية رصدهم واستهدافهم على الفور، وإن بعض زملائه فقدوا حياتهم عندما أُلقيت عليهم قنابل من طائراتٍ مسيّرةٍ من دون أن يسمعوا أيّ صوتٍ أو يرصدوا أيّ خطرٍ ظاهرٍ، إذ كانت الانفجارات تحدث فجأةً كما لو أنها من العدم.
وبين التطورات التقنية التي ساهمت في تصعيد هذا الأثر النفسي ظهورُ الطائرات المسيّرة المزودة بالألياف الضوئية عالية السرعة، التي تحلق على ارتفاعاتٍ منخفضةٍ وتصل سرعتها أكثر من مئة كيلومترٍ في الساعة، ما يجعل اكتشافها أو إسقاطها أمراً بالغ الصعوبة.
امتدّ هذا الأثر النفسي والتدميري إلى المدنيين، ففي سنة 2024 استهدفت المسيّرات الروسية في مدينة خيرسون الأوكرانية الأسواق والمركبات التجارية، وضربت سيارات إسعافٍ وأطقم إنقاذٍ، ما جعل عمليات الإغاثة ونقل الجرحى أشبه بمهماتٍ انتحاريةٍ، ودفع المدنيين إلى النزوح، وفق تقرير منظمة هيومن رايتس ووتش سنة 2025.
وفي السياق السوري، تسببت هجمات مسيّرات النظام السابق على سكان إدلب وريف حلب سنة 2024 بنزوح الأهالي مجدداً عن قُراهم. وهو ما يشير إلى أن الأثر النفسي والمعنوي لهذه الهجمات يفوق أحياناً أثرها المادي المباشر، إذ تمكّن الطرف المهاجم من تحقيق هدفٍ مزدوجٍ يتمثل في إضعاف البنية الاجتماعية وخلق حالة خوفٍ دائمةٍ داخل المجتمعات المحلية.
أحْدَثت المسيّرات الانتحارية تحولاً جوهرياً في مشهد الحرب الحديثة، وهو ما برز جليّاً في حرْبَيْ أوكرانيا وسوريا.
فعلى الصعيد التقني والتخطيطي أتاحت هذه التقنيات قدراتٍ هجوميةً دقيقةً ومرنةً بتكلفةٍ منخفضةٍ، مما غيّر معادلات القوة التقليدية ووفّر لأطرافٍ متعددةٍ القدرةَ على تحقيق تأثيراتٍ إستراتيجيةٍ كانت قبلُ حكراً على جيوشٍ ذات إمكاناتٍ عالية.
غيّرت هذه المسيّرات أساليب القتال الميدانية بفضل قدرتها على تنفيذ ضرباتٍ مباغتةٍ ودقيقةٍ دون حاجةٍ إلى تفوقٍ جويٍ تقليدي. فيما أضاف التهديدُ الدائم الذي تشكّله المسيّرات الانتحارية بُعداً جديداً للرعب وانعدام اليقين في ساحة المعركة، ما أثر سلباً على معنويات المقاتلين والمدنيين على حدٍّ سواء. أخلاقياً وقانونياً، فرضتْ طرقُ التحكم الجديدة التي تجمع بين التشغيل البشري عن بُعدٍ والاعتماد المتزايد على تقنيات الذكاء الاصطناعي تحدياتٍ جديدة. فقد باتت المسؤولية الأخلاقية عن القرارات الهجومية أكثر تعقيداً وضبابية.
ترتّب على ذلك انزياحٌ في مفاهيم التفوق العسكري التقليدي. فلَم يعُد التفوق مرهوناً فقط بحجم الترسانة العسكرية أو مدى التطور التسليحي التقليدي، بل أصبح مرتبطاً بمدى القدرة على توظيف هذه التقنيات الذكية ذات التكلفة المنخفضة.
أما المستقبل، فتشير الدروس المستخلصة إلى احتمالات تصاعد دور المسيّرات في النزاعات القادمة. ربما عبر انتشار أسرابٍ ذاتية القيادة أكثر ذكاءً وفتكاً، ما قد يدفع إلى تطوير استجاباتٍ دفاعيةٍ وأطرٍ تنظيميةٍ جديدة.
لم تعُد الحرب الحديثة محض ساحةٍ للصدام التقليدي المباشر فحسب، بل أضحت ميداناً تتشابك فيه الخوارزميات مع القرارات البشرية المُدارة عن بُعد. ما يدفعنا لإعادة النظر في مبادئ التفوق العسكري وأخلاقيات القتال في العصر الرقمي.

